islamaumaroc

عنقود ندى، لمحمد الصباغ

  دعوة الحق

72 العدد


"عنقود ندى"

هو سابع كتاب ينشره الأستاذ محمد الصباغ الذي إرتاد عالم التأليف سنة 1953 عندما نشر "العنبر الملتهب". والقارئ لهذه المجموعة من الكتب ينتهي إلى حقيقة أولية واضحة، وهي أن الأستاذ الضباغ يكتب بأسلوب متميز يمكن أن يعتبر مدرسة خاصة في الإبداع التعبيري للأدب المغربي المعاصر. وإلى بضع سنوات كان بعض نقادنا ينظر إلى كتابات الصباغ على أنها إمتداد، وترسم لخطوات أدباء المهجر، الذين يستوحون أسلوب جبران وميخائيل نعيمة. وربما كانت هذه الملاحظة كانت هذه الملاحظة صحيحة بالنسبة لبواكر الصباغ .. إلا أن مضيه – بإصرار – في الطريق الذي إختاره، وتبلو تراكيبه، وأخيلته، وقاموسه الشعري، يثبت مدى الأصالة في إختيار الشكل، ومدى التطابق بين إستعدادات الصباغ وبين قدراته التعبيرية  الفذة.

وهو شكل لا يمكن أن يدرج في مجال مغاير لمجال الشعر، رغم أن الهيكل النبائي للمقطوعات خال من التفعيلات والميازين العروضية، والقوافي، إن إرتباطه بالشعر آت من الرؤية التي يلتقط الصباغ من خلالها تجاربه ورؤاه، ليمررها في ذاته الرقيقة الجياشة قبل أن يخرجها ألفاظا منغمة حبلى بالهواجس، والإيحاءات الخصبة .. وإذا باللغة تتعدى نطاق توصيل المعاني إلى نطاق تفجير الكوامن، وتحريك اللواعج. ومن ثم،  يلتقي الصباغ، بالمدرسة الرمزية التي تنكر على اللغة قدرة تصويرها لحقائق الأشياء، وتعتبرها مجر رموز لأشتات من الصور التي تتلقاها عن العالم الخارجي .. والمدرسة الرمزية لا ترى أن وظيفة الأدب هي نقل المعاني، بل نقل العدوى والإيحاءات، ولو أدى الأمر إلى  استعمال اللغة استعمالا خاصا لتطويعها وإخضاعها لخصوصية الرؤية الشعرية ... إن إدراك الأشياء ليس بالسهولة التي نتخيلها .. وعناصر الكون متشابكة ممتزجة .. واللغة لا تستطيع أن تنقل إدراكاتنا في معادلات لفظية. يقول الصباغ معبرا عن هذا الإمتزاج في مقطوعة (ذهول) لقد إنسللت من نفسي، وإنسلت نفسي من سمعي، وبصري، وذوقي، ولمسي، فلم أعد أذكر، هل ذابت نفسي في هذه الأشياء: التي نشرب من كفي، وتتوسد على صدري؟
لست أدري هل تبزغ الشمس، وتأفل مع أفول القمر؟ أسواد هي في الليل أم بياض هي في النهار؟ أم إحمرار هي في الشفق؟
هل اللمس سلمسها؟ أم هي تلمس اللمس؟ هل الصوت يسمعها، أم هي تسمع الصوت؟ أم كلاهما يسمع.
ترى، أم لا يسمع؟
هل الضوء يستمد رؤيته منها، أم هي تستمد الرؤية من الضوء؟ كلاهما يستمد رؤسته من شيء آخر؟ ..."
وانطلاقا من إحساس الصباغ بعجز اللغة المتداولة عن إبراز التجارب والإدراكات الجوانية، نجده يتمهل في إختيار الألفاظ الشعرية الأنيقة، ويتمهل في توليد الصور والأخيلة ليشحنها بكل ما يختزنه من دفء وشفافية..وغلبة الروح الغنائية على عنقود ندى، هي التي تضفي على معظم المقطوعات طابعا ذاتيا محضا، وتنقلنا عبر أحلامه، وغرامياته، وحسناته العاريات، وتتجول بنا في سماوات النجوم، وجداول الحرير، ومتاحف روما والأندلس، وتمتعنا بإصباح إيفران ورقصات "المياه الطبيعية" .. عالم مسحور، ينضح بالفتنة والفرحة، ويغرق في بحر من العطور والألوان الزاهية .. ويدعونا لأن نحلم بعيدا عن رجات الأعاصير، وولولات العواصف:
"دعيني أحلم يا حلوتي – يقول الصباغ – كل ما حولي يبعث في نفسي نشوة الحلم اللذيذ: النهار خيط من حرير ألملمه على سبابتي، والمساء مرآة تعكس لي ما وراء الغيب والمستحيل، والنسيم، في يمناي مروحة من عبير، وأنا مرخي الجسد على العشب الطرير، في غيبوبة ليس لبياضها قرار، وأنت يا حلوتي غافية على صدري: غصن ليمون مثمر .."
إن معظم مقطوعات عنقود ندى تفتقر إلى نفحات واقعية تخصص التجرية، وتمنحها حرارة الحياة ... ذلك أن الصباغ يقصد إلى تعبير مطلق يعتمد على توليدات الألفاظ، وتكاشف الأخيلة، ليجعل حديقته إنسانية لا تحدها قيود، يقول: "لا حدود، ولا سياجات، تسيح كرمتي". ولكنه عندما يتدلى من أغصان الفضاء لينتعل بالطين، وينكب على جزئيات حياتية، فإنه يعطينا لقطات رائعة مثلما فعل في قطعة "إذا سيلدني طريق جديد" يقول:
" .. كنت كلما تمزق شيء في ثوبي، طلبت من أمي أن تصلحه، فتلبي رغبتي في الحال، دون أن تستعين بشيء. أما اليوم فعندما أطالبها بإصلاح شيء في ثوبي، تضع نظارتيها على عينيها، وتطلب مني أن أمر بالخيط في سم الإبرة قائلة: لقد تعبت عيناي يا محمد ..."
ولا يفوتني أن أسجل – بعد قراءتي لعنقود ندى، ولبعض المقطوعات التي لم ينشرها الصباغ بعد – أن الكاتب مقبل على تحول جديد في كتاباته .. وهو تحول نحس إرهاصاته في مقطوعتين (أنا الشعب) و (لن أغني اليوم) ثم في التأبين الذي كتبه عن عباس محمود العقاد. إن هذه المقطوعات تشعرنا أن الكاتب بصدد إعادة نظر في طريقته التعبيرية، ومحاولة ملاءمتها مع الحقائق المستجدة التي كثيرا ما تنبه وعي الأدباء، وتستحثهم على إثبات فعاليتهم في عمليات التقويم، والكشف، والتصحيح ..
إن مقطوعة (أنا الشعب) يمكن أن تعتبر نشيدا تلقائيا يعكس حقيقة ملأت جوانح الصباغ فإنطلقت متحررة من كل الزخارف والتوشيات:
"لينظر إلى من لا يعرفني. ليتفرس في غرتي الحمراء وعضلاتي السوداء وعروقي البارزة الكأداء، من يستبعدني ويذلني، ويعفر جبيني، أنا الشعب أنا إرادة الله ... "
إن التحول الذي نستشعر إرهاصاته من المقطوعات المشار إليها آنفا، يمكن أن نقول عنه إنتقال من الرؤية الواردة الحالمة، على الرؤية المدققة التي تعاين الآلام والمشاكل، وتشارك الآخرين عذاباتهم .. وهذا ما جعل الصباغ يعترف في آخر مقطوعة من كتابه، إنه لم يعد قادرا على الغناء، والتحليق في سماوات الأحلام المجردة .. ويتدلى – بل يرتفع – إلى ميدان المعركة ليضم حنجرته إلى حناجر الملايين ...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here