islamaumaroc

في الثقافة والأدب، لعبد الكريم غلاب

  دعوة الحق

72 العدد


في الثقافة والأدب

مما يمتاز به أستاذنا عبد الكريم غلاب، حرصه على إصدار كتاباته المتنوعة في كتب مستقلة تسهل على المتتبعين لنشاطنا الفكري الرجوع إليها، وإستقاء إنعكاسات عن المعركة الجديدة التي يخوضها المغرب ..
فبعد (نبضات الفكر)، و (في الإصلاح القروي)، و (الإستقلالية: عقيدة وفكر) و (في الثقافة والأدب)، وهو مجموعة مقالات كتبت لتحليل مشاكل ملتصقة بمفاهيم الأدب والثقافة، من خلال التجربة التي يعيشها المغرب في هذا الميدان.
والجزء الأول من الكتاب مخصص لمناقشة العناصر الأساسية المكونة للثقافة المعاصرة، خصوصا في بلد حديث عهد بالإستعمار. وفي مجتمع مماثل لمجتمعنا لا يمكن للثقافة أن تعني شيئا آخر غير العمل ولا يمكن للثقافة أن تعنى شيئا آخر غير العمل ولا يمكن للمثقف أن يستحق إسمه بدون الإسهام الفعال في تغيير بنيات المجتمع .. وهذا ما يعبر عنه الكاتب بقوله:
" وكثير من المثقفين – أو من يسحبون أنفسهم مثقفين – يتخلون عن مركز القيادة لإعتقادهم أن القيادة من نصيب السياسيين، ولو لم يكونوا مثقفين. ومن أجل ذلك تراهم يبتعدون عن ميدان المسؤولية، لأنهم لا يشغلون بالسياسة، ومن أجل ذلك يختارون ميدانا للعمل يساعدهم على الإنطواء، والإبتعاد عن المسؤولية"
ربما كانت شبه جريمة –كما قال سارتر أن ينصرف مثقفونا وأدباؤنا إلى ربات الشعر والإلهام، واصطياد المعاني الأنيقة، بدلا من المشاركة في تحطيم التركة الثقيلة التي أورثنا إياها الإستعمار، وجعلها سدا يحول بين مواطنينا وبين التمتع بالحياة السوية .. ففي بلد متخلف، كل شيء يجب أن يعاد فيه النظر: القيم الموازين، التاريخ والمفاهيم الحضارية، العادات والتقاليد .. ويقول الأستاذ غلاب – عند حديثه عن الإستعمار الفكري- : " .. والخطر في هذا الإستعمار الفكري، بالإضافة إلى إحتقار اللغة والحضارة والأدب والتاريخ القومي، هو طريقة التفكير في مشاكلنا وتاريخنا وفي مستقبلنا. وما ظنك بمثقف لا يعرف إلا التاريخ الفرنسي الذي يقدم إليه أمثلة من تاريخ الأقطار وتاريخ الوطن المقسم، والإمارات المستقلة التي تعتمد على الإقطاع الأرضي .. ما ظنك بمثل هذا المثقف الذي يحكم – بكل جرأة – على تاريخ المغرب بأنه تاريخ الإقطاع وإستعباد الشعب".

ومن ثم فإن كثيرا من موضوعات الكتاب تبدو قديمة ولكنها – في الواقع – تستبعد جدتها وحيويتها من خلال الظروف التي تعيشها بلادنا، والتي تحتم على كتابنا أن يناقشوا جميع المشاكل وكأننا ننطلق من نقطة الصفر .. وهكذا، فإننا نطالع مقالات عن الثقافة المتحررة، والوعي الثقافي، ودور الأدب في الكفاح الوطني، والدولة والأدب، والأدب القديم يدافع عن نفسه ..
ومنهج الكتابه لهذه المقالات ليس واحدا .. فبينما يغلب على معظمها التعميم والتجريد، نجد أن "ملامح الأدب العربي الحديث بالمغرب" و "دور الأدب في الكفاح الوطني" ثم "الآفاق الموضوعية والفنية في شعر شاعر الحمراء" تتخذ طابع البحث المدعم بالأمثلة والشواهد، وتعلو قيمتها على بقية الفصول.

ولا أريد الآن أن أسجل كل الأصداء التي إستوحيتها من قرأتي "الثقافة والأدب"، ولكنني أكتفي بالوقوف قليلا عند مقالته (القيود في الأدب والفن) التي يناقش فيها مشكلة الشعر الحر ..
فهو بعد أن يقرر بأن (الحرية في معناها الإنساني هي التحرير من كل ما يعرضه الغير بدون حق)، يلاحظ بأن كل حرية لها حدود، وفي جميع المجالات بما فيها مجال الفن. ويعود ليطبق هذه النتيجة على الشعر الحديث، غير أنني أجد هذا التطبيق سريعا، ومبتسرا ومتقدا لبعض التعمق. يقول الأستاذ غلاب:
" .. وإستمعت أخيرا إلى أحد رواد هذا "الشعر" يتحدث عن كيف تحول من الشعر الموزون إلى الشعر الحر فقال: إنه غلط مرة في أبيات من قصيدة موزونة ولم يكتشف الغلط في الوزن – أي في موسيقى الشعر – إلا بعد حين، ولكنه حينما إكتشفه – أو كشف له عنه – أصر على أن يحطم هذا القيد فبدأ ينتج شعرا حرا .. إنه ضعف من الحاسة الموسيقية، وضعف من إتقان الشعر، وكانت ثورتهم "تعويضا عن ضعفهم" ...
والكاتب يقصد هنا الشاعر العراقي بدر شاكر السياب الذي كتب شعرا "تقليديا" موزونا كثيرا من قبل، وبرهن على موهبته الموسيقية بما لا يدع مجالا للشك، ولكنه في إشارته السابقة يعني أنه إكتشف لا حتمية الأوزان "الخليلية".

وكم كنت أود أن يلجأ الأستاذ غلاب – في مناقشته لهذه القضية – إلى إستعراض الأفكار الأساسية التي تستند عليها حركة الشعر الجديد، كما جاءت في الدراسات القيمة التي كتبها رواد هذه الحركة ونقادها أمثال نازك الملائكة في "قضايا الشعر المعاصر" ورجاء النقاش وعبد الصبور ومحي الدين محمد وغالي شكري والدكتور عز الدين إسماعيل الذين ربطوا الإتجاه التجديدي في الشعر العربي بجذور التغير الإجتماعي، والتطورات الإيديولوجية. إن أعلام هذه الحركة – وكل تقييم يجب أن يستند على أنجح النماذج لاتجاه ما – يؤمنون بضرورة الموسيقى للشعر، ويتقيدون بأوزان التفعيلة .. وهم في تمردهم على الأوزان "الخليلية" يستجيبون لمقتضيات جمالية سواء في الأشكال أو المضامين. إنهم يريدون أن يرقبوا بالشعر ليجعلوا منه لحظة حضارية تتجمع في بؤرتها أحاسيس الوجود والعدم، ومشاعر الحب واليأس، وإنعكاسات الأمل والقلق .. بعيدا تغميمات، وتلخيصات، وحكم الشعر التقليدي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here