islamaumaroc

اللغات الدولية (لبيير برني)

  دعوة الحق

72 العدد


كتب السيد Pierre Burney كتابا قيما بهذا العنوان صدر عن "المطابع الجامعية لفرنسا" ضمن سلسلة "ماذا أعلم؟" فجأة في مائة وست وعشرين صفحة من حجم الجيب تضمنت بحق معلومات عديدة سديدة حول هذا الموضوع الحيوي الهام بالقياس إلى مختلف الأقطار سواء كانت متطورة أو متخلفة كما يعبر عنها في السياسات الآن. وإذا كنت متتبعا لما يصدر ضمن تلك المجموعة القيمة فقد إرتأيت أن أخص كتاب "اللغات الدولية" بهذا التلخيص الذي أريده جامعا بقدر المستطاع نظرا لكونه يعالج قضية تعرض بعض جوانبها الهامة لوطننا بصفة عامة، وآملا في مساعدة بعض طلبتي الجامعيين ورفقائهم من الذين يهتمون بدراسة اللغات الحية.

فأما الكتاب فينقسم إلى خمسة فصول يدرس الفصل الاول منها ظاهرة "البابلية" ويعنى الفصل الثاني بإلقاء نظرة تاريخية على اللغتين اليونانية واللاتينية وبنشأة اللغة الفرنسية إلى القرن السادس عشر وإنتشارها العالمي خلال القرنين التاليين، ثم إرتقاء اللغات المنافسة لها خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين معا. أما الفصل الثالث فيدرس اللغة والثقافة الفرنسيتين وإنتشارهما عبر دنيا اليوم في قسمه الأول، بينما يتضمن قسمه الثاني دراسة مستفيضة لكافة اللغات القومية المرشحة لتصبح لغة عالمية. وقد قصرت الإهتمام على هذه الفصول الثلاثة الأولى لقيمتها ولإحتكاكها اليومي بواقع الحياة. أما الفصل الرابع فيختص باللغات الدولية الإصطناعية بينما يعني الفصل الخامس والأخير بتقارب اللغات والتوجيه اللغوي والتعلم المبكر للغات الأجنبية والعمل على إتخاذ لغة واحدة للعالم كله.

نظرة تاريخية

يتراوح عدد اللغات الموجودة في عالمنا اليوم بين ألفين وخمسمائة وثلاثة آلاف وخمسمائة لغة. وتكاثر اللغات ظاهرة الأزمان المعاصرة، إذ يؤدي في مجال المواصلات الدولية إلى وضعية صعبة يمكن أن نسميها "البابلية" نسبة إلى ما حدث في برج بابل من نزول العقاب ببني الإنسان متمثلا في الفوضى التي ظهرت في السنتهم حتى لم يعد بعضهم يفهم للبعض الآخر قولا ولا يفقه له حديثا.

وتؤدي هذه البابلية في عالم اليوم إلى تبذير عظيم للوقت والطاقة والمال جميعا. فمنظمة الأمم وغيرها من الهيئات الدولية تصطدم بمصاعب كبيرة وتنفق اموالا عظيمة في أعمال الترجمة، وقد أصبحت الحالة اليوم أكثر خطورة مما كانت عليه فيما مضى نظرا لأن المواصلات الدولية تتطور وتنمو بسرعة لم يسبق لها نظير حتى أن الكرة الأرضية قد أخذت المسافات بين أطرافها تتقلص بصورة مستمرة فيما يرجع إلى أبعادها الزمنية. وقد كان بعض العلماء يعربون فيما سبق عن مخاوفهم من أن يصبح البحث مستحيلا بسبب تكاثر اللغات الضرورية للبحاث وتعددها، وبحكم إلتحاق بعض الأمم المتخلفة سلفا بركب الحضارة وإسهامها في ميدان الأبحاث العلمية.
وسيصبح من المتعين بعد وقت طويل أن يكون الإنسان قادرا على القراءة بعشر لغات وحتى بعشرين لغة ليتمكن من أن يعمل عملا مجديا فعالا. ولا حاجة إلى القول بأن اللغات الروسية واليابانية والصينية هي في طليعة تلك اللغات. ولقد كان Libenez محقا عند ما كان يؤكد أنه لو كانت بالعالم لغة واحدة لطال عمر الإنسان بنسبة الثلث لأننا مضطرون إلى إنفاق ثلث أعمارنا في تعليم اللغات ...
لقد شهد التاريخ القديم إمبراطوريات لغوية، وكان النجاح الباهر المعروف في هذا المجال هو ما حققته اللغتان اللاتينية واليونانية من سيطرة على القسم الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط. ثم أن التفوق الفكري لليونان هو الذي يشرح لنا كيف أن الإمبراطورية الرومانية كانت مزدوجة اللغة، بحيث أن المراسيم والنصوص كانت تنتشر باللغتين المذكورتين اللتين كانت النخبة تتكلم بهما معا. وعلينا أن نلاحظ أن اللغة اللاتينية قد توغلت بعد ذلك في الغرب بقوة وأن إنتشارها في شرق حوض ذلك البحر قذ ظل ضعيفا لغلبة اللغة العربية على معظم أطرافه.

وقد أصبحت اللاتينية لغة الكنيسة والأمم النصرانية، ثم أصبحت اللغة الدولية طيلة العصور الوسطى وإن تفرعت عنها لغات متعددة كاللغة الفرنسية التي كانت اللغة الغالبة على الأمم النصرانية المشاركة في الحروب الصليببة واللغة الرسمية ولغة الطبقة الحاكمة في إنجلترا أيضا. إلا أنها شرعت تفقد أهميتها إبتداء من أواخر القرن الثالث عشر في الجزر البريطانية. كما توغلت عميقا أيضا في هولندا وألمانيا ثم غيطاليا بعد ذلك وإن بقوة أقل، دون أن يكون في ذلك ما يمنع "ماركو بولو" من إستعمالها في وصفه لأسفاره ومغامراته العجيبة ببلاد الصين عندما أملى أحاديثه حولها على صاحبه ...
وقد كانت فرنسا آنذاك أغنى البلاد الأوروبية وأكثرها سكانا، كما أن تجارتها كانت طيلة القرن الثالث عشر تجارة قوية رائجة تمكن مقارنتها بالتجارة الإنجليزية الأمريكية خلال القرن العشرين، ومع ذلك فقد جاءت اللغة الإيطالية خلال القرن السادس عشر فزاحمت اللغة الفرنسية، ثم صحبتها اللغة الإسبانية في هذه المنافسة خلال القرن التالي بحيث أن الفرنسية لم تسترجع سمعتها الدولية إلا في القرن الثامن عشر.

وجاء إختراع المطبعة فساعد كثيرا على إنتشار اللغات الناشئة وذيوعها. وعلينا أن نتذكر أن حركة إصلاح الكنيسة كانت ضربة شديدة نزلت باللغة اللاتينية بإعتبارها "لغة كاتوليكية" فزالت من مجال الحياة العملية اليومية وتراجعت كثيرا في ميدان الثقافة. وعند ذلك بدأت اللغة الفرنسية تحتل أوروبا رغم النفوذ العظيم للغتين الإيطالية والإسبانية، حتى كان لها الظهور على ألمانيا وإنجلترا وهولندا والبلاد الإسكندنافية وبولونيا وذلك قبل أن يؤول الأمر إلى لويس الرابع عشر. ويمكن القول بأن روسيا نفسها قد تفرنست حتى أن مسرحا فرنسيا صميما قد تأسس بمدينة بترسبورغ، عاصمة البلاد. ثم إنتشرت الصحافة الدولية باللغة الفرنسية وتعاقب صدور الكتب الهامة بهذه اللغة فشاعت بفضلها في المجر ورومانيا ثم في سويسرة بعد ذلك. وإن غيطاليا نفسها لم تنج من غلبة اللغة الفرنسية عليها خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر رغم أن لغتها القومية الناشئة قد شهدت إنتشارا وقوة عظيمتين طيلة مائة وخمسين عاما.

إلا أن ارتقاء الطبقات المتوسطية والشعبية في مختلف الأقطار قد أضر باللغة الفرنسية التي كانت تعتبر "لغة الملوك والقصور"، كما اضر بها أيضا تقدم إنجلترا وألمانيا في ميدان الصناعة والتجارة وتوفرهما على مصادر جديدة للطاقة. وجاء تطور الولايات المتحدة الأمريكية ودخول الإمبراطورية البريطانية في مجال السياسة العالمية فكتبا الغلبة للأقطار الناطقة باللغة الإنجليزية.

مكانة اللغة الفرنسية الراهنة

ورغم ذلك فلا تزال الفرنسية لغة رسمية في اللوكسومبورغ، كما أنها اللغة القومية للقسم الجنوبي من بلجيكا، ولها نفوذ قوي في سويسرة إلى جانب لغتيها الرسميتين الأخريين. وهي تعتبر أولى اللغات الأجنبية في إيطاليا وإسبانيا.

وإذا ما غادرنا القارة الأوروبية وجدنا الفرنسية هي "اللغة القومية الثانية" حقا في لبنان، غير أن مكانتها داخل الاقطار العربية الأخرى بالشرق في تراجع. أما في الشمال الإفريقي فمكانة اللغة والثقافة الفرنسيتين قوية للغاية، مع العلم بأنها تتطور إلىوضعية الإزدواج مع اللغة العربية طبعا.
وإذا ما توغلنا في إفريقيا السوداء رأينا أن الفرنسية قد أصبحت اللغة الرسمية للاقطار التي إستقلت مؤخرا كالكاميرون والسينغال وغينيا ومالي والطوغو والنيجر وساحل العاج وفولتا العليا والغابون ومدغشقر وغيرها من الاقطار التي كانت خاضعة للسيطرة الفرنسية. كما أنها ذات مكانة خاضعة للسيطرة الفرنسية. كما أنها ذات مكانة قوية في الكونغو البلجيكي السابق. ويمكن القول بأن الفرنسية هي في الوقت الراهن لغة ستين مليون إفريقي، أو بسبيل أن تصبح لغة لهم.

والفرنسية رابعة اللغات في أمريكا بعد الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية، وهي لغة رسمية في جمهورية "هايتي"، كما أنها رسمية ايضا لا في مقاطعة "كيبيك" الكندية فحسب، بل في برلما "أوتاوة" والمحاكم الإتحادية جميعا.

وللفرنسية المكانة الأولى في الاقطار التي كانت تؤلف الهند الصينية الفرنسية فيما سبق، ولها المكانة الثالثة في اليابان بعد الإنجليزية والألمانية وإن كانت هذه البلاد متشبعة بالثقافة الفرنسية من خلال الترجمة. وهي اللغة الثانية في أستراليا، كما أنها اللغة المختارة عند المثقفين في إيران.
اللغات المرشحة لتصبح لغات عالمية إن عدد الأشخاص المتكلمين باللغات الدولية الكبرى عامل ذو أهمية عظمى، فالإحصائيون الأنغلوساكسونيون يقدرون مجموع الناطقين بالفرنسية بما يتراوح بين سبعين وثمانين مليون نسمة، بينما يقدرون عدد المتصلين بهذه اللغة بواسطة المحادثات والقراءة بما يبلغ 200 مليون. يرجع الفضل في هذا الإنتشار إلى المدارس الكاثوليكية الفرنسية التي يقارب مجموعها عشرين الفا، وكذلك إلى مدارس "الإتحاد الإسرائيلي العالمي" ومراز "الإتحاد الفرنسي" وبعض المدارس البروتستمانتية أيضا". إن "المديرية العامة للشؤون الثقافية والتقنية" التابعة لوزارة الشؤون الخارجية تسير عددا كبيرا من المدارس والمعاهد، فعدد الأطفال الذين يختلفون إلى مدارس البعثات الجامعية الفرنسية في المغرب وتونس لا يقل عن تسعين الفا.

ومع ذلك فإنه من الصعب على اللغة الفرنسية أن تصبح لغة عالمية نظرا لشدة المنافسة التي تلقاها من جانب "لغات كبرى" متعددة بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية.

الإسبانية والروسية والصينية والألمانية والعربية

هذه هي اللغات التي تنافس الفرنسية على المكانة العالمية الأولى بجانب لغة شكسبير، فعلينا أن نقول أن مؤتمر سان فرنسيسكو المنعقد سنة 1945 كان قد إتخذ اللغات الإنجليزية والإسبانية والروسية وحدها لغات رسمية لهيئة الأمم المتحدة، وأن الوفد الفرنسي لم يوفق إلا بعد جهد جهيد لحمل المنظمة العالمية على إتخاذ الفرنسية لغة رسمية لها ايضا.

ثم أن الإسبانية هي اللغة الرسمية لعشرين دولة بأمريكا الجنوبية أو الوسطى، وهي اللغة الثانية في الولايات المتحدة، كما أنها لغة رسمية في الفلبين. وإذا كانت البرتغالية هي اللغة القومية والرسمية للبرازيل الذي يقارب سكانه نصف مجموع سكان أمريكا اللاتينية كلها فإنها لا تنافس اللغة الإسبانية لما يوجد بينهما من التشابه والتكامل. وقد أخذت البرتغالية تتوغل في أنغولا وموزامبيق بغرب القارة الإفريقية وشرقها.

و"لغات العمل" في هيئة الأمم المتحدة ثلاث، وهي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، غلا أن للمنظمة "لغتين رسميتين" تكميلتين هما الروسية والصينية اللتان تجتهدان للإرتقاء إلى مرتبة "لغات العمل" السالفة الذكر. وتعمل حكومة الصين الشعبية على توحيد البلاد لغويا لأن "الصينية"  ما هي في الحقيقة الآن إلا مجموعة من اللهجات التي يصعب التفاهم فيما بينها. وقد أخذت الحكومة الشيوعيى على نفسها مهمة الأخذ بالحروف اللاتينية نظرا لصعوبة إستعمال حروفها التقليدية في التمهيد لتدويل اللغة التي يتكلمها الآن ما يزيد على ستمائة مليون نسمة.

أما اللغة الروسية التي هي اللغة الرسمية لما يزيد على 200 مليون نسمة فقد تقدمت تقدما كبيرا في العقود الأخيرة، وإذا كانت طريقه كتابتها قد بسطت فإنها لا تزال صعبة. وعلينا أن نعلم أنها اللغة الغالبة في الإتحاد السوفياتي الذي يتوفر على عشرات اللغات القومية المحلية. ولهذا نجد شعوب الإتحاد السوفياتي مقبلة على الإزدواج اللغوي ومضطرة إليه. ثم أن الإقبال على تعلم اللغة الروسية خارج البلاد لا يزال ضعيفا. إلا أن مكانة الدولة السوفياتية في مجال السياسة العالمية سيساعد على إنتشار إشعاع هذه اللغة، وآية ذلك تكاثر المدارس التي تعلم الروسية في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تكاثرا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.

وتحظى اللغة الألمانية بمكانة هامة جدا في عالم اليوم، فقد كانت لغة شائعة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولم تتراجع إلا عقب الحربين العالميتين، غير أنها إستعادت ما فقدته خلال السنوات المنصرمة بفضل ما بذلت الجمهورية الإتحادية من جهود عظيمة في هذا المضمار حيث أسست مائتين وخمسين مدرسة في خمسة واربعين قطرا وشرعت معاهدها وجامعاتها تستقبل آلاف الطلاب الأجانب يتمتع كثير منهم بمنح حكومية. ويساعد على إنتشار اللغة الألمانية ما تتوفر عليه البلاد من قوة إقتصادية ومالية ونشاط بنيها في مختلف الميادين بالإضافة إلى صيتها الطيب البعيد في العلوم والىليات. وهي لغة يتكلمها مائة مليون نسمة، كما أنها اللغة القومية والرسمية للنمسا ومعظم سكان الإتحاد السويسري، ولا جدال في أنها إحدى اللغات الدولية الكبرى.

أما العربية الفصحى فهي اللغة الدينية لثلاثمائة مليون من المسلمين، إلا أن عدد العرب المتكلمين بها خمسة وخمسون مليونا، وقد ظلت لغة العلم والأدب والصحافة في مختلف الأقطار العربية، وقد اسس المجمع اللغوي بمصر سنة إثنين وثلاثين وتسعمائة وألف فأحدث ما يزيد على عشرة آلاف من المصطلحات العلمية والتقنية. ويتابع المجهود لتصبح اللغة العربية إداة التربية والثقافة المطابقة للعالم الحديث، من ذلك المشروع "الف كتاب" في مجال الترجمة وإشتقاق الأسماء الجديدة من المفردات العربية العتيقة.

الإنجليزية لغة عالمية

إننا نرى أن اللغة الفرنسية تصطدم في إحتلالها للمكانة الثانية بمنافسة شديدة للغاية، ثم أن جميع الناس لا يعترفون لها بذلك التبريز، إلا أن الملاحظين العارفين يعتبرون أن الإنجليزية هي اللغة العالمية الأولى، ويظهر أنه من الصعب دحض قولهم هذا. ولا يرجع إرتقاء الإنجليزية إلى عهد قريب، فقد كان الفيلسوف "دافيد هيوم" منذ قرنين تقريبا ينصح المؤرخ "إدوارد جيبون" بإستعمال الإنجليزية مكان الفرنسية متنبئا لها بالتفوق وسعة الإنتشار نظرا لنمو المواقع البريطانية في أمريكا نموا سيضمن لها الغستقرار. وتدل جميع الإحصائيات التقديرية على أن النسبة المئوية لتكاثر اللغة فيما بين سنة 1470 وعام 1950 كانت تفوق جميع اللغات الأخرى بما فيها اللغة الصينية. فالإنجليزية اليوم لغة تداولها سبعمائة مليون من الاشخاص الموزعين في العالم كله، بينما اللغة الصينية لا تعرف خارج حدود بلادها.

وتقوم على نشر اللغة الإنجليزية هيآت نشيطة سواء في المملكة المتحدة أو في الولايات المتحدة الأمريكية فقد بلغ مجموع الكتب الصادرة بهذه اللغة سنة 1952 ما لا يقل عن 32000 كتابا، أي ما يقارب 22 في المائة من الإنتاج العالمي كله، ولم تحتل لغات الإتحاد السوفياتي كلها إلا المكانة الثانية بنسبة لا تتعدى ثلاثة ارباع ذلك العدد، وقد قاربها مجموع الكتب الصادرة باللغة الألمانية. وإذا كانت معظم الترجمات تنقل عن ست لغات في عالم اليوم فإن الإنجليزية تحتفذ بتفوقها  في هذا الميدان ايضا. فقد نقل اربعة آلاف كتاب بالإنجليزية (أي 32 في المائة من الإنتاج العالمي في الترجمة) إلى ست عشرة لغة كانت الفرنسية في طليعتها. أما مجموع الكتب التي تنقل عن الفرنسية فلا يزيد على نصف ذلك العدد إلى اللغات الست عشرة والتي تأتي الإنجليزية في مقدمتها. ويبلغ مجموع الكتب الروسية المترجمة إلى خمس عشرة لغة ألفين وثمانمائة، بينما الكتب المنقولة عن الالمانية لا تتعدى الفا وثلاثمائة. ولم يزد عدد الكتب الكمنقولة عن الإيطالية على مائتين وخمسين كتابا، أما الكتب المترجمة عن الإسبانية فكان مجموعها مائتين. وقد أكدت "اليونيسكو" هذه المعلومات المدققة في إحدى وثائقها الهامة.

ونجد نفس هذا التفوق في جميع الميادين الأخرى إذ يظهر أن نصف ما يصدر من الجرائد في العالم كله بنشر باللغة الإنجليزية، ثم أن ثلاثة أخماس النشرات الإذاعية الدولية تتحدث بهذه اللغة أيضا. وقد أدى هذا التفوق إلى أن أصبحت الإنجليزية لغة ذات قيمة كبرى في المجال الديبلوماسي الذي كان من قبل مقصورا على اللغة الفرنسية. وإذا كانت هاتان اللغتان  تستعملان في اشغال هيئة الأمم المتحدة كما تقدم ذكره فإن نسبة إستعمال الإنجليزية تبلغ 65 في المائة. وقد كان إختيار نيويورك مقرا للمنظمة العالمية الكبرى مما ساعد اللغة الإنجليزية مساعدة كبرى في هذا السبيل.

ومن الملحوظات الثابتة أن عدد الطلبة الذين يدرسون الإنجليزية في العالم كله هو في نمو مطرد، وهذه الظاهرة ملحوظة في فرنسا نفسها. ومع ذلك فاللغة الإنجليزية قد أخذت تصطدم في تقدمها بمصاعب كبرى، فقد حلت الروسية مكانها في جزء من القارة الأوروبية، ولعل هذا الأمر قد حدث في الصين أيضا، كما حدث في جهات أخرى من جراء إنبعاث اللغات القومية، من ذلك أن الإنجليزية لم تعد لغة رسمية للهند وباكستان وسيلان، فقد أكدت بعض الإحصائيات أن عدد الهنود القادرين على القراءة والكتابة بالإنجليزية بعد مرور قرن ونصف على السيطرة البريطانية لم يكن يبلغ المليونين. ثم أن الروسية هي أكبر منافس لها في الأقطار الإشتراكية.

هذه نظرة عن ماضي وحاضر أهم اللغات وأكثرها إنتشارا في عالم اليوم مشفوعة ببعض المعلومات عن التفاوت الموجود بينها في سعة ذيوعها. ومما لاشك فيك أن هذه الحقائق قد يطرأ عليها بعض التغيير خلال العقود الباقية من قرننا هذا. ومن الراجح أن يقع إنقلاب في مدى إنتشارها وسعة ذيوعها خلال القرن المقبل نظرا للتحولات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تحدث بإستمرار في عالم اليوم.

وارجو أن تكون هذه الصفحات قد تضمنت من الفوائد ما يدفع بنا حكومات وشعوبا إلى الإهتمام بلغتنا حتى نجعل لها في دنيا الغد مكانة لائقة بالتي كانت لها في خدمة العلوم والآداب والفنون جميعا عند ما كانت الكثرة الغالبة من البشرية غارقة في بحر الجهالة والظلمات.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here