islamaumaroc

العقاد: أديب العرب الكبير

  دعوة الحق

72 العدد


إن من رواد النهضة العربية الحديثة الذي كان لقلمه الأثر العميق في تنمية ثروتها الأدبية القيمة، ومن كان له الحظ الأوفر في تشييد صرحها المتين والإشادة بمعالمها السنية، والمدى البعيد في العمل المتواصل على انتشارها في مصر والعالم العربي، والذي ارتقى بكفاحه وجهوده الخاصة أسمى مكان بين رجالها المبرزين فقيد العلم والأدب كاتب العرب الكبير عباس محمود العقاد أشهر الأفداد في أدبنا المعاصر، والعصامي الأوحد فيه الذي استطاع أن يكون نفسه، وأن ينازل في ميدان الأدب العالي، طليعة الموكب ذوي الشهادات العليا خريجي وأساتذة الجامعات الكبرى، وأن ينافسهم – باستحقاق – في تعزيز الحركة التجديدية وتقوية مواقفها وإعلاء شأنها وتثبيت مركزها بإنتاجه القيم وآثاره الثمينة التي ساهمت أعظم مساهمة في إغناء اللغة العربية بألوان حية جيدة من القول.

أجل، لقد تفتحت ذهنية العملاق الجبار وهو لا زال في طوره الدراسي الثانوي وعقده الثاني من عمره مما أذهله عن المدرسة وزهده في إتمام دراسته الثانوية والعليا. ونزل به إلى ساحة النضال الأدبي في فتوته الكاملة "سامق الهامة، باسق القامة، عريض المنكبين، تلمع عيناه حزما واعتزاما، ويقتلع خطاه في مسيره اقتلاعا" كما وصفه تيمور – يصحبه في كل ذلك استعداد خارق للعادة، ونفس طموحة مقدامة، وهمة لا تعرف السأم ولا التراخي في معاشرة "الكتاب" ومصاحبته بشغف غريب وملازمة الحياة في جوه الممتع كصديق حميم وفي يهديه التليد والطريف من غير من ولا أذى، لا يفهم للراحة وقتا ولا للسعادة معنى، ولا للزمان  قيمة بدونه، وأدرك بقريحته الوقادة أن "الكتاب" أقوى سلاح يستخدم لمحاربة أمية الفكر، وأداة صالحة فعالة تستعمل للقضاء على نزعاة الجمود، ونزعات الجحود، فاتخذ لتحقيق غاياته منه برنامجا دقيقا يستغرق جل ساعات يومه لا يحيد عنها وقتا، ولا يلتقي فيها بأحد يتبع نظاما مضبوطا للإطلاع على أحدث ما تخرجه دور النشر في الغرب لأعظم الكتاب العالميين فضلا عن الإنكباب المجد للاستكشاف عن مآثر التراث العربي القديم وذخائر الأمم السالفة، زيادة على ما خصصه لغمر أنهر الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية برصيد جم من الإنتاج المتنوع، الطريف الفكرة، القوي النزعة: آداب، تاريخ، اجتماع، فلسفة، سياسة، وفي مرحلته الأولى كان يعقد جلسات دراسية مع صديقه المازني تتناول شخصيات وكتبا ونشرات، فأنتجت لهما سنة 1920 كتاب "الديوان" أول كتاب نسب لهما، وبعده استقل في التأليف، فجمع مختارات شتى مما جاد بها قلمه، ونشرت في الصدف أو ألقيت في الإذاعة، وأصدرها تحت الأسماء التالية: "خلاصة اليومية" "الشذور" "الفصول" "المطالعات" "المراجعات" "ساعات بين الكتب"" "يسألونك" "بين الكتب والناس" "على الأثير" فكان لهذا الإنتاج الخصب المتنوع المواد أثر كبير محسوس في تطوير المقالة العربية إلى مسلك جدي مثمر يتسم بتركيز ودسامة فكرية دفعها لمستوى آداب اللغات الحية، والإطلاع على هذه المجموعة يعطي صورة جلية عن شخصية هذا النابغة الفذ من بين أقرانه في مقدراته، ولم يوقف قلمه على هذا النوع من الدراسات، بل تعدت إلى بحوث مفيدة عن رجالات الأدب العربي من القديم والحديث وأثرهم وهي – حقا – آية في التحليل يغلب عليها جانب الجدية ووضوح المحجة وبلاغة الأداء "كالشيخ الرئيس ابن سيناء" "الفرابي" "ابن رشد" "حياة ابن الرومي من شعره" "حياة أبي نواس من شعره" "رجعة إلى أبي العلاء" "شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة" "جميل بثينة" "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي" ثم عزز هذه الدراسات القيمة بدراسات شخصيات أخر الرائع صورا جذابة مثيرة ومثيرة لأنبل العواطف وأسماها تخللتها ملكة شعرية سامية وتجسمتها رسوم شيقة بقلمه الساحر عليها طابع الابتكار ودقة البحث مع سمو الإختيار وطرافة الموضوع كحياة "محمد" (ص) "الصديق أبو بكر" "عمر ابن الخطاب" "الإمام علي" "ذوو النورين عثمان بن عفان" "الصديقة بنت الصديق" "القائد خالد ابن الوليد" "عمر بن العاص" "معاوية في الميزان" "أبو الشهداء حسين بن علي" "داعي السماء بلال الحبشي" "فاطمة الزهراء والفاطميون" وغيرها من البحوث الإسلامية ك "الفلسفة القرآنية" "الديموقراطية في الإسلام" "أثر العرب في الحضارة الأوربية" عدا تآليف عديدة عن تراجم شرقية وغربية اتصفت بالتحليل القوي، والسبك المحكم، والوصف المبين، والتصوير المنسجم كحياة "أبو الأنبياء ابراهيم" "عبقرية المسيح" "روح عظيم المهاتما غاندي" "زعيم الثورة سعد زغلول" "القائد الأعظم محمد علي جناح" "سن ياتسن" أبو الصين" "فرنسيس باكون" "شكسبير" "تذكار جوته" "برنارد شو" "هتلر في الميزان" "فلاسفة الحكم وانغمر في مسالكه باندفاع غريب بالنسبة إليه، ولم يستطع الإحجام عنه كما أحجم في مبدأ عهده عن الولوع بالقصة لما صدته عن ذلك "سارة" وحكمت بأنه ليس من الرواد الموفقين في فنها، فبعد ما اختار مجموعة منه "عرائس وشياطين" جهم عليه بدواوين تسعة لم يبال ما يحمل غالبها من ضعف وإسفاف، ولم يعبأ بما أحدثته من رد فعل سئ لدى المعجبين بأثره. نعم، هناك قطع رائعة أخذت مكانها من الخلود لما اتسمت به من وجدان عميق خالص وتأمل نير توجد خلال سطور مملوءة بكمية من النظم وهي كما يلي: "يقظة الصباح" "وهج الظهيرة" "أشباح الأصيل" "أشجان الليل" "وحي الأربعين" "هدية الكروان" "عابر سبيل" "أعاصير مغرب" "بعد الأعاصير" ولكن كيف يسمح لمثل عقل العقاد المثقل بكثير من العرفان أن يحلق ويسمو في أجواء عالم الشعر دون أن يهيم ويضل بل يسقط، فضعف شاعريته في الحقيقة لن يؤثر وجوده في نبوغه الكامل الفذ ولا يمس بنقص شخصيته الأدبية الكبرى المتعددة الجوانب المبتدعة ما دام "الكمال المطلق" ليس من صفات البشر، فقضية الشعرية تكاد تشبه قضية ابن حزم الظاهري (454 ه – 1063م) صاحب التآليف الجمة الفوائد، والغزارة العلمية في مؤلفه الظريف الطريف "طوق الحمامة" فلقد تخللت صفحاته قطعا من شعره زادت إسفافا على إسفاف إزاء نثر مرسل فني حلو يعرض فيه حالاته النفسية وعواطفه الوجدانية عن ذكريات عزيزة عاشها لحظات من أيام صباه في قصر أبيه.

هذا وللعقاد مدرسة أدبية كبرى في العالم العربي تنهج أثره الأدبي وتتأثر بطرقه التحليلية، وكان في طليعتها في سابق عهدها سيد قطب النقادة الشهير تلميذه الأول ومحمد خليفة التونسي الذي أصدر عنه كتاب تحت عنوان "فصول من النقد عند العقاد"، وقد اشتهر فقيدنا بشجاعة كبرى في إبداء الرأي والنقد الجريح الجرئ مما يخالف نظرته، ومواجهة الخصم بصراحة موسومة بقساوة وصرامة لا تتفق مع هذا الوسع في المعرفة، ولا تليق بشخص كبير مثله غير مراع في حملاته النقدية المكانة الأدبية مثلما فعل شوقي وصادق الرافعي، ولا مبال بالمقام السياسي كحالته في التهجم العنيف على إسماعيل صدقي، مما كون حوله جماعة من المناوئين من بين رجالات الأقلام والحكم يسعون دائما في تحطيمه وانتهاز الفرص للتضييق عليه، الأمر الذي أدى به إلى الدخول للسجن وقضاء تسعة شهور بتهمة المس لذات "فؤاد" في قولته المشهورة "الدستور فوق الجميع" وحتى السجن لم يسلم من ملاحظاته اللاذعة ولا نجا من انتقاداته المرة، فلم يخرج منه إلا وهو متأبط لكتاب يعبر أدق تعبير في وصف تحليلي بارع لعالم عاش فيه تلك المدة "عالم السدود والقيود" كما اشتهر في الأوساط الثقافية بالأرستقراطية الفكرية التي أكرهت أرباب الصحف على تقديم إنتاجه في النشر على إنتاج الغير وإرضائه بالأجور خشية مقاطعته، وكما عاب عليه النقاد أيضا طريقته التحليلية في تعدد أوجه النظر وكثرة الإدلاء بالبراهين التي قد تزاحم قارئه في تفكيره، وتضغط عليه بقوة عرضها وحسن سبكها ومتانة صيغتها حتى لا يفلت من التأثير بآرائه والاقتناع بصحتها، ولقد صرفته أعماله الدراسية المحددة المضبوطة عن كثير من المهام كالرحلة إلى لخارج بلاده لتعزيز هذه الدراسات وتقويتها بما قد يعثر عليه في البلدان الأجنبية كما يفعل أمثاله من الرجال الكبار، بل ولم يستطع تغيير أوضاع بيته ما يقرب من الأربعين سنة خوف أن يقع خلل في نظامه الصارم، وعارفوه من المجاورين له يضبطون ساعتهم مدة خروجه من البيت – يوميا – صباح مساء لرياضة المشي والاستجمام، وكان يعيش وحده عيشة لا تبعد عن الترف مما تدر عليه الصحافة ودور النشر، ويقوم بشؤونه طاه وخادم، وجميع غرف بيته تحتل جوانبها الكتب باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية، الفرنسية بصورة متناثرة وغير منتظمة قد ترى في وصف هذا البيت عرضا شيقا في كنبيه "بيتي" من مجموعة "اقرأ" كما صرفته هذه الأعمال أيضا المتكاثرة يوما عن يوم عن الزواج – رغم حبه الشديد للأطفال كي لا يقع منه تفريط في الحقوق الزوجية، وقد سئل لماذا لم يتزوج؟ فأجاب: لأنني مشغول .. وكأي إنسان مشغول لم يتزوج. على خلاف ما أذاع عليه خصومه، عدم زواجه مبني على عداوة المرأة مع أن كتابه الذي ألفه في أول عهده تحت عنوان "هذه الشجرة" الذي حلل فيه طبيعة المرأة المباينة لطبيعة الرجل ينافي تمام المنافاة ما ألصقوه به من تهم ضد الجنس الآخر، ومن أقواله المتواترة: "أنا لا أعادي المرأة ولقد كنت مرشحيها لعضوية مجمع اللغة العربية، وفي أول كتاب لي طلبت بأن يطبع إسم قاسم أمين محرر المرأة على كل منديل حريمي، وأن تحرر المرأة الحقيقي هو أن لا تكون رجلا: والمرأة تتفوق على الرجل في أسمى فضائل الإنسان: التضحية" وقد رصد للإتصال بالناس يوما معينا كل أسبوع يعقد فيه ندوة أدبية في بيته تضم أصدقاءه الأقربين وبعض مريديه يتجاذب فيها أطراف الحديث معهم فيما جد من بحوث في العالم الأدبي وما طرأ على الميدان السياسي من جديد، ولم يجف مداد قلم فقيدنا العظيم ما يزيد على نصف قرن ومؤلفاته تتعدى سني حياته علاوة عن ركام كبير من الصفحات نشرت له ولم تضم كمجموعة من الكتب، حقا إنه بهذا الإنتاج الضخم المفيد من أندر الأفذاذ في طبقته المعاصرة الذين أثروا المكتبة العربية الحديثة بأعمق البحوث التوجيهية وأجدى المواضيع الثقافية، وأغنوها بما نقلوه لها من أحدث الآراء العلمية ومختلف النظريات الأدبية، كما أن آخر ما صدر له كتاب "رجال عرفتهم" وآخر مؤلف له لم يطيع "حياة الإمام الغزالي" كتب فيه 120 صفحة حينما كانت يده لا زالت قوية وكان يأمل أن ينتهي منه حتى يدفعه إلى المطبعة أول شهر، ومن كلماته التي كان يرددها على مريديه "سبب نجاحي هو العمل المتواصل والثقة بالنفس، وعدم الإكثرات بآراء الناس، وتحديد الغاية وعدم الانصراف عنها" كما كان يقول: "كلما ازددت معرفة" ازددت شعورا بما أجهل .. إن عالم المجهول الآن كما أراه أوسع مائة مرة منذ كنت أعتقد عندما بدأت حياتي .. إني أقرأ لأني لابد أن أستوضح شيئا جديدا.

وبعد فقد ذهب العقاد وغاب قلمه السيال الفياض إلى الأبد عن الخوض في ميادين الأدب والعلم والسياسة. وحقا كان ذهابه المحتوم خسارة ثقافية كبرى لا يمكن أن تعوض وكارثة عظمى لأدبنا العربي الحديث يجل في مصابها العزاء ويقل عنها الصبر لما ترك موته من فراغ كبير .. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وأخيرا أختم هذا العرض المقتبس من حياة مترجمنا المفصلة في كتاب "رواد النهضة في العالم العربي" – الذي أرجو تخريجه وإصداره في أقرب فرصة تسمح بها عوامل الزمان – بكلمتين في رثاء العقاد كتأكيد وتأكيد للقارئ العزيز فيما حدثته به أولها لشيخ جماعة النقاد وأستاذ الجيل للأدب العربي القديم طه حسين: "كلن أمثالك تموت أجسامهم لأن الموت حق على الأحياء جميعا ولكن ذكرهم لا يموت .. لأنهم فرضوا أنفسهم على الزمان وعلى الناس فرضا.
وثانيا لفيلسوف الأدباء رجل – بعد جبران خليل جبران في أدب المهجر ميخائيل نعيمة: "قلم من أروع نهضتنا الأدبية جف مداده بموت عباس محمود العقاد ولكن ينابيع الطاقات البيانية التي ساعد في تفجيرها ما جفت ولن تجف، لقد أغنى العرب والعربية بآثاره وسيبقى اسمه من ألمع الأسماء في تلك الكوكبة المباركة التي حركت ما ركد في أعماقنا من الشوق إلى الخلق والإبداع فأعادت الثقة بأنفسنا وبالأجيال الآتية بعدنا".

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here