islamaumaroc

اللغة العربية كمال قوميتنا.-2-

  دعوة الحق

72 العدد

*1إذا أردنا دراسة الوضع اللغوي في بلادنا يتحتم علينا أن نرجع قليلا إلى الوراء لمعرفة مختلف الحضارات القديمة التي عرفها المغرب في عهود ما قبل التاريخ؛ فقد تعاقبت على بلادنا حضارات الرومانيين والقرطاجنيين والفينيقيين وغيرهم وكان لكل من هذه الحضارات أثر في المجتمع المغربي القديم يتجلى في مختلف الآثار العهيدة التي لا زالت تشهد بذلك. وقد كان تأثير بعض هذه الحضارات قويا إلى درجة ثم معها خلق حركات أدبية قائمة بالذات، وتشهد بعض المصادر أن تأثير الفينيقيون من حيث اللغة كان قويا حتى نبغ عدد من الأدباء لمعوا في ميدان العلم والأدب في المغرب وكان تعبيرهم فينيقيا محضا. وقد عثرت مؤخرا على بحث تاريخي جليل يصور تأثير الفينيقيين في نفوس المغاربة وقد ذكر صاحبه عددا من الأدباء والعلماء المغاربة كان لهم دور عظيم في مضمار الحضارة الفينيقية بالمغرب.

ولكن أهم فتح لغوي عرفه المغرب هو الذي تم على يد العرب والمسلمين منذ القرن الأول للهجرة والقرن السابع الميلادي. فمنذ ذلك العهد واللغة العربية تشق طريقها في مهل واتئاد وتتمركز شيئا فشيئا إلى أن أصبحت لغة البلاد الرسمية كما صار الإسلام دين المغرب من الوجهة الرسمية فنحن عندما نقف على لغة التخاطب والكتابة في وطننا نجد أن اللغة العربية التي تمكنت من بلادنا منذ دخل العرب الفاتحون ومنذ وطئ المسلمون أرضنا. وإذا كانت اللغة العربية فرضت وجودها التاريخي فليس معنى هذا أنها أصبحت اللغة الوحيدة المنتشرة في المغرب إذ لا زالت في بلادنا لغة أصيلة هي اللغة البربرية التي تعتبر لغة السكان الأصليين. ولكن هذه اللغة متعددة اللهجات حسب الأقاليم والنواحي وليس باستطاعة أية لهجة أن تفرض وجودها على الأخرى ولهذا وجدت اللغة العربية سبل الإنتشار مفتوحة أمامها فترعرعت وتطورت وأصبحت ترجمان مشاعر المغاربة منذ عهد عقبة بن نافع إلى اليوم وإن كانت هناك عوائق وعوارض وعقبات اعترضت طريقها وحاولت القضاء عليها خصوصا في عهد الاحتلال حيث عمل المحتلون على فرض لغة أجنبية بمحاولة تعليمها مكان اللغة العربية. والمحاولات التي قام بها الفرنسيون في هذا الشأن معروفة فقد قام هؤلاء الأجانب بإحلال لغتهم محل لغة الضاد في الأماكن التي كانت تعلم فيها اللغة العربية ثم قاموا بمحاولات لتيسير اللغة البربرية بمختلف لهجاتها حتى يسهل على أصحابها كتابتها والمحافظة عليها ولكن مجهودات المحتلين ذهبت سدى لأن اللغة العربية استطاعت الصمود في وجه هذه المحاولات الرامية إلى القضاء عليها كما استطاع المؤمنون بقوة لغة الضاد أن يبذلوا مجهودات مشكورة لتركيزها والحفاظ عليها.

وقد كان غرض المستعمرين من وراء فرض لغتهم وتقوية اللهجات البربرية وتضعضع اللغة العربية هو أن يسلبوا المغرب من أقوى مقومات ثقافته ووجوده الذاتي إذ من المعروف أن اللغة هي عنوان حضارة الأمم وسيادتها وتقدمها والبلاد التي لا تستطيع أن تقوي وسائل تعبيرها تبقى ضعيفة المقومات بسيطة المعنويات والشعوب التي لا تسير في طريق النهوض بخطى ثابتة إلا عندما تصبح عندها أداة التعبير سليمة ولغة التخاطب والتفاهم موحدة قويمة. ويكفي أن ترى الصعوبات التي تعترض رجال التعليم في هذه الأيام لندرك آفات اللغة وأخطارها على الشعوب والأمم فلو بقي تعليمنا عربيا كما كان في الماضي لما طرأت هذه الصعوبات الجمة التي تقف حجر عثرة في طريق إيجاد منهج تعليمي في المغرب ومنع وضع تصميم قار للتعليم والتربية في بلادنا يضمن تعريب المواد والكتب ويضطرنا في كثير من الأحيان إلى تعريب الرؤوس المفكرة ومغربتها معنويا إذا ما اقتضى الحال ذلك.

واللغة ظاهرة اجتماعية خطيرة وعدم توحيد اللغة في قطر من الأقطار يؤدي إلى ويلات ونكبات اجتماعية لا يعلم إلا الله مداها، وأن نظرة مستعجلة على بيئتنا ونخبتنا المثقفة في هذه الظروف تبين لنا ما نكابده من مشاق وما نتعثر فيه من مشاكل يرجع أصلها الأول والأخير إلى تعدد لغات أعضاء هذه النخبة واختلاف ميولهم الناتج عن اختلاف تكوينهم هذا الاختلاف الناتج بدوره عن اختلاف اللغة التي درسوا بها. فقد انقسم مجتمعنا المغربي أقساما عديدة وحصل في صفوف  المواطنين تصدع خطير يوشك إذا لم يتدارك في حينه أن يؤدي إلى تشتيت معنوية المواطنين وتحطيم آمالهم وأمانيهم في وحدة وطنية متراصة؛ ونحن إذا نظرنا إلى المجتمع المغربي واعتبرنا تكوين المواطنين عموما والمثقفين خصوصا نجد أن مجتمعنا ينقسم إلى عدة أقسام:
أولها: فريق الذين تكونوا في المدرسة الأصلية وتلقوا تعليما عربيا خالصا أساسه أمهات كتب اللغة العربية المتينة ودعائمه الأصول التعليمية الدينية القويمة.

ثانيهما: فريق الذين تكونوا تكوينا خالصا معاصرا أساسه الكتب الحديثة التي جعلت رهن إشارة الذين ينتمون إلى هذا الفريق وهي كتب ومؤلفات قيمة ولكنها لا تدرك قيمة الكتب والمؤلفات التي درس بها الفريق الأول الذي تخرج جل أعضائه من المعاهد الأصلية كالقرويين وابن يوسف وتطوان وتارودانت وغيرها من المساجد والزوايا في مختلف مدن المغرب وقراه التي تتوفر على مساجد وزوايا تعطى فيها دروس جليلة الفائدة كالزاوية الدلائية والناصرية والإلغية وغيرها. 

الكم والكيف عن التكوين الذي حظي به أصحاب الفريقين الأول والثاني، فقد عرف هذا الفريق مدارس نظامية حديثة أحدثها الأجانب وجعلوا لغتهم أساس التعليم فيها فنشأ في تلك المدارس الأجنبية لغن ونظاما وأسلوبا  ولحما ودما فريق من المثقفين اختلف تفكيرهم عن تفكير إخوانهم الآخرين باختلاف التكوين، ومن الطبيعي أن يؤدي اختلاف التكوين إلى اختلاف في التفكير والنظر إلى الأمور والتدبر في حياة البلاد ورقيها، وهذا سبب التطاحن والتنازع الذين تعرفهما بلادنا الآن بين أصحاب اللغة العربية ومناصريها وأنصار التعريب ودعاته من جهة وبين أصحاب التمسك باللغة الأجنبية فرنسية كانت أو اسبانية من جهة أخرى. فكل فريق متشبت بالطريقة التي تكون فيها وكل فريق متمسك بالأسلوب الذي تربى عليه، وبين هذين الموقفين المتعارضين تتعطل المصلحة العامة أو تتعثر على الأقل ولو أنا فكرنا جديا في الموضوع وتدبرنا مليا في هذه المعركة وتجردنا عن العواطف والنزوات والأغراض والنزعات لسهل علينا الإتفاق على خطة تقتضي بأن تأخذ من كل فريق أحسن ما عنده وأنسبه لروح العصر وانفعه للمواطنين ونترك كل ما ليس فيه منفعة لأحد. أما التعصب والجدال العقيم فلن يؤديا إلا إلى الخراب وضياع مصلحة المواطنين. ويجب أن لا يعزب عن أذهاننا ما يترتب عن هذا الإختلاف من مصائب اجتماعية كتشتيت شمل الوحدة الوطنية وتصدع الكيان الوطني وانهيار التفكير الاجتماعي الموحد وتضعضع النظام العائلي وتعثر النمو الاجتماعي وتبعثر الجهود وقيام وحدات فكرية متباينة وأنظمة اجتماعية متعارضة واعتماد كل فريق على المساعدة الأجنبية لتقوية صفوفه والقضاء على خصومه، أما في اليوم الذي يحصل فيه الإتفاق على لغة وطنية موحدة فإن جميع الصعوبات ستتبدد لأن توحيد اللغة سيؤدي إلى توحيد التفكير الذي سيؤول إلى اتفاق المشاعر والميول وليس الخطر كله في وجود لهجات متباينة وتعابير متفارقة يتميز بعضها عن بعض ولكن الخطر كل الخطر هو كل ما يتركه هذا التعدد وهذا التباين من تأثير في نفوس المواطنين وميولهم ونفوذ إلى ذهنيتهم التي تتحول بتحول اللهجات وتفترق بافتراق لغات التعبير.

إذن فنحن أمام خطر اجتماعي محقق إذا لم نتدارك الموقف ونعمل على توحيد تعليمنا ونبذ اللهجات التي لم تستطع فرض وجودها بالكتابة والخط ونمسك بلغتنا العربية المتينة التي لها الفضل في تطور مجتمعنا وازدهار حضارتنا التي كانت السبب في ربط صلاتنا بالعالم أجمع إذ جعلنا نتأثر ونؤثر ونأخذ ونعطي ونمنع كبقية الشعوب الراقية المتحضرة.

ومن المعلوم أن دعوتنا للغة العربية لغة الدين والقرآن نبذنا للغات الأجنبية الموجودة في العالم من فرنسية واسبانية وانجليزية وروسية وصينية وألمانية وغيرها بل ندعو إلى الاعتماد على لغتنا العربية في التعليم أولا وفي الإدارة ثانيا وفي المجتمع ثالثا حتى تتوحد المشاعر بتوحيد التخاطب ولا يحدث وسط مجتمعنا انشقاق لغوي كالانشقاق الذي يهدد كندا وبلجيكا وبعض الأقطار الإفريقية اليوم.

 
وبعد إعطاء اللغة العربية المكانة اللائقة بها وبنا كناطقين بها نعود إلى تعلم لغة أو لغات أجنبية حتى تتفتح مداركنا على علوم هذه اللغة ونستطيع الكرع من مناهل أخرى تفيدنا أولا ويستفيد من ورائها الوطن والمواطنون ثانيا.

والتعصب اللغوي لم يبق بعد عمل في هذا العصر الذي فتح فيه باب الوجود على مصراعيه وأصبح الإتصال بين الشعوب قائما يسير في كل يوم بل في كل لحظة.
ولا يعقل أن يرجع المغرب الذي ذاق مرارة الانعزال والانكماش فترة طويلة من حياته بسبب إقفاله حدوده عليه وبسبب الانزواء الذي اختاره لنفسه يوم رضي البقاء بمعزل عن التيارات التي تتصارع العالم – وأقول -  لا يعقل أن يرجع المغرب إلى هذا الانعزال الذي أدى به إلى الاحتلال والانحلال لذلك فالذي يليق بنا كشباب هو التمكن من لغتنا القومية أولا ودراسة لغة أو لغتين أجنبيتين حتى نكون مرتبطين بالعالم منفعلين متجاوبين معه متأثرين به ومؤثرين فيه فنحصل بذلك على نتيجتين محمودتين أولهما التماسك الإجتماعي والالتحام الوطني وثانيهما الإرتباط العالمي والتواطؤ الدولي والتآزر الأممي.

ولقد شعر المغرب بهذه الحقيقة منذ فجر الإستقلال كما شعر بضرورة توحيد كل عمل يرمي إلى إحلال لغة الضاد المحل اللائق بها بين أبناء العروبة كلهم. ولعل هذا ما حدا بالمسؤولين إلى دعوة ممثلي الأقطار العربية وتمكينها من الوسائل الكفيلة باسترداد مكانتها الأولى التي حظيت بها يوم كان العرب أمة ناهضة وشعوبا متحضرة متقدمة.

ولعل هذا ما حدا بالمسؤولين في المغرب إلى تكوين معهد التعريب الذي أنشء سنة 1959 بالرباط والذي عهد إليه بالبحث في الأسباب التي عرقلت نمو اللغة العربية أولا وإيجاد الوسائل الكفيلة بتكييف هذه اللغة مع معطيات الفنية والتقنية التي تسيطر على العالم الحديث ثانيا.

وقد عرف التعريب في بلادنا خطوات محمودة كتعريب السنتين الأوليين في التعليم الإبتدائي كما أنشئت كليات ومعاهد في التعليم العالي يدرس بها الطلبة باللغة العربية. وقد تحول معهد التعريب إلى مركز وطني أصبح يهيء القواميس التي تحتوي على كلمات تقنية ضرورية لوضع كتب علمية عربية ومعاجم إدارية وأدوات للتعليم كالخرائط الجغرافية ولوائح دروس المحادثة والأشياء والأفلام التربوية.
وقد أحدث بجانب المركز الوطني للتعريب مكتب دائم للتعريب يبذل قصارى الجهود لتنسيق الأعمال الفردية التي تقوم بها كل دولة عربية وتوحيد الأعمال وإعطائها الصيغة النهائية في إطار عربي محكم.
وأنها، ,أيم الحق، لجهود مشكورة لا يمكن أن ينتهي هذا البحث دون أن يشكر القائمين بها والعاملين في سبيل تحقيقها كما ينوه بجهود المسؤولين الذين أدركوا أن التعريب لا يمكن أن يتم إلا إذا وضعت له سياسة رشيدة قارة تجتث الداء من جذوره وتستأصل جراثيم المرض حتى يتيسر لها أن ننتجع له أحسن الدواء.

وإذا كلن كل من الأستاذين الجليلين عبد العزيز بنعبد الله وأحمد الأخضر وبقية الإخوان المحيطين بهما العاملين معهما يستحقون أطيب الثناء وأجمل الشكر فإن لبقية المسؤولين الآخرين أحقية في هذا الشكر لأنه لولا إيمان الدولة بهذه الحقيقة وسعيها في سبيل تذليل الصعوبات لما تم أي شيء. ولكن هذه الأعمال كلها لن تثمر إلا إذا استمرت المساعدة المادية والمعنوية للمركز الوطني للتعريب من طريق الدولة وتواصلت مساعدة الدول العربية للمكتب الدائم للتعريب الذي يتعين أن يصبح فوق النزاعات والمشاحنات بين الدول العربية حتى لا تضيع جهوده سدى.

وخلاصة القول فإن اللغة العربية تلاقي عراقيل شديدة في هذه الظروف وتجد في سبيل تطورها صعوبات جمة لأنها لا زالت تحاول أن تتكيف مع التطورات العلمية الحديثة والتقلبات الفنية التقنية التي عرفها العالم منذ اختراع الآلة والبخار والذرة ومنذ درأ على العلاقات الدولية هذا التطور العظيم الذي نشاهده الآن والذي يتجلى في التداخل الموجود بين مختلف الشعوب والارتباط القائم بين مختلف القارات خصوصا بعد ان أقبلت الأمم على تعلم لغات غير لغاتها لتستطيع ضمان ربط اتصالاتها بأقطار أخرى. ولكن العلاقات الدولية رغم تطورها لا يمكن أن تطمس معالم القومية الخاصة بكل قطر وتقضي على ذاتية الشعب من الشعوب. وما اللغة العربية إلا إحدى مقوماتنا الوطنية في هذه البلاد المباركة. فهل يمكننا أن نتخلى عنها ونستغني عن خير ما تأتينا به؟ وهل يليق بنا أن نتشبث بلغة أجنبية غريبة النطق والشكل بعيدة عن التمكن من روحنا وقوميتنا؟ إننا شعب مغربي عربي مسلم تكون اللغة العربية كمال القومية المغربية.

  1راجع القسم الأول في العدد السابع من هذه السنة.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here