islamaumaroc

روضة الورد للفيلسوف الإيراني سعدي الشيرازي

  دعوة الحق

العددان 70 و71

إن أداة التعبير الفارسية تكاد تكون توأما لأداة  التعبير العربية. فإذا كان هناك لغة فارسية ولغة عربية، فإن الأفكار والآراء متشابهة جدا بين العرب والفرس وعندما يتاح لعربي أن يقرأ أثرا فارسيا فإنه لن جد صعوبة في الفهم، لأن هذا الأثر يكاد يكون تعبيرا عن حياته.

إن التلاحم النفسي بين الأدب العربي والأدب الفارسي يعود إلى فجر الإسلام، يوم ترك الفرس عبادة النار بإدراكهم الحق في الإسلام فحدث أثر ذلك تسابق رائع في خدمة الفكر والعلم بين العرب والفرش، ولقد أدى هذا التسابق في التالي إلى تقديم ثمرات رائعات للفكر الإنساني العالمي الذي يذكر الآن بكل احترام وتقدير هذه الآثار، بل يصفها في مصاف أعظم الآثار الفكرية للعباقرة الخالدين.

وسعدي النيرازي واحد من هؤلاء، وقد قمت وزارة الثقافة والإرشاد القومي بدمشق بترجمة أثر من آثاره وهو«روضة الورد» وقد ضمن سعدي روضة الورد حكايات ظريفة ومفارقات شيقة وحكما وأفكارا سديدة وأشعارا فارسية وعربية، فكان هذا الكتاب في فائدته وطلاوة سرده وغنى معانيه وحلاوة ألفاظه روضة ممرعة بهية حالفة بأشتات الزهر.

لقد أصاب هذا الكتاب  شهرة أدبية كبيرة بعد أن ترجم إلى لغات العالم، تؤهله لأن يكون أبرز ما أنتجه الفكر الإنساني ومترجم هذا الكتاب هو الشاعر العربي السوري محمد الفراتي وقد عرف باطلاعه العميق على الأدب الفارسي القديم والحديث، وقد نهض بعبء ترجمة كتاب «روضة الورد» - كلستان- وحرص على أن ينقل الشعر الفارسي الوارد في الكتاب إلى شعر عربي مشرق مع محافظته على أداء المعنى دون تصرف أو تجريف، وعلى أن يترجم النثر الفارسي بنشر عربي يتفق في جمال سرده وأسلوبه ونسخه مع الأصل الفارسي. وقد قسم الكتاب إلى عدة أبواب الباب الأول في سيرة الملوك، الباب الثاني في أخلاق الفقراء، الباب الثالث في فضل القناعة، الباب الرابع في فوائد السكوت، الباب الخامس في العشق والشباب، الباب السادس في العشق والشيخوخة، الباب السابع في تأثير التربية، الباب الثامن في آداب الصحبة.
وقد أجاد المترجم نقل ما وته هذه البواب إلى العربية إجادة تامة – وألحق في المقال بعض الفقرات التي انتقيتها من هذه الأبواب -.

إن من يتتبع آثار هذا الشاعر العظيم الذي طبقت شهرته الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، يستطيع أن يستخلص تاريخ حياته بسهولة مما تركه بين أيدي الناس يتداولونه ويتدارسونه فيما بينهم، معجبين مأخوذين بهذه العبقرية الفذة التي لا يوجد الزمان بمثلها إلا في فترات قليلة بين حقبة وأخرى من الدهر بعيدة المدى متطاولة الأمد، وأن الذين أرخوه وعنوا بآثاره واستخلصوا تاريخ حياته من دواوينه الشعرية ومن نثره الساحر، خاصة في كتابه الخالد( كلستان)، وفي ديوانه الرائع (بوستان) أما اسمه الكامل فهو الشيخ مشرف الدين بن مصلح السعدي، أحد النجوم اللامعة في سماء الأدب الإيراني، فلقد بلغ أعلى درجات الفصاحة في اللغة الفارسية، كما أن نظمه ونثره يعد أحسن مثال في السلاسة والبلاغة، وقد ولد الشيرازي على الأغلب سنة 606 هـ.

ويقال  إن الشاعر كان في رعاية الأتابك سعد ين زنكي الذي أرسله إلى بغداد لإتمام علومه، ومن المعتقد أن الشيخ قد عزم على السفر إلى تلك المدينة للتحصيل لما رآه من الحروب والاضطرابات في نواحي فارس، وقد كان من نتائج هذا السفر ومن التقائه بعلماء بغداد وعظمائها، أن كان لكل هذا التأثير لا حد له في نفسية شاعر شاب، وفي أفكاره كّذلك، وقد كانت بغداد في ذلك الوقت، دار العلم، حضر فيها دروس أستذتها كالشيخ شهاب الدين السهروردي وهو كبار رجال الصوفية، وأبي الفرج بن الجوزي، وأمثالهما.
ثم عاد السعدي بعد بضع سنوات من تحصيله في هذه المدينة إلى موطنه في غيران، وقد تعرض إلى هجمات المغول، ولو تنج المدينة سيرزا نفسها- وهي موطن نشأته – من الثورات التي وقعت بين أحفاد الخوارز شاهيين وبين الأتابكة، فتأثرت نفسيته بذلك، ورغب في أن يطوف العالم ويجوب نواحيه فقام برحلات طويلة وزار مكة ودمشق وبلغ شمالي افريقية، وأقام مدة في الشام، وعاشر أهل تلك البلاد من الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا واختلط بالعلماء والعوام والصوفية والسنين والملاحدة والبراهمة، وقد تزود من كل ما تحمله أفكارهم ولم يفارق دمشق العزيزة عليه إلا في سنة 643هـ فيما يعتقد البعض، حين ابتليت بالقحط والغلاء والجراد وجفاف مياه العيون والأنهار، فرناها ابلغ رثاء وبكاها أحر بكاء، وخرج منها هائما على وجهه في بادية القدس، فأوقعه سوء حظه أسرا بيد الفرنجة، وافتداه صديقه الحلبي وزوجه ابنته فتخلص منها لوقاحتها ورحل عن حلب وهذا آخر عهده بديار الشام، وبعد هذا السفر الطويل، عاد الشيخ إلى موطنه سيرا مزودا بالخبرة، ممتلئ النفس بالأفكار الناضجة والعقائد العميقة فلما بلغها وجدها تحت حكم الأتابك أبي بكر بن سعد سنة 623/668هـ فوجد البسط في الرزق والأمان في الحياة وفي ذلك الموطن وجد السعدي القرائح والميل للتصنيف فألف ذخائر المعارف، ونفيس الآداب بعد أن أمضى عمرا طويلا في التنقل بين البلاد.

ومع أن الشاعر قد طبقت شهرته الآفاق منذ نشأته وسمع عن فضله منذ شبابه، وجرت أشعاره على الألسنة فإن أهم ما قام به في ذلك العهد – أي أواخر عهد السلطان الأتابك أبي بكر – أنه نهض للتأليف والتدريس وأول منظوماته الهامة والمشهورة هي (بوستان) وهذا الديوان يشتمل كله على قصص شعري في غابة الإبداع، وهو في هذا الديوان شاعر إنساني ومعلم أخلاقي وبعد سنة من إتمامه ألف مصنفه الآخر(كلستان) وهو أجود ما كتب في النثر الفارسي وأسلوب كلستان يطابق عنوانه (روضة الورد).
وتنتظم فيه القصص والأمثلة والحكم والنصائح الأخلاقية والاجتماعية في عبارات لطيفة متينة حتى لتستطيع أن تقول أن الكلستان شعر منثور، أو نثر مجرد عن الزوائد والحشو.

أما غزليات السعدي فيمكن أن نقول أنه مبتكر فيها، فقد تضمنت أبدع الإحساسات في روح الصوفية، فلم يبلغ شاعر آخر ما بلغه فيها، مع أنه يتضح من حكايات السعدي وحكمه أنه اندمج في زمرة رجال الصوفية لكن لم يكن من أولئك – كما يقول تعريف الكتاب – الذين نفضوا أيديهم من شؤون الحياة ولا من الذين لجأوا على الاعتزال، بل كان له لطافة أفكارهم وإشراق نفوسهم، في حياة معتدلة وعمل متزن.

وكان تأثير السعدي في الناحيتين الأدبية والأخلاقية لا حد له، ليس في إيران وحدها، بل في العالم أجمع، فإن بعض الشعراء المشهورين الذين جاءوا بعده كحافظ الشرازي وعبد الرحمان الجامي قد وضعوه موضع التقدير والإعجاب وأحلوه بينهم محل الفضل والإجلال، وقد بلغت شهرة السعدي أطراف العالم، ونقلت آثاره في النثر والنظم إلى جميع لغات الدنيا، وكانت محل إعجاب الأمم وتقديرها.
وقد توفي رحمه الله بين عامي 690/694هـ في شهرزاد ودفن فيها.

وشعر الشيرازي اتسم بالعمق والابتكار وجمال الأسلوب واستطاع أن يزاوج بين دفقة الحياة وسكون الخلود.
إن قارئ( روضة الورد) لن يستطيع أن يحدد مكان الذروة ومكان الضعف فالأفكار تنساب على سوية واحدة من الوعي العظيم والحكمة الخالدة، إن الآثار العظيمة لا يمكن أن تجزأ، إنها وحدة كاملة، يجد الإنسان نفسه أممها كالمأخوذ بل هي تفرض عليه خطها وفنها، ( روضة الورد) كتاب عظيم لا يمكن أن يمسك الإنسان فيه بفاصلة واحدة ويقف بها خارج الكتاب، إن قطعه وأفكاره وأشعاره متماسكة إلى حد عجيب ولقد اخترت بعض الأبواب ليتسنى للقارئ أن يتمتع ولو قليلا بهذا الأثر الخالد :

في سيرة الملوك :
روي أن أحد ملوك خرسان رأى السلطان محمود بن سبكتكين في المنام بعد وفاته بمائة عام، أن وجوده قد انحل وصار ترابا ما عدا عينه فإنهما ما تزالان تبصران، وبمحجريهما تحركان، وقد عجزا سائر الحكماء عن تأويل الرؤيا غير أن درويشا عبرها خير تعبير فقال : هو ناظر الآن فملكه باق وأن انتقل بيد الآخرين.

في أخلاق الفقراء :
فدمت عذري عن التقصير يا أملي
إذ لا اعتماد على نسكي وطاعاتي
تأت العصاة وأما العارفون فقد
تبرأوا لك من تلك العبادات
العابدون يطلبون منك تواب طاعتهم، والتجار يطلبون ثمن بضاعتهم، وأنا العبد جئتك بأهلي لا بطاعتي، وبذلي واحتياطي لا بتجاربي، اصنع بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله.

في فضل القناعة :
كان سائل مغربي ينادي بسوق البزازين في حلب، من أرباب النعمة لو كنتم منصفين وكنا نحن قانعين
لارتفع رسم السؤال من الدنيا.

في فوائد السكوت :
خسر تاجر أثناء تجارته ألف دينار فقال لولده: يلزم ألا يقع هذا الخبر الذي لم يطلع عليه غيري وغيرك بسمع احد، فقال الوالد : الأمر لك يا والدي، ولكن أطلعني على هذه الفائدة لأعرف ما ي المصلحة في الكتمان فقال الأب حتى لا تكون المصيبة الواحدة علينا مصيبتين، احدهما خسارة رأس المال والأخرى شماتة الأنذال.

في العشق والشباب :
ما مر من ذكر الحمى بمسمعي
لو سمعت ورق الحمى صاحت معي
يا معشر الخلان قولوا للمها
من ليس تدري ما بقلب الموجع
في الضعف والشيخوخة :
كنت ضيف شيخ في ديار بكر، عنده مال كثير وله غلام كالبدر المنير فقال ذات ليلة: لم يولد لي طوال عمري غير هذا الغلام، وذلك أن في هذا الوادي شجرة يقصدها الناس للمناجاة في قضاء الحاجات، وكم من ليلة ضرعت بجدعها لمولاي جل وعلا حتى وهب لي هذا الغلام، وسمعت أن الولد كان يقول لرفاقه خفية : ماضر لو عرفت مكان تلك الشجرة حتى أدعو بأن يموت أبي.

في تأثير التربية :
كان أحد الحكماء يبذل لأبنائه النصيحة على الدوام فيقول لهم : يا روح أبيكم، تعلموا المعرفة إذ لا يصح الاعتماد على ملك الدنيا وإقبالها، فالجاه والذهب لا يخرجان مع من ذهب والدرهم والدينار معرضان للأخطار. فأما أن يسلمهما قاطع طريق أو يأكلهما المالك بالتفريق، أما المعرفة فعين دائمة الجريان ودولة موطدة الأركان إذا زلت بصاحبها القدم لا يستولى عليه غم ولا ندم، إذ المعرفة نفسها دولة، فحيثما حل يكون بها مرموق القدر ولا يجلس إلا في الصدر، وإما عديم العرفان فحيثما حل ذليل مهان لا ينال من الخير كرة ولا يعيش إلا بالحسرة.

في آداب الصحبة:
جمع المال لأجل راحة العمر وليس العمر لأجل جمع المال، سألوا عاقلا من حسن الحظ ومن هو سيئة فأجاب : حسن الحظ ذلك الذي زرع فأكل، وسيء الحظ ذلك الذي كنز ما جمع وارتحل...
وبعد هذه العجالة الصغيرة لا يمكن أن نعطي للشيرازي حقه والذي يرغب أن يرافق هذا العبقري الخالد فليس أمامه سوى آثاره ذاتها لأنها وحدها القادرة على إعطاء فكرة واضحة كاملة عن هذا الرجل العظيم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here