islamaumaroc

الدعوة الخالدة

  دعوة الحق

72 العدد

تجتاز الدعوة الإسلامية في هذه الايام صعابا خطيرة لم تعرفها منذ بدايتها.
وقد كانت هذه الدعوة خلال عشرين سنة أقوى التيارات في العالم الإسلامي، واستطاعت أن تشيع في هذا العالم الممزق المتداعي آمالا واسعة في تحقيق ذلك الحلم الدفين في أعماق كل مسلم: حلم تحقيق الدولة المثالية التي ستتحمل من جديد مسؤولية رسالة الإسلام، وستعيد بناء حضارتنا وعزتنا وكرامتنا، وتمد يد الإنقاذ للإنسانية التي تشعر كل يوم بمزيد من التهديدات والخراب.

وقد إستطاعت هذه الدعوة، أن تكون قادة وساسة ومفكرين وكتابا وشبابا يتقد غيرة وحماسة ونفخت في روح الشعوب الإسلامية وأثارت حنينهم إلى الماضي وأشواقهم إلى المستقبل المشرق وفرضت نفسها على التاريخ فأملت عليه صفحات مجيدة من البطولة والفداء وأنشأت تفكيرا إسلاميا منظما، فكون هذا التفكير "إيديولوجية إسلامية" متلألأة جدبت نحوها كثيرا ممن يريدون الإصلاح، وتعصب لها فتية آمنوا بأنها طريق الخلاص، وهكذا سيطرة الدعوة الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية وتحكمت في مصائرها واستطاعت أن توحد المشاعر والعواطف والعمل والفكر الى حد كبير.

وقد كان الناس يترقبون من حين لآخر ميلاد الدولة الإسلامية وتحقيق الحلم الرائع، وقد عشنا نحن هذا الخيال الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الحقيقة كما كان أعداء الفكرة الإسلامية يعيشونه غصصا وانزعاجا وألما وكان التاريخ يستعد لكتابة صفحات مشرقة للعالم الإسلامي وصفحات جديدة للعالم كله بميلاد هذه الدولة التي كانت حسب فكرتها بمثابة علاج شامل لأزمات الحضارة الجديدة، لكن سرعان ما أجهض الوليد وإستحال الحلم إلى وقائع مفزعة وتلاشى أو كاد ضياء الدعوة وشيعت الحوادث نحو مصائر مظلمة ملتوية لا تؤدي إلا إلى الضياع والحيرة، وأخرست الالسن المؤمنة، وخنقت الأصوات الطاهرة وحومت على النفوس حوائم اليأس وتتابعت فصول المأساة في نسق مهول فأحيط بالذين آمنوا من كل جهة، ومزقوا شر ممزق، وأصبحوا كاليتامى في مآدب اللئام، وقد إستسلم بعضهم إلى تصوف كالذي إستسلم إليه الأندلسيون عند ما شاهدوا إنهيار المسلمين في الفردوس المفقود، واقام بعضهم صلاة الجنازة على العالم الإسلامي ولما يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وهكذا إستولى الصمت المطبق على الدعوة الإسلامية فلم تعد تسمع إلا نقيق الضفادع في المستنقعات وأصبحت الشعوب الإسلامية تبعا لذلك تائهة لا تعرف لها سبيلا.

ولعل الذين يكيدون في الداخل والخارج يسجلون في دفترهم الأسود إنتصارهم على فكرته، وقد يذهب بهم التفاؤل إلى الإعتقاد بأن الدعوة الإسلامية وشبكة الإختفاء نهائيا كقيادة بأن الدعوة الإسلامية وشيكة الإختفاء نهائيا كقيادة فكرية في العالم الإسلامي وبالتالي يتلاشى كل ذلك الحلم الذي كان يهددهم ويقض مضجعهم ويكاد يقضي على مصالحهم.

وإننا نقرر كما هو الواقع أن الميادين أصبحت ملعبا للذئاب والثعالب، واليوم أصبح هذا العالم اليتيم مسرحا لأفكار مضللة تشغل المسلمين بالتوافه عن الدوافع نحو بناء حضارة إسلامية عتيدة مما يعوقهم عن التفكير في حقيقة أمراضهم وحقيقة علاجها، ولكن أ يعني هذا أن الفكرة الإسلامية قد إنقضى دورها في التاريخ وإنتهت رسالتها في الحياة؟ وأنها إستسلمت لهذا الواقع المر وأعلنت إنهزامها؟ إنه يقع ذلك بالنسبة للأفكار المنحرفة التي تبرز من حين لآخر لتصارع الحق ولكنها سرعان ما تتلاشى، ويقع ذلك أيضا للدعوات المزيفة التي تنبعث من المصالح الشخصية والنوازع الجاهلية، ولكن بالنسبة لفكرة كالإسلام، لا ينتظران أن يقع بها ذلك ولا شبيهه، لأن الفكرة الإسلامية كفلسفة تتمثل فيها آمال الإنسانية خالدة وقوية لا يمكن أن تصاب بضعف أو فتور أو نكسة لأنها مستمدة من الخلود نفسه ولا تموت بموت واحد ولا بيأس أحد لأن لها خلودا ذاتيا كالشمس بل أقوى وأخلد، لن تستطيع أية قوة أو عنف أن يحد من إستعداداتها وإمكانياتها، وقديما قال رجل لرسول الله (ص): إني أحبك، فقال عليه السلام: إستعد للفقر، فقال إني أحب الله تعالى، فقال له: غستعد لليلاء.

وإن الحضارة بما أبدعته من أفكار وما أنشأته من قيم وما إستهدفته من غايات قد أبرزت بطريق غير مباشر قيمة الإسلام وأهميته ومدى حاجة العالم الجديد إليه لأنه دين حضارة متكاملة منسجمة تستجيب لجميع أشكال الإنسانية وفي مختلف أطوارها لأنه يتجاوب مع فطرة الإنسان والفطرة لا تتبدل ولا تتحول وإن غدعتنا بعض الأعراض والألوان الطارئة.

ولو قدر للإسلام أن يختفي من تاريخ الإنسان لكان أقل الحوادث والمؤامرات التي نزلت به في الماضي كافيا لإقباره وجعله نسيا منسيا، فمنذ الفتنة الكبرى التي كان لأعداء الله نشاط كبير في مصيرها والنكبات تتوالى على المسلمين، والمؤامرات تبرم ضدهم في السر والعلانية، وفي جميع المجالات ولكن الإسلام رغم ذلك لم يعلن الخضوع والإستسلام بل صارع الأهوال وخرج دائما مكللا بالنصر.

إن النكبات التي تمر بالدعاة ليست سوى درس طبيعي يتلقاه المؤمنون من حين لآخر إبتلاء من الله وتمحيصا لأن الدعوة تحتاج إلى رجال ذوي جلد وصبر وأناة ليس في حسابهم غنم منتظر سوى القيام بواجبهم وليس عليهم الإنتصار، لأن النصر بيد الله يعلنه متى شاء، وإنما على الداعية أن يسارع إلى مرضاة الله حينما ينادي الواجب حي على الفلاح حي على الجهاد، وأن الأمل المشبوب في قلب كل مؤمن ليشيع فينا جوا من التفاؤل والحياة، وقد قال أحد الذين أوذوا في سبيل الله: بأن هذه النكبات التي تحل بنا قد طهرت صفوفنا وأطلعتنا على أخطائنا وأكسبتنا مناعة تضمن لنا أكبر النجاح في المستقبل القريب.

إن ذلك اليوم المشئوم الذي ينتظره الأعداء الفكرة الإسلامية لن يحل أبدا وأن أتيح للشر أن يستبد بالأمر بعض الوقت فما ذلك إلا جولة وتنقضي، وفي القريب العاجل ستشرق الدعوة الإسلامية الخالدة لأنها تستمد خلودها من فكرتها التي تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظها: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وعندما يشتد الظلام يشرع جنين الفجر في الإنفصال فيبعث أوائل خيوطه للحياة ليعلن ميلاد النور.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here