islamaumaroc

تكوين مجتمع متبصر

  دعوة الحق

72 العدد

صح وثبت عن الرسول عليه السلام قوله: سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابى في الله وافترقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فـأخفاها حتى لا يعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
إن من يتأمل في سيرة نبي الإسلام العظيم يجد انه عاش من الوقت الذي أكرمه الله بالرسالة إلى وقت انتقاله للرفيق الأعلى ناصحا أمينا لأمته، مبلغا صادقا لشريعته ودعوته، ما ترك شيئا يقرب أمته إلى الخير والجنة إلا أمرها به وحضها عليه، وما ترك شيئا يباعدها من الشقاء والنار وعذاب الآخرة إلا نهاها عنه ونفرها منه، ومن ذلك الدعوة إلى الخير العظيم عن طريق البشارة الكبرى عن العمل الخيري إذا فعله الإنسان كما في هذا الحديث الشريف، فالنبي أخبر في هذا الحديث أن سبعة أشخاص تجلت فيهم الصفات الحميدة يكونون في ظل الله وحمايته ورعايته آمنين من الخوف والعذاب وأهوال الموقف يوم الحساب لأنهم قاوموا شهوات النفوس، واتصفوا بالطهارة وسمو الروح وكانوا أمثلة حية للكمال الإنساني في ميدان الخير والبر والتقوى، وفي واقع المحيط الإجتماعي نجد أن الرسول الأكرم الذي بشر هؤلاء برعاية الله وحفظه وأمنه يريد أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا متكونا من هؤلاء جميعا فيكون مجتمعا روحيا راقيا تكاملت فيه كل عناصر المجتمع الطاهر المتبصر، فيه العدل الذي هو أساس كل خير وفيه التربية والتنشئة على العبادة الخالصة وفيه عمارة المساجد بأزكى معانيها وفيه المحبة في الله والبغض فيه بمحبة الخير وأهله والبعد من الشر وذويه، وفيه العفة وترك الزنى وترك الانسياق وراء إرضاء الغرائز الجنسية والانحلال الخلقي وفيه المساواة والإحسان للمحتاجين بكثرة الصدقة وإخفائها حفظا لكرامة المحتاجين الإنسانية وفيه خشية الله التي تجمع كل خير وتوصل كل سعادة .. فأول من قدم الرسول لهم البشرى الإمام العادل على جماعة المؤمنين الذي ينصح للرعية ويخلص لهم النصح والإرشاد في السر والعلانية، فلا يحكم بالشهوة، ولا تبلغ ساحته الرشوة والذي يولي نوابه الذين لهم التصرف على الرعية أو الاستشارة في أية قضية، مختارين نزهاء في أحكامهم واستشارتهم وجميع أعمالهم، شرفاء في أخلاقهم وأحوالهم، فينتشر العدل الذي هو أساس كل ازدهار من الإمام ونوابه في كل مكان، استجابة لقول الله تعالى  ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. وما عظماء الأمة المحمدية الذين بقي لهم الذكر الحسن الجميل يطاول الدهور والأزمان إلا من طراز العادلين المتقين الغيورين على مصلحة الأمة والشريعة وحفظ الدين.

أما البشارة الثانية في الحديث الشريف فهي للشاب الناشئ في عبادة الله وفي ذلك حض على التربية الدينية العملية منذ النشأة الأولى لأن النشوء على العبادة يجعل نفس الشاب طاهرة نقية ومداومته عليها تجعل سيرته محبوبة مرضية فيكون لإخوانه وأقرانه قدوة حسنة لهم باستقامة سلوكه وإظهار نسكه، فتكثر جماعة الشبان المتعبدين المتخلقين بكل خلق كريم، وفي ذلك حصانة لطهارة المجتمع، لأن هم عمدة الأمم وأصحاب الهمم ورجال المستقبل فإذا نشأوا   على التعبد والتدين أخلصوا في خدمة أمتهم كما أخلصوا في عبادة ربهم، وما الإخلاص في خدمة الأمة إلا نوع من العبادة والتقرب إلى الله بالسعي في المصالح الأمة العامة فيحوز هؤلاء السبق في كل الميادين الخاصة والعامة، والعاقبة للمتقين، وما تربية المصطفى عليه السلام للإمام علي الذي نقول في حقه كرم الله وجهه لأنه لم يسجد لصنم ولجميع أقرانه الشبان الصغار الذين نشأوا على التربية الدينية الخالصة في عهد الرسول الذي هو خير العهود وبتوجيهه وتربيته إلا أمثلة حية أدوا لدينهم وأمتهم أعظم الخدمات فدخلوا دخولا أوليا فيمن زف لهم النبي عليه السلام بشرى الأمن والسلام في موقف يكون الناس أشد حاجة فيه إلى هذا الأمن والرعاية والحفظ والسلام.

والثالث من الذين قدم لهم الرسول البشري الكريمة هو ذلك الرجل الذي تعلق قلبه بالمساجد لأنها موطن التهجد ومناجاة الخالق الرزاق سبحانه، فمن كان طاهر الروح يرى الصلاة قرة عينه، كما حكى الرسول عن نفسه بقوله: وجعلت قرة عيني في الصلاة فلا بد أن يبقى قلب المخلص في عبادته معلقا بالمكان المقدس الذي تقر فيه عينه بمناجاة ربه والتقرب إليه حيث يطمئن قلبه باستشعار عظمة الرب وجلاله وبكونه في مرضاته ومناجاته بالصلاة التي هي أفضل القربات فأقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان راكعا أو ساجدا، فيكون من الذي لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وبكثرة أمثال هؤلاء يقوى الخير والبر في المجتمع وتعظم قيمته بين المجتمعات البشرية حيث يكون بطهارته الحسية المعنوية غرة في جبين الدهر، لأن الصلوات الخمس تطهر النفس وتمحو عنها كل وضر ورجس وقد قال الرسول عليه السلام: مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل خمس مرات، وهذا مثل ضربه النبي عليه السلام للأثر النفسي الكريم الذي تتركه الصلاة في نفوس المصلين المخلصين.
والرابع من الذين قدم لهم الرسول البشري رجلان تحابى في الله اجتمعا عليه، ولا يوجد هذا إلا إذا كانت مبادئ الإسلام السامية هي التي تجمع القلوب وتوحدها حول الأهداف والمثل العليا، بحيث يسمو ذلك على صلة القرابة وعواطف الأرحام وعلى العصبية والجنسية والقومية حيثما كانت وهذا هو الطابع الذي كان سائدا في عهد الرسول حتى قال عليه السلام: سلمان منا آل البيت وكان لبلال رضي الله عنه مكانة مرموقة عند الصحابة رغم حبشيته. وقد قال البوصيري في حق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
والذي تقرب الأباعد في الله إليه وتبعد القرباء
والخامس من الذين قدم لهم الرسول البشري رجل دعته إمرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله يعني دعته المرأة للإتصال الجنسي بها فقال إني أخاف الله وهذه صورة رائعة من تقوى الله تدل على أن العفة ومخافة الله امتلكت هذا وأمثاله القلوب والمشاعر والإحساسات حتى صارت المعيار الصحيح للأعمال بحيث دفعته للإعراض عن الشهوات والأماني في أزهى صورها وأقوى دواعيها، وما عمت هذه العفة في مجتمع إلا كان طاهرا نقيا بعيدا عن كل الفواحش والموبقات وهذه الطهارة هي التي يريدها الإسلام لأتباعه، قال الله تعالى "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا".

والسادس من الذين قدم الله لهم البشرى الرجل المتصدق المخلص في صدقته وإحسانه لإخوانه وأبناء جنسه، بحيث يخفيها حتى تكون لوجه الله وحده لا تشأب برياء ولا حب ظهور من حظوظ النفوس البشرية التي تدفع كثيرا من المنفقين إلى التفاخر والمن على الضعفاء بما قل من الصدقات مما يدل على عدم إخلاص أو يعرض أصحابها بريائهم إلى إبطال أجرها عند الله يوم الجزاء.

والسابع من الذين قدم الله لهم البشرى هو الرجل الذي دفعه الشوق إلى ربه والهيام بتمجيده وحبه، والتفكر في عظمته وصنعه الخشوع وفيضان الدموع إذا خلا بنفسه، منفردا عن أبناء جنسه فالإخلاص في السر يبعث على التفكر ودوام الذكر لا حرمنا الله من خشيته.

أيها القارئ الكريم إن هؤلاء السبعة الذين أخير الرسول بأنهم يكونون في كنف الله ورعايته إذا كثروا في المجتمع يكون مجتمع أبرار أطهار، تغمره السعادة وتؤهله لكل مجد وسيادة وهكذا كان مجتمع المسلمين الأولين ساد فيه الإيمان وعمل الصالحات فحقق الله وعده الصادق للمؤمنين الصالحين المتعبدين كما قال "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا".

وفق الله المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها للتمسك بتعاليم الإسلام وجعلها ملجأ وحكما في كل مجال ومقام ووفق الله إمامنا أمير المؤمنين الحسن الثاني أعزه الله للسير قدما في إحياء شريعة الإسلام ومعالم سننه، وتعميم تعاليمها في المدارس والمعاهد نظريا وعمليا حتى يعود لهذا المجتمع طهارته وتكمل بعد الإستقلال في كنف الإمامة الإسلامية سعادته إنه ولي كل هداية وتوفيق.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here