islamaumaroc

في ذكرى محمد عبده

  دعوة الحق

72 العدد

في ذكرى الأستاذ الإمام يتجدد الحديث عنه ولا ينتهي، وبعد عشرات المؤلفات في سيرته وأعماله، يلقانا المصلح المصري العربي بوجهه المشرق وكأنما يعيش معنا بعد ستين عاما، ويشارك في النهضة، فما تزال كلماته نابضة بالحياة، لم يجف مدادها، وما تزال دعوته حية ممتدة، هذه الدعوة التي تلخصها كلمات قليلة (تحرير الفكر من قيد التقليد).
مفتاح شخصيته، معرفته لجمال الدين الأفغاني (موقظ الشرق)، فقد أمدته معرفته به بجوهر نفسه وكشفت له عن الطريق، فقد سار مع جمال في طريقه حينا، ثم اختار السبيل الذي أعانه على تكوينه، جوهر طبيعته الاستقلالي، وخبرته وتجربته، وهجرته وسجنه، فقد آمن جمال الدين بالثورة، واعتقد محمد عبده بأن "التربية" هي السبيل، وبدأ جمال الدين مثاليا، يحلق في الآفاق، وانتهى محمد عبده واقعيا يريد أن يغير الحياة عن طريق التحويل البطيء الأكيد، لقد تبلور منهج الشيخ عبده خلال مرحلة من الزمن، بعد أن خطا مع أستاذه خطوات على الطريق الأول، فلما لم تثمر، تنبه إلى أنه لابد من شق طريق آخر، وأعلن لصاحبه وجهة نظره حين تمنى لو استطاع أن يجمع مائة حدث من أبناء المسلمين والعرب فعلمهم تعليما خاصا ثم بثهم في بلادهم، فحملوا لواء القيادة فيه بعد عشر سنوات أو خمس عشرة، وقد أغضب ذلك جمال الدين، ولكن محمد عبده حين عاد إلى مصر بعد المنفى إثر الثورة العربية، جعل ذلك هدفه وسار في الطريق شوطا.

رسم منهجه في العمل الفكري الذي تخصص له في ميدانين كبيرين: هما الإصلاح الديني وإحياء أساليب الكتابة العربية، وكان (العلم) في نظره أداة التحرر من النفوذ الأجنبي، فإذا استطاع الشعب أن يمحو الجهل، أمكنه أن يشق طريقه إلى الحرية، ولذلك عزف عن أسلوب الصيحات العاطفية، وكلمات الحماسة، ووقف في الصف المضاد لها، مؤمنا بأنها أسلوب لا يحقق شيئا، وخير منه أسلوب العمل الدائب والصبر الذي ينتهي بالاستنارة واليقظة الفكرية.

ومن أجل هذا كانت دعوته إلى إصلاح الأزهر وتحرير العقائد، والعودة بالإسلام إلى بساطته الأولى وتخليص الأسلوب الأدبي من الزخرف، وقد حمل معه هذه الدعوة إلى كل مكان ذهب إليه، فكانت دعوته إبان هجرته إلى بيروت وبلاد الشام، وكانت صيحته في زيارته لتونس والجزائر، ومن هنا بدأ عمله كمذهب واضح عميق الخطوط، يجد الأنصار والأتباع في كل مكان، وتظاهره مجلة المنار التي كانت تنقل إلى مختلف بقاع العالم الإسلامي شروحه وكلماته وتفسيره للقرآن بروح العصر.

وقد صور الشيخ محمد عبده منهجه في كلمات دقيقة حين قال: ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرر الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترده عن شططه وتقلل من خلطه، وإنه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم، باعثا على البحث في أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.

الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء المخاطبات الرسمية أو في المراسلات بين الناس، وكانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق، وتنكره لغة العرب: (الأول) ما كان مستعملا في مصالح الحكومة وما يشبهها وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات، رث خبيث غير مفهوم، ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته، (والنوع الثاني) ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون من الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع، وإن كان رديئا في الذوق، بعيدا عن الفهم، ثقيلا على السمع، غير مؤد للمعنى المقصود.
وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، نعم: كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد على عشرين قرنا، دعوتها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده من خطئه ولا يقف طغيان شهواته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل، جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظلم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد.

ولم أكن في كل ذلك الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة، ولا أبرح إلى عقيدتي في الدين وأطالب بإتمام الإصلاح في اللغة وقد قارب)
.. ولا شك يعطي هذا المنهج أسلوب تفكير "محمد عبده" وعمق مفاهيمه لنفسيات الشعوب وتطور الحياة الاجتماعية وولادة النهضات وشيخوختها.

وقد كان للشيخ عبده دوره الواضح في الإصلاح الديني بفتح باب الاجتهاد، تمثل في قرار ذي خمس نقاط:
- فتح الاجتهاد وعدم الاكتفاء بالتقليد
- محاربة الخرافات والأباطيل التي نسبت زورا إلى الدين
- تحريك رجال الدين من رقادهم.
- الاعتماد في نهضة المسلمين على النهوض بالأزهر لأنه حصن الدين ومعقل اللغة.
وكان له عمله في إصلاح الأزهر وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي وإصلاح نظام المحاكم المختلفة ومحاربة البدع والخرافات.
وقاوم بقلمه كل ما وجه إلى الإسلام من اتهامات وكان أبرز موقفين له: رده على (هانوتو) و (فرح أنطوان) حيث أبرز سماحة الإسلام وموقفه من العلم والعلماء وحرية الرأي في كتابيه (الإسلام والنصرانية) و(الرد على هانوتو). واتسمت مساجلاته بالعمق وقوة الحجة والترفع عن المجادلات الرخيصة.

وتبدو حياته الفكرية في مطالعها في "الكتابة الصحفية" بين الأهرام، والوقائع، والعروة الوثقى والمنار. أما كتاباته في الأهرام منذ صدوره (1876) فكانت تلخيصا لمحاضرات السيد جمال الدين وقد شغلت مساحات كبيرة في أعداد متصلة، وهو بذلك أول من كتب ملخصات المحاضرات في الصحف.
ومقالاته في الوقائع (1789) جريئة ممتازة تعنى بالنقد الاجتماعي وإصلاح المجتمع، وفيها عرف أسلوبه بالبساطة والهدوء والقدرة على التحليل دون مبالغة أو اندفاع. وفيها نشر بضعة وثلاثين مقالا تناول فيها أحوال البلاد ودعا إلى الترقي وإقامة النهضة على دعائم ثابتة.
أما مقالاته في العروة الوثقى (1884) فهي آية في الجرأة والإيمان والدعوة إلى مقاومة المستعمر والنفوذ الأجنبي، وكان هو المحرر لكل ما نشر في أعدادها الستة عشر، التي هزت بريطانيا فحرمت دخولها إلى مصر والهند.
وفي المنار (1889) كانت آراؤه تتصدر الصفحات على لسان تلميذه رشيد رضا، وفيها نشر تفسيره العصري للقرآن الكريم وآراءه في الإصلاح ودعوته إلى تحرير العقيدة والعلم حيث كشف عن أصالة الإسلام وقدرته على مواجهة التطور والالتقاء بالحضارة.
ولا غرو أن يتجه محمد عبده هذا الاتجاه الذي ارتبط به طوال حياته، فقد كانت الكتابة والصحافة هي وسيلة المصلح والداعية والمفكر في أداء رسالته، فإذا أثر عن الشيخ عبده أنه قال في مطالع حياته: "إنما خلقت لكي أكون معلما" عرفنا أنه انتقل من التعليم في الفصول وبين مقاعد الدرس إلى التعليم على نطاق الأمة كلها بواسطة الصحيفة والكتاب.
وتبدو صورة محمد عبده‘ وكرجل يكره التقليد ويؤمن بالتحرر والاجتهاد والتطور، في أسلوبه الذي كتب به أول مرة في الأهرام، وفي نوع من محاضراته حين بدأ عمله في دار العلوم، حيث اتخذ من (مقدمة ابن  خلدون) نقطة البدء في وقت كانت هذه الدراسات مجهولة مدفونة تحت تراب التقليد.

ومنها استطاع أن يتحدث عن نهوض الأمم وسقوطها وأصول الحضارة والعمران البشري والاجتماع الإنساني.
وبدا طابعه واضحا منذ مطالع حياته في استقلال الرأي والتحرر من التقليد، وضح ذلك منذ قرأ كتب (المعتزلة) في الأزهر، فنال غضب أساتذته، وقال له الشيخ عليش وهو يحاوره: بلغني أنك رجحت مذهب المعتزلة على مذهب الأشعرية؟
فانبرى الشيخ عبده يرد عليه: يا سيدي، إذا كنت أترك تقليد الأشعري فلماذا أقلد المعتزلي؟ إنني إذن أترك تقليد الجميع وآخذ بالدليل.

وهكذا تحرر فكر الشيخ عبده من الأساليب القديمة في الفقه، كما تحرر في الكتابة، وبذلك رفض التقليد ونهج في دروسه نهجا جيدا، وبدت حلقاته في التاريخ الإسلامي وفلسفة الاجتماع وأسرار نهوض الأمم، في الأزهر ودار العلوم، ومدرسة الألسن، تقوم على أساس التوجيه والبعث وتطهير العقول من الخرافات والبدع.
وكذلك أدته حرية رأيه واستقلال فكره إلى أن يختط طريقا مغايرا لطريق أستاذه جمال الدين كان أجدى على الأمة العربية وأعمق أثرا.

ولا شك لوثبات الشيخ عبده أثر في طابعه الاستقلالي المتحرر، وكان لصلته بالشيخ درويش الزاهد المتصوف أثرها في عزوفه عن الدنيا وانصرافه عن مطامعها، وتطلعه إلى مرضاة الله، ثم تحرر من هذا الاتجاه الصوفي وتعمق، وحمل طابع الإيجابية بدلا من السلبية بعبارة جمال الدين التي وعاها الشيخ عبده واتخذها نبراسا وهي قوله (فناء الصوفي في الله وفنائي في خلق الله).
ثم كان لقراءاته الحرة في الآداب الغربية الحديثة، وما سوى كتب الأزهر، ثم أسفاره إلى أوروبا ولقائه لعدد من علمائها وساستها أثر واضح في تعميق مفاهيمه وبلورة اتجاهه.
فقد قرأ الشيخ عبده مصنفات العلماء الغربيين المترجمة إلى العربية، ولم يلبث أن شعر بحاجته إلى دراسة لغة أجنبية فتعلم الفرنسية في الأربعين، وأجاد الحديث والقراءة بها، وعني في قراءاته بكتب الأخلاق والاجتماع والتاريخ والفلسفة والتربية مما ترجم عن الفرنسية أو الإنجليزية، وأعجب بهربرت سبنسر وزاره في إنجلترا، وترجم إلى اللغة العربية كتابه عن التربية عن طريق النص الفرنسي.

ويرى محمد عبده أن رحلاته إلى أوروبا أمدته بفائدة كبرى، كان يقول: ما من مرة أذهب إلى أوروبا إلا ويتجدد عندي الأمل في تغيير حال المسلمين إلى خير منها، وفي أوروبا كان يزور جامعات فرنسا وسويسرا، ولقد حضر ثمة في جامعة جنيف دروسا في الآداب والتاريخ والحضارة.
ولكن اتصاله بالفكر الغربي لم يزده إلا إيمانا بأمته وفكرها، فكان قوي الحجة في رد الكيد، يبدو ذلك في رده على جبرائيل هانوتو حيث يقول: إن الحضارة التي وصل إليها الأوروبيون لم تصل إليهم إلا مع المهاجرين الأولين الذين رحلوا إليها من البلاد الشرقية الآرية، وإن اليونان الذين سماهم مسيو هانوتو معلمي أوروبا اقتبسوا مدنيتهم من مخالطة الأمم السامية، وبينما كانت أوروبا لا تعرف مدنية غير التسافك بالدماء وإشهار الحرب، جاء الإسلام إليها حاملا معه علوم أهل فارس والمصريين والرومان واليونان بعد أن نظف جميع ذلك ونقاه من الأدران.
وهو يهاجم المنتحلين والمقلدين هجوما مرا، يقول: (قد علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين في كل أمة المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس بل يكونون بما أفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلدوهم أشبه بهم).
وكان الشيخ عبده معنيا بالتحدث عن (علة تأخر الشرق) مطالبا بدراسة علم البشرية الذي يحسن أدب النفس، وما أودعته الديانة من الآداب النفسية والكمالات الروحية والذي لم يختلف في صحته أحد من البشر، حتى من يظن نفسه غير آخذ بالدين...).

وقد حرص الشيخ على الدعوة إلى التربية والاقتباس من الثقافات العالية دون التقليد الذي يمسخ الشخصية، وكان في دعوته للحرية الفكرية حريصا على التدرج ويرى أنه من الخطأ بل من الجهالة أن تكلف الأمة بالسير طفرة واحدة إلى هدف بعيد المنال دون تقدير للتطور الذي يجري مع الزمن.
ولعل حديثه مع "هربرت سبنسر" حين لقيه في لندن 1903 يصور مدى عمق هذه العقلية وقدرتها على مواجهة المعضلات، وقد جرت هذه المحادثة بينهما:
(سبنسر) هل الشرق يسير في تفكيره على النمط الذي يسير فيه الفكر في أوروبا؟
(عبده) إن ما يتعلمه الشرق من الغرب هو الخبيث دون الطيب.
(س) إذا رجعنا إلى موجه الأمور فإني أظن أن الفكرة السائدة عن القوة الخفية المحركة للعالم والتي يقولون عنها (الله) ليس فيها خلاف بيننا.
(ع) إننا نعتقد أن الله كائن وأنه ليس بشخص.
(س) إن التمييز في ذلك صعب الفهم والإدراك، يظهر أنكم تعتقدون بقصور العقل عن الإدراك الإلهي، وهذا يشبه نظرية الذين يجهلون الله، وهي النظرية الموجودة بين الكثيرين في أوروبا.
ومثل هذا ما دار بينه وبين بلنت:
يقول (بلنت) هل تعتقد أن لله وعيا، وأنه يعلم بأنك موجود وأنني موجود، ألا يدل هذا العلم على وجود الشخصية؟
(عبده) نعم إنه يعلم.
(ب) إذا كان هو يعلم ذلك فهو يعلم كذلك أنك طبيب وأنني غير ذلك؟
(ع) نعم ...
(ب) إذن فهو راض عنك وغير راض عني.
(م) إنه يقر أشياء ولا يقر أشياء أخرى.
(إنه يقر اليوم، لأن أعمالك صالحة، ولا يقر غدا لأنها غير صالحة، أليس هذا الإقرار من خصائص الشخصية، فكيف إذن لا يكون شخصا...
(ع) إن الله يعلم كل شيء في كل وقت، وليس له يوم وليس له غد، وهو واحد أحد، وعلمه دائم، ولا تبديل لكلماته، مدرك لكل شيء، خالد، لا ينتابه الحدوث، وإني أسمي هذا كائنا ولا أسميه شخصية.
(ب) والمادة، أليست المادة هي كذلك دائمة، أو أن الله هو الذي يخلقها، فإذا هو الذي يخلقها، فهو بذلك يقيم تبديلا وتعديلا وتغييرا.
(ع) إن المادة دائمة كما أن الله دائم.

وهكذا كان يمضي محمد عبده في طريقه، أينما حل يناقش العلماء ويكشف عن مفاهيمه في الإسلام على قاعدته: تحرير الفكر من التقليد وفهم الإسلام على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى ...
وعلى هذا النحو بقي اسم "محمد عبده" قائما خالدا في فكرنا العربي الإسلامي الحديث علامة على طريق بلغ بالأمة العربية فوق موج الأحداث، وفتح أمامه الآفاق، آفاق السلفية التي انتشرت في كل مكان من العالم الإسلامي، وكان للمغرب دوره الفعال في قيادة حركتها.
        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here