islamaumaroc

فليشر وبروكلمان

  دعوة الحق

72 العدد

1لما شرفتني وزارة الخارجية الألمانية بتوجيه الدعوة إلى إلقاء كلمة الافتتاح لمعرض كتب المستشرقين الألمان في المملكة المغربية فكرت في موضوع لائق لهذه المناسبة السعيدة التي تربط بين المستشرقين الألمان وزملائهم علماء اللغة العربية وآدابها في المغرب كما تربط بين جمهور المهتمين بالأدب العربي في بلادنا، وقد كان الأستاذ ألبرت ديتريش قبل ثلاث سنوات ألقى محاضرة عن الدراسات العربية في ألمانيا وتطورها التاريخي ووضعها الحالي، ألقاها في بعض مدن المغرب تحدث فيها عن جهود علماء اللغة العربية والأدب العربي في ألمانيا في البحث والتحقيق ونشر الكتب في النواحي المختلفة من اللغة والثقافة العربية وتاريخ العرب والإسلام، وقد طبع نص هذه المحاضرة وهي موجود الآن في متناول الراغبين في الإطلاع عليها والتعرف بموضوعها، أما اليوم فقد أعدت جامعة ماربوك معرضا عن التصنيفات في الدراسات العربية في ألمانيا وأعارت الخزانة العامة بالرباط مجموعة من الكتب لهذه المناسبة فيؤدي المعرض صورة عن أعمال العلماء الألمان في هذا الميدان ويسهل للجمهور معاينة بعض ثمرات أشغالهم، فكثير من هذه الكتب قد تكلم عنها الأستاذ ديتريش وهي ولا شك تشهد لنفسها، فاتجه رأيي إلى أن أتحدث إليكم عن هؤلاء العلماء الذين تعتبر هذه الكتب أثرا من آثار اجتهادهم في خدمة العلم الشريف، والحقيقة أننا طلاب العلم كثيرا ما نستفيد من بعض الكتب الفوائد العظيمة وهي ربما تشغلنا مدة طويلة وتشاركنا جزءا من حياتنا كأنها أصدقاء مقربون ثم أننا لا نعرف عن مؤلفيها أكثر من أسمائهم.

فهلا يجدر بنا أن نسأل من وقت إلى آخر عن هؤلاء الذين اجتهدوا في جمع هذه الفوائد ثم نظموها وهذبوها وصنفوها حتى ييسروا للطلاب الإطلاع عليها فكرسوا حياتهم لهذا العمل الذي يثبت أساسا يصعد منه الطلاب إلى آفاق جديدة من العلم، غير أن هؤلاء العلماء عددهم كبير اقتصرنا على البارزين منهم فلا يمكن التعريف بكلهم في محاضرة، فلذلك اخترت اثنين منهم ربما يمثلان الآخرين خير تمثيل إذ يعتبران قدوة راقية في جهودهم العلمية، وهما يحتلان أيضا دورين في تطور الدراسات العربية في ألمانيا ألا وهما الأستاذان الكبيران هينزخ ليبرخت فلايشر وكارل بروكلمن.

ولد هينرخت فلايشر سنة 1801 ميلادية في شندو وهي بلدة صغيرة على نهر الألب في ألمانيا الوسطى من عائلة متواضعة، كان والده كاتبا في ديوان الضرائب هنالك، أما أمه فكانت بنت معلم مدرسة الكنيسة، وقد دخل الصبي المدرسة الابتدائية في شندو، وبعد قليل ظهر ذكاؤه لمعلمه فاعتنوا به عناية خاصة وعلمه أحدهم مبادئ اللغة اللاتينية حتى يسوغ له الالتحاق بالمدرسة الثانوية في مدينة بوتزن، وبان تفوقه على أكثر زملائه خصوصا في اللغات، فقد كان مولعا بدراستها ودراسة الآداب الأجنبية فقرأ الكتب اللاتينية واليونانية والفرنسية والإيطالية كما أنه أحسن بشوق إلى دراسة اللغات الشرقية حتى في هذا الوقت من حداثته، وكانت اللغة الشرقية الوحيدة التي تعلم في مدرسته هي العبرية فواظب على دراستها حتى قرأ التوراة كلها بهذه اللغة، ثم اتفق له وهو تلميذ في بوتزرن أن يعثر على نسخة قديمة لكتاب قواعد اللغة العربية الذي ألفه المستشرق الهولندي أرينيوس في أوائل القرن السابع عشر واختصره المستشرق الألماني ميخائيلس، وقد كانت النسخة ناقصة من أولها وآخرها ولم يجد فليشر معلما يجيد العربية فيرشده في تعلمها فدرس الكتاب بنفسه، وبهذه الطريقة تعلم المبادئ الأولى لكتابة اللغة التي كرس أكثر حياته لدراستها وتدريسها، وبجانب اهتمامه كان مشغوفا بالموسيقى وكان يجيد عزف البيانو.

وبعد أن تخرج فليشر من المدرسة الثانوية إلتحق بجامعة ليبزك الجامعة القديمة المشهورة في مقاطعة ساكونيا ودرس بها علم اللاهوت واللغات الشرقية وسمع بها الأستاذ جوتفريد هرمان رئيس مذهب جديد في علم فقه اللغة وقد تأثر فليشر بآرائه في منهجه العلمي ودرس اللغة العربية على الأستاذ أونست فريدشر كارل ووزئمولر فبعد مدة وجيزة بلغ فليشر في معرفة هذه اللغة درجة رفيعة حتى أن أستاذه كلفه بتدريس مبادئها لغيره من الطلاب، والحقيقة أن أستاذه لم يكن يهتم كثيرا بعلم اللغة العربية وسيلة فقط لدراسة الكتاب المقدس ولتصوير البيئة التي عاش فيها الأنبياء، وكانت الدراسات العربية في ذلك الزمان في ألمانيا عموما على مستوى منخفض، إلا أنه قد تقدم في جامعة ليبزك في القرن السابق العلم الجليل يوهن ياكوب ريسكه الذي كان يجمع بين علم اليونانية وعلم العربية وتبحر فيهما وقد كان رحل إلى ليدن في هولندة التي كانت تعتبر مدرسة الإستشراق الزاهرة في أوروبا فتمثل فليشر بكفاحه العلمي لرفع دراسة اللغة العربية والأدب العربي إلى مكان لائق في الجامعات الألمانية.
وبعد أربع سنين من دراسته في جامعة ليبزك نجح فليشر في امتحان علم اللاهوت في مدينة دريدن ثم امتحن في السنة التالية في الجامعة، ومن الجدير بالذكر أنهم في ذلك الزمان كان المفروض على الطلبة المرشحين للامتحان أن يحلفوا يمينا بأنهم لن ينتقموا من الأساتذة الممتحنين لهم إذا فشلوا، غير أن فليشر بطبيعة الحال نجح في هذا الامتحان بالامتياز وبذلك حصل على درجة الدكتوراه، وحينئذ واجه فليشر مشكلة اختيار مهنته، كانت رغبة والديه في أن يصبح قسيسا فيؤمن مستقبله بذلك، أما هو نفسه فكان يميل إلى تعلم اللغات الشرقية ميلا شديدا، وعلينا ألا ننسى أن دراسة اللغات الشرقية كانت ذات طريقة ضيقة في ذلك الوقت فلم يكن لمتعلمي هذه اللغات أمل في معيشة إلا في عدد قليل من الجامعات، فمن الطبيعي أن والديه خافا على مستقبله المادي، غير أنه قد عزم على مشروعه وفي النهاية وافق والداه على رأيه، وقد كان فليشر حصل ما يمكنه تحصيله من علم اللغة العربية في ألمانيا فاتجه حينئذ إلى خارجها وارتحل إلى باريس حيث كان هناك أستاذ سيفلس العالم المعلم المؤلف رئيس علماء العربية في أوربا في ذلك العصر، وكان يمثل محصول علم الشرق كله ويتمتع بشهرة عظيمة وكان لكل طالب رغبة في أن يقابله ويتلقى العلم منه شخصيا فيسافرون إليه من كل أنحاء أوروبا، ولم يكن هذا السفر شيئا هينا في ذلك الزمان للطلاب المقلين مثل فليشر فقد حصل على منحة دراسية صغيرة لم توفر له المعيشة في باريس، ثم أعطاه أحد الوزراء السابقين لنابليون منصبا يعلم أولاده وبذلك تمكن من أن يقيم  ثلاث سنوات في باريس ينهل العلم من أحسن مناهله واختلف فليتشر إلى محاضرات دي ساسي ودرس أيضا اللغتين الفارسية والتركية على أساتذة مدرسة اللغات الشرقية الحية، واعتنى باللهجات العربية العامية وقابل بعض العلماء المصريين هناك فسألهم عما أشكل عليه في هذا الخصوص، وكان فيما بعد في كثير من مقالاته يذكر المعلومات التي أخذها عنهم، ويختلف فليتشر يوميا إلى المكتبة الوطنية في باريس ويقرأ المخطوطات العربية وغيرها وينسخ الكثير منها فيستفيد من هذه النصوص المنسوخة فيما بعد في بحوثه، وفي أثناء إقامته بباريس ظهرت مقالته العلمية الأولى في المجلة الأسيوية الفرنسية، وهي تعليقات نقد لطبعة ألف ليلة وليلة التي أعدها هابخت في ذلك الوقت وقد بانت معرفته الواسعة بتطور اللغة العربية من هذه المقالة، ولكن أهم من هذا كله كانت صحبته لدي ساسي، فقد كان فليشر دائما يحفظ له التقدير العظيم، وعرف له التأثير الغالب في اتجاهه العلمي وقد وهبه دسي ساسي عندما غادر باريس صورة نفسه وكتب عليها. اعتباري انه كان من أجل الخدمات التي بذلتها للأدب الشرقي إنني أرشدت تلامذة مثلك ولكنهم قليلون نادرون.

رجع فليشر إلى وطنه في ألمانيا فاستفاد من معلوماته الجديدة لإعداد الفهرست للمخطوطات الشرقية في مدينة دريسن، ثم استكمل طبعة تاريخ أبي الفداء الذي كان ريكه اعتنى بنشره، ثم حالت وفاته بينه وبين إتمامه وأضاف فليشر إلى النص العربي ترجمة باللغة اللاتينية، واضطر فليشر حينئذ للتدريس في مدرسة ثانوية في ليبزك، أقول اضطر لأن التدريس لم يكن يتعلق بموضوع تخصصه ويشغله وقتا كثيرا عنه ولم يكن من المتوقع أن يعين قريبا لمنصب في إحدى الجامعات الألمانية لأن كراسي اللغات الشرقية قليلة وكلها مشغولة، ولكن شهرته قد بدأت تنتشر إلى خارج حدود ألمانيا فتلقى دعوة من روسيا من مدينة سنت بيترسبورغ التي هي ميننجراد اليوم لمنصب أستاذ اللغة الفارسية في جامعتها وملحق في مجمعها العلمي فقبل الدعوة بسرور وكان على وشك السفر إلى روسيا لما توفي أستاذه السابق في ليبزك فدعته جامعة ليبزك ليخلفه في منصبه فبعد مفاوضات استقال فليتشر من منصبه بجامعة سانت بيترسبورج فعين أستاذ اللغات الشرقية في ليبزك، وقد نشر في ذلك الوقت ترجمته للأعلاق الذهبية للزمخشري بعد أن أصلح النص الذي نشره المستشرق المشهور فون هامر ووجه نقدا حادا إلى هذا العالم الذي كان يعتبر رئيس الدراسات الشرقية في ألمانيا، انتقده لتسهله في تحقيقه للنصوص العربية  ثم رد عليه فون هامر ونشأ عن ذلك تشاجر علمي بينهما دام سنوات. وبالنهاية انتصر فليشر في الرأي العام للعلماء ثم أصلحت الأمور بينهما، ولا يهمنا اليوم هذه المشاجرة إلا أنها تدل على الناحية في منهج فليشر العلمي الذي تميز بها عن زملائه والتي مكنت سمعته بينهم وهي معرفته بدقائق اللغة العربية معرفة غير معهودة في أوروبا ذلك الوقت، فقد كان فليشر قبل كل شيء لغويا يلاحظ الظواهر اللغوية بالدقة، في الألفاظ والنحو والصرف ويهتم بتصليح النصوص القديمة المحرفة، فيصل بذلك إلى فهم اصح لها، فعقليته البعيدة كل البعد عن التخيل، يكره التوهم كما يكره أن تخضع ظواهر اللغة لقواعد عامة بعيدة عن أصلها، وفي كل ذلك كان دائما يشير إلى ضرورة دراسة كتب النحاة واللغويين العرب، فقد اعتنى قدماء العرب بوصف لغتهم ووضع قواعد استعمالها عناية لا مثيل لها بين الأمم القديمة، فكان من رأي فليشر وهو يتبع رأي أستاذه دي ساسي في ذلك أن كل دراسة للغة العربية يجب أن تبنى على المعلومات التي جمعها النحاة واللغويون العرب على مذاهبهم المختلفة لأنهم كانوا أقرب إلى اللغة العربية الدارجة في زمانهم من المحدثين وليس معنى ذلك أنه كان يقول بتقليد هؤلاء القدماء في كل آرائهم وتصويب مذاهبهم، بل كان يرى ضرورة بحث النصوص القديمة بذهن يقظ نبيه مفتوح للخواطر الجديدة كما اهتم دائما بتطور اللغة التاريخي، فلم يعتبر دورا واحدا مثاليا كما فعل القدماء، ولذلك راقب باهتمام مظاهر النهضة الثقافية العربية في عصره وراسل ممثليها مثل نظيف اليازجي وبطرس البستاني، ولن ننسى العقبات الشاقة التي وجب أن يتغلب عليها مثل هذا الإتجاه في دراسة اللغة العربية فلم تنشر بعد القواميس العربية وكتب النحو والنصوص القديمة إلا القليل منها، وربما طبعت من قبل أشخاص قلت معرفتهم باللغة العربية فوقعت في طبعها الأغلاط الكثيرة، وأما المخطوطات العربية التي وصلت إلى أوروبا فلم توجد فهارس لها في كثير من خزائنها، ثم بدأت في زمن فليشر حركة قوية لنشر الفهارس والنصوص باللغات الشرقية بالأسلوب العلمي المعهود في نشر النصوص اللاتينية واليونانية يقارن كل المخطوطات المعروفة للنص ويشار إلى القراءات المختلفة لها، وبذلك يتوصل إلى أصوب نص وقد شجع فليشر زملاءه وطلابه على مثل هذا العمل وساعدهم بمعلوماته وقراءاته الواسعة وزملاؤه يعرضون عليه مشاكلهم وهو دائما على استعداد لأن يعاونهم على قدر طاقته، ففي كثير من الكتب العربية المنشورة في أوروبا في ذلك الوقت نرى الإشارات العديدة إلى اقتراحاته بإصلاح النصوص وإدارك الصواب وهو نفسه نشر تفسير البيضاوي في مجلدين أسوة للتحقيق العلمي الصحيح للنصوص.

درس فليشر في جامعة ليبرك بجانب اللغة العربية في البداية الآرامية والعبرية والفارسية والتركية ثم أسقط بعد ذلك الآرامية والعبرية من جدول تدريسه، واقتصر على اللغات الإسلامية الثلاث المهمة فقط العربية والفارسية والتركية، وهي اللغات التي تجب دراستها حتى الآن على كل طالب متخصص في الدراسات الإسلامية في ألمانيا، غير أن ميدان فليشر الذي امتاز به وبلغ الذروة فيه هو اللغة العربية، فأصبح بعد موت دي ساسي عميد علماء هذه اللغة في أوروبا كلها يقصد إليه الطلاب في ليبزك كما كانوا يقصدون إلى أستاذه في باريس فكان أكثر علماء الطبقة التالية من تلاميذه، ولما تلقى فليشر دعوة إلى كرسي في جامعة برلين وكانت تعتبر أعلى شرف لعالم في ألمانيا رفضها فلا يشك أن الطلاب يقصدونه حيث ما كان فلا حاجة له لأن يأتيهم في برلين مركز الدراسات الجامعية في ألمانيا فبقي فليشر يدرس في جامعة لبزك أكثر من نصف قرن حتى وفاته سنة 1888.

وإذا سألنا نحن اليوم لماذا بقي إسم هذا الرجل مشهورا من بين علماء جيله ولماذا نجدد ذكراه بمناسبة تهم المستشرقين الألمان على العموم فالجواب الذي يتبادل إلى الذهن في ذلك أن له الأثر الأكبر في رفع علم اللغة العربية والأدب العربي إلى مكانه اللائق في الجامعات الألمانية خاصة والثقافة الألمانية عامة فلم يضع فليشر هذا العلم في ألمانيا ولكنه فتح له أبواب الجامعات فصار عضوا من أعضاء أسرة العلوم الجامعية بعد أن كان ضيفا غريبا بينها، وقد اتسعت الدراسات العربية اتساعا ملحوظا في خلال حياته وبعده على أيدي طلابه، واليوم تدرس وتدرس اللغة العربية والآداب العربية، في كل الجامعات الألمانية وقد أصبح فليشر عضوا في كل المجامع العلمية في ألمانيا كما كان عضوا في المجامع العلمية في فرنسا وروسيا وهولندة والنرويج وهنغاريا فاعترفت بذلك تلك المجامع بقدره العلمي كما اعترفت بأهمية الدراسات العربية، ومما يعرفه له المستشرقون الألمان اليوم أيضا أنه كانت له العناية الكبرى في تأسيس جمعيتهم، جمعية المستشرقين الألمان، وقد سبق تأسيس الجمعية الأسيوية بفرنسا بعناية دي ساسي سنة 1821 كما أسست انكلترا الجمعية الأسيوية الملكية فاقترح فليشر مع بعض زملائه إنشاء جمعية ألمانيا مثلها تأسست سنة 1845 فأصبح فليشر العضو رقم واح بها تكريما له وشكرا لجهوده الكبيرة في تأسيسها وبقي فليشر هو المحرك لها طول حياته ولا شك أن لهذه الجمعية وللمجلة التي تصدرها التأثير العظيم في تشجيع الدراسات الشرقية ونشر نتائجها في ألمانيا وهذه المجلة لا تزال تظهر وتشتمل على البحوث الهامة وإن تعددت المجلات المختصة بالدراسات الشرقية منذ ذلك الوقت فتظهر بجانبها مجلة الإسلام ومجلة الشرق ومجلة العالم الإسلامي وغيرها.
ومن الواضح أن تأثير فليشر في توجيه الدراسات العربية في ألمانيا قوي حتى اليوم، فلا تزال مدرسته بمعنى عام حية ينتمي غليها كثير من علماء العربية، فاهتمامهم الأول بدراسة ظواهر اللغة وتاريخها، يعرفون أن الفهم الصحيح الدقيق للنصوص هو شرط كل تقدم في العلوم النقلية، ويجوز أن نعتبر من ثمرات هذا الإتجاه في أيامنا مثلا كتاب الأستاذ فوك في تاريخ اللغة العربية الذي ترجم إلى اللغة العربية، ومشروع القاموس العربي الكبير الذي بدأ الأستاذ فليشر يجمع المواد له من كل المصادر المهمة القديمة ثم حالت وفاة فليشر بينه وبين إتمامه، وقد نشرت في السنوات الأخيرة الأجزاء الأولى لهذا القاموس بعناية الأستاذ سييتالر وغيره، على أنه مشروع واسع حقا فلا يتوقع إتمامه في المستقبل البعيد.

تقدمت الدراسات العربية والشرقية بعد فليشر بخطى سريعة في ألمانيا وربما يعتبر ذلك العصر قبل الحرب العالمية الأولى هو عصر الإستشراق الذهبي بها فاجتذبت إلى حيزها عددا كبيرا من الطلاب الممتازين أصبحوا علماء يقل نظيرهم فرفعوا سمعة ألمانيا في هذا المضمار حتى كانت تعتبر في مقدمة بلدان أوربا به، وفي هذا العصر نشأ كارل بروكلمن وشرع في نشاطه العلمي.
كان مولد بروكلمن سنة 1868 بعشرين عاما قبل وفاة فليشر في مدينة روستوك في مقاطعة مكلنبورغ على شاطئ البحر البلطيقي، ولد في عائلة تجار معروفة وكانت والدته مثقفة فحببت إليه قراءة الأدب الألماني وبدت عبقريته في تعلم اللغات منذ حداثته، فقد اهتم بتاريخ لهجة وطنه مكلنبورغ وحافظ على هذا الميل طيلة حياته وفي نفس الوقت أحس برغبة شديدة في زيارة القارات النائية والبلدان الغربية، فكان يرغب في أن يصبح طبيب سفينة أو ترجمانا حتى يرى العالم كله، ولذلك بدا يتعلم كل اللغات التي تمكن من تعلمها في مدرسته، فتعلم من اللغات الشرقية العبرية والسريانية، ولما إلتحق بجامعة روستوك درس العربية والتركية ودرس أيضا التاريخ واللغات القديمة وبعد سنة انتقل إلى جامعة برسلو، ثم بعد سنة أخرى إلى جامعة ستراسبورغ فتلقى العلم هناك على يدي الأستاذ تيودور تولدكه العالم الجليل المتبحر في اللغات السامية كلها فكان لتولدكه التأثير الكبير في توجيهه إلى ميدان اللغات السامية نهائيا، غير أنه اعتنى في ستراسبورغ أيضا بدراسة اللغة السنسكريتية والأرمنية والمصرية القديمة والتاريخ والآثار القديمة والفلسفة، ومن هذا يتبين سعة اهتمامه العلمي العجيبة وقدرته البالغة على التعمق في علوم شتى.

وبينما كان يدرس في ستراسبورغ عرض أستاذه نولدكه جائزة للطالب الذي يبحث ويبين العلاقة بين تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير، فكتب بروكلمن في مدة بضعة أشهر رسالة بهذا الموضوع حصل بها على درجة الدكتوراه، ثم ابتدأ بتدريس اللغات القديمة في مدرسة من مدارس ستراسبورغ غير أنه في نفس الوقت واصل دراساته العربية فأكمل بإقتراح نولدكه نشر الجزء من ديوان لبيد مع ترجمة باللغة الألمانية ولم يرضه التعليم في المدرسة فعاد إلى برسلو وقدم إلى جامعتها رسالة بحث عن تاريخ ابن الجوزي المسمى بكتاب المنتظم فمنحت له حق التدريس بها ثم نشر بعد سنتين أول مصنف كبير له القاموس السرياني اللاتيني ثم طلب الأستاذ ساخو إليه الاشتراك في نشر كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد وسهل له السفر إلى لندن واستنبول للإطلاع على مخطوطات هذا الكتاب المحفوظة هناك فسافر بروكلمن إلى لندن ومنها إلى باريس ومرسيليا وأثينا ثم اسطنبول فأقام بها نصف سنة فبجانب عمله المفترض عليه نسخ كتاب عيون الأخبار لغبن قتيبة فاعتنى به بعد عودته إلى ألمانيا.

وكان نشر هذا الكتاب داعية من دواعي تأليف كتاب آخر أثبت شهرة بروكلمن العالمية فيما بعد فقد طلبت دار النشر التي اعتنت بإصدار كتاب عيون الأخبار من بروكلمن كتابا غيره أليق بإقبال العامة في ألمانيا على شرائه من كتاب باللغة العربية، فتعهد برولكمن بتأليف كتابه المسمى بتاريخ الأدب العربي.
ولما طبع أول جزء من هذا الكتاب الذي يعتبر اليوم من أهم المراجع لكل باحث في ميدان الدراسات العربية لا يستغنى عنه، وصفه بعض ناقديه فيقول سخرية به وهذا ما يسميه بروكلمن تاريخا للأدب العربي، والحقيقة أن هذا الكتاب يخالف ما يسمى عادة بتاريخ أدبي فقد فهم بروكلمن لما شرع بتأليفه أن حال دراسات الأدب العربي لا تسمح بعد بوصف شامل لتطوره من الناحية الفكرية في كل أدواره، ولم يطبع إلا النصيب الضئيل من آثاره الغفيرة الغنية وما يدرس دراسة علمية هو أقل من ذلك، وكان بروكلمن يكره أن يبني عمله على أسس غير سليمة، فلذلك رسم خطته بأن يذكر في كتابه كل النصوص العربية التي وصلت إلينا في الآداب والعلوم المختلفة وإلى طبعاتها منظمة حسب مؤلفها وموضوعاتها، ويجمع أيضا أهم المعلومات عن حياة المؤلفين فيصبح الكتاب بهذا أساسا للبحوث العلمية في المستقبل، ولا شك أن مثل هذه المهمة كانت جسيمة ومما ساعد بروكلمن على إتمامها قوة ذاكرته المدهشة ومقدرته على العمل المتواصل المنظم، ولم يعبأ بروكلمن بنقد الناقدين لكتابه بل استمر على خطته، ثم بانت قيمته العظيمة تدريجيا، وواصل بروكلمن جمع المعلومات الجديدة بعد تمام طبعه أيضا يريد أن ينشره طبعة ثانية مكملة مصححة للكتاب فمنعته ظروف دار النشر التي كانت لها حقوق الطبع بعد خمس وثلاثين سنة من الطبعة الأولى نشر ملحقين ضخمين ثم نشر بعد ذلك ملحقا ثالثا تناول فيه الأدب العربي الحديث من آخر القرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر وزاد به على خطته في الأجزاء السابقة بأن يصف وينقد محتويات الكتب المذكورة يشير إلى أمثلتها الأدبية ويعلق على لغتها وأسلوبها، وهذا يدل على اهتمامه الكبير بالثقافة العربية المعاصرة ولم يخف بروكلمن عطفه على تيارات التحرير السياسي في البلدان العربية، وراسل الشعراء والأدباء والعلماء العرب مما زاد من احترامه في العالم العربي، وقد سر بروكلمن قبل وفاته، سنة 1956 بخبر أن جامعة الدول العربية اعتنت بترجمة كتابه مع ملاحقه إلى اللغة العربية ونشرها ومن هذا يتضح أن قيمة الكتاب العلمية لا تزال كبيرة بين علماء العربية المستشرقين منهم والعرب أنفسهم.

أما آثار بروكلمن العلمية الأخرى فلا يمكن تعدادها هنا ولن نذكر منها إلا أهمها وأشهرها حتى تتضح سعة عنايته العلمية، فمنها كتابه المسمى بخلاصة النحو المقارن للغات السامية بمجلدين، وهو لا يزال الكتاب المعتمد في هذا العالم وكان أحب كتبه غليه لأنه كان ثمرة أفكاره الشخصية أكثر من غيره وأتبع طريقة اللغويين التاريخيين التي اتبعها أيضا في كتابيه في قواعد اللغة السريانية والعربية اللتين تستعملان كثيرا بتدريس هاتين اللغتين في ألمانيا، واشتغل كثيرا بروكلمن طويلا ببحث اللغة التركية قديما وحديثا فاعتنى بشرح كتاب ديوان لغات الترك لمحمود بن الحسين الكاشفري وألف قاموسا للغة التركية المتوسطة ووضع كتابه في قواعد اللغة التركية الشرقية وتطورها ومن مشهور مؤلفاته كتابه المسمى بتاريخ الدول والشعوب الإسلامية فكان هو الكتاب الوحيد الذي يشتمل على تاريخ الشعوب الإسلامية كلها من أول ظهور الإسلام حتى العصر الحديث وقد ترجم الكتاب إلى اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والتركية والبولندية.

لا حاجة لنا بعد ذلك للدلالة على آثار هذا الرجل العلمية لا تزال حية في ألمانيا وخارج حدودها وأن سطوته بقيت قوية بين العلماء، وقد أتيح لعدد كبير من مستشرقي ألمانيا المعاصرين أن يأخذوا العلم من خلال حياته الطويلة وكانت حياة أستاذ عالم أكثرها بحث وتأليف وتدريس ولن نتبع هنا أدوارها في تنقله بين الجامعات الألمانية ولن نذكر أيضا ما شرف به من التشريفات العظيمة تقديرا لخدماته الجليلة لتقدم العلم، وبعد وفاته يواصل طلاب العلوم الشرقية دراستهم على كتبه ويستفيدون منها الفوائد الجمة، أما هو نفسه فكان من تواضعه أنه لما شرفته جامعة هالة بمناسبة عيد ملوده الثمانين ذكر مهنئيه أنه من حظ كل عالم أن نتائج عمله بعد مدة قصيرة تتخلف عن تقدم العلم فبعد خمسين سنة من وفاته يصبح النافع منها في الملك المشترك بين العلماء أما الأخطاء فتنسى.

غير أننا لا نشك في أن أسماء العلماء البارزين مثل بروكلمن قد أصبح معروفا في العالم أجمع فقد ترجمت كتبه إلى اللغات الغربية والشرقية ومنها العربية، وقد تغيرت أوضاع الدراسات الشرقية منذ عصر فليشر فكان الإستشراق في أيامه هو البحث عن تراث الحضارات الشرقية الذي قام به بعض العلماء في أوربا وكان فيشلر كما ذكرنا يراقب من بعيد الظواهر الأولى للنهضة الأدبية العربية في الشام، أما بروكلمن فنشاهد مرحلة جديدة لهذه النهضة الثقافية فقد صارت حركة قوية عمت البلدان العربية كلها كما شاهد حركة التحرر السياسي فانفعل لها ووصفها للمستشرقين وللرأي العام، وكان من عواقب النهضة الثقافية في العالم العربي انتشار العلوم الحديثة ومعرفة أساليبها ومناهجها فيه ومنها هذه العلوم التي تسمى بالإستشراق فابتدأ العلماء العرب يهتمون بنتائج عمل زملائهم في أوربا ويأخذون المفيد عندهم ويضيفون إليها بحوثا جديدة، ثم ابتدأ المستشرقون يهتمون ببحوث زملائهم في الشرق كما كانوا يهتمون بأعمال العلماء القدماء فيقرؤون كتبهم ومقالاتهم العلمية ويتبادلون الآراء معهم في المؤتمرات العلمية والمقابلات الشخصية فنشأت من ذلك المناقشة التي هي من ظواهر ازدهار العلوم كما نشأ منه التعاون في العلم العلمي الذي ينفع تقدم معارفنا والتفاهم بين الشعوب.
ومن مظاهر ذلك التعاون وثمراته هذا المعرض معرض كتب المستشرقين الألمان الذي نحتفل اليوم بافتتاحه، ففي ختام هذه الكلمة اسمحوا لي أن أعبر باسم كل القائمين بالدراسات العربية في ألمانيا عن سروري العظيم باهتمام المختصين والرأي العام في المملكة المغربية بأعمال العلماء الألمان في هذا الميدان فأتمنى لهذا المعرض النجاح في أداء صورة صادقة لها تشجيعا للمناقشة العلمية والتعاون في البحث في خدمة العلم والتفاهم بين الشعوب.

 

  1هذا نص المحاضرة التي ألقاها العالم الألماني بتطوان بدعوة من كلية أصول الدين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here