islamaumaroc

درة الغواص في أوهام الخواص للحريري

  دعوة الحق

72 العدد

قرأت في العهد المدرسي للحريري صاحب المقامات كتابا سماه درة الغواص في أوهام الخواص نبه فيه على عدد من الألفاظ التي خرجت مع الزمان والتطورات الفكرية عن معناها الأصلي إلى معنى مخالف لما هو مدون في أمهات اللغة، فكان هذا التحول منشأ خلاف بين أهل العلم هذا بحمل الكلمة على المعنى الذي وضعت له، وهذا الذي يحملها المعنى الطارئ أذكر من ذلك على وجه المثال كلمة "بساط" فإنها تدل بحكم الوضع على الاتساع وبه جاء القرآن: "ولو بسط الله الرزق لعباده لبلغوا في الأرض –والله يقبط ويبسط – وزاده بسطة في العلم والجسم- وزادكم في الخلق بسطة-" ثم طرأ مع الزمن على الكلمة ما خرج بها عن معناها الأصلي إلى المعنى الهندسي الذي هو التسطيح، فوقف الناس على الطارئ وتنوسي المعنى الأصلي أو كاد، الأمر الذي أدى أصحابه إلى إنكار كروية الأرض إستنادا في زعمهم على قوله تعالى: "والله جعل لكم الأرض "بساطا" مع أنهم لو تدبروا لتبين لهم أن حمل الآية على هذا المعنى يتعارض مع قوله تعالى: يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، إذ من المعلوم أن التكوير لا يكون إلا على شيئ مكور كتكوير العمامة على الرأس.

أرجع الآن إلى المقصود من هذا المقال فأقول أن الداعي للحريري لوضع كتابه درة الغواص قد وقع بعينه فيما بيننا فيما يرجع للقرآن، فإن عددا من آياته تحولت عن معناها إلى معنى لا يتفق مع السياق ولا يرتضيه المعنى الذي جاءت الآية لتقريره يرجع السبب في هذا التحويل إلى كون الناس يستشهدون بالآية مقتضبة مختزلة من غير إعتبار للسياق ولا للإشباه والنظائر المبثوتة في مختلف الصور مما مؤداه الحتمي الوقوع في مخالفة الآيات بعضها لبعض، وحاشا ثم حاشا أن يحرم الإختلاف حول حمى كتاب يقول فيه سبحانه: "ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ولا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه." وزاد جل ذكره سجل عليه بقوله: "لكن الله يشهد بما أنزل إليك إنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا".

وإلى أهل التدبير والذوق السليم نماذج من الآيات التي هي نمط ما نبه عنه الحريري:
1)إستفاض بين الناس حتى المنتسبين للعلم الإستشهاد كأنه من قبيل المعلوم بالضرورة بقوله تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" على أن القرآن فيه كل شيء على وجه العموم والاستغراق، وفاتهم أن الآية من الأشباه والنظائر ما يمنع من حمل الآية على هذا العموم، وذلك قوله تعالى في سورة المائدة: يا أهل الكتاب قد جائكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير،" لا شك أن ما عفا عنه سكت عنه ونظيره ما جاء في سورة النمل: "إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون إقتصر هنا أيضا على بيان أكثر لا الكل فلم يبق بعد إلا إلتماس تفسير للآية يتفق مع نظائره وينسجم مع أمثاله حتى تأمن الوقوع مما حذر الله منه: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا.
والمعنى المنشود هو ما جاءت به معظم التفاسير من أن المراد بالكتاب في الآية هو كتاب الإحصاء المعبر عنه باللوح المحفوظ المترجم عنه في سورة يس: "و كل شيء أحصيناه في امام مبين"  وذلك ما يرتضيه السياق وهو قوله جل ذكره: "وما من دابة في الأرض ولا طائر في يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، معناه حتى على إختلاف إجرامها وأشكالها، والطيور على إختلاف أصنافها وأجناسها لم نهملها بل هي محصاة في الكتاب العام الجامع وبهذا التأويل تنسجم الآيات فيما بينها.
2)يجري على الألسنة أيضا استشهاد بقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون على أن معناها ليسأل من لا علم له من له علم وهذا المعنى وإن كان في حد ذاته صحيحا فليس هو معنى الآية في نظر العلم البحث، وبيان ذلك أن قبل الآية والذي هو مرتبط بها إرتباط الجواب بالشرط هو قوله تعالى، وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم لا ملائكة كما تقترحون فإن كنتم في شك من هذا فسألوا أهل الذكر قبلكم أهل الكتاب إن لم يكن لكم علم بكتبهم فإنهم وإن كانوا مشايعين للمشتركين في معاداتهم لرسول الله لا يسعهم إلا أن يعترفوا بأن الرسل إنما كانوا من البشر كموسى وإبراهيم وعيسى وغيرهم، إذ كيف يتأتى منهم أن ينكروا شيئا هم عليه، فتبين من هذا أن المراد بأهل الذكر في قوله جل ذكره فاسألوا أهل الذكر هم أهل الكتب السالفة وبالأخص أهل الكتاب القريبين منهم اليهود والنصارى.

3)ينتظم في هذا العقد أيضا قوله تعالى: ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها، نعم لا أجهل ان، الكثيرين من المفسرين يقولون بالنسخ وأن  القرآن ينسخ بعضه بعضا، بل بنيت على هذا القول أحكام وأخذ محله في أصول الفقه، لكن هذه الشهرة على ما هي عليه لا تمنع من القول بأن هناك من المفسرين من أنكروا وجود النسخ في القرآن بالمعنى الشائع كما سأشرحه، من جملة هؤلاء المفسرين أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني ومن نحا نحوه.

وشرح الحال بإختصار أن الآية المتكلم عنها جاءت في سياق كلام طويل كله في محاججة اليهود إبتداء من قوله تعالى: يا بني إسرائيل إذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبوا. وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به. ثم بعد أن أفاض في تذكيرهم بالنعم الحسية والمعنوية قال سبحانه: ولما جاءهم كتاب من الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم مما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين، لماذا كفروا به؟ كفروا به غيا وحسدا إن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده وهكذا استمر الكلام مع بني إسرائيل إلى قوله تعالى سبحانه: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء: العرب أو غيرهم بالنبوءة ثم ختم بآخر استرعاء لأهل الكتاب يقول لهم فيه: يا معشر اليهود إنكم لا ترجعون بصفة المغبون في هذا الإنتقال للنبوءة إلى العرب ما ننسخ من آية مما عندهم نأت بخير منه وما تنوسي من وحي طواه الزمان فيما طوى نأت بمثله كصحف إبراهيم أو غيرها من الأنبياء المتقدمين لأن الذي ينزل القرآن على محمد الذي أوحى ما أوحى إلى النبيئين من قبله فإن الضوء الذي جاءوا به ينبثق ممشكاة واحدة، شرع لكم من الدين ما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه. ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، وإذا أخدنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى إبن مريم – وهذه الآيات كلها تتجاوب أصداؤها في سورة الأنعام في قوله تقدست أسماؤه: وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه إلى قوله: أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتد، وغلى هذا يشير قوله عليه الصلاة والسلام: نحن معاشر الأنبياء بنو العلات الأب واحد والأمهات مختلفة.
ان قال قائل ما جوابك عن قوله تعالى في سورة النحل: وإذا بدلنا آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر، أقول: قال الإمام الواحدي في أسباب النزول عن عبيد بن مسامة قال كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر، إسم أحدهما يسار والآخر جبر وكانا صيقلين فكانا يقرآن كتابا لهم وكان رسول الله يمر بهما فيسمع قراءتهما فكان خصومه عليه السلام من مشركين وأهل كتاب يقولون يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، يعنون بالبشر الذي يعلمه ذينيك الغلامين لأن محمد رجل أمي لا علم له لا بتوراة ولا بإنجيل لذلك في زعمهم هو يتحيل للأخذ والإستمداد من أتباع الكتابين التوراة والإنجيل، وبهذه الوسيلة يمكنه أن ينسخ ما ينسخ منهما وأن يترك، وعلى هذا المنهاج جاء كلام أبي مسلم محمد بن بحر الذي لا يقول بالنسخ بانيا مذهبه على أن النسخ إنما هو بين الكتب السماوية بين القرآن والإنجيل والتوراة وبين الإنجيل والتوراة يشهد لها قوله سبحانه عن سيدنا عيسى في سورة آل عمران: ومصدقا لما بين يدي التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم، فتحليل عيسى بإنجيله لما هو محرم على اليهود في توراتهم نسخ خصوصا إذا علمنا أنه سبحانه حرم على اليهود الكثير من الطيبات، فقال لهم سيدنا عيسى أن آمنتم بي وصدقتموني أرفع عنكم الحرمة في بعض الطيبات المحرمة عليكم، وإلى هذا يشير مسلم في صحيحه بقوله: ما وقعت نبوة قط إلا تناسخت، زد على هذا فيما يخص كتابنا معشر المسلمين، وأن مدة التشريع لم تتجاوز عشر سنين وهي مدة ليس من شأنها أن يحدث فيها من التطورات الإجتماعية ما يستوجب تبديل حكم بحكم، أذكر بهذه المناسبة أني كنت استدعيت للحضور للمؤتمر الإسلامي في القاهرة بواسطة فضيلة كاتبه السيد أنوار السادات عند زيارته للمغرب سنة 1957، ومن جملة من إجتمعت بع من العلماء معالي مدير الإزهر العلامة صاحب المآثر الجليلة في خدمة القرآن المرحوم محمود شلتوت، فجاذبته اطراف الحديث في عدد من المسائل القرآنية من جملتها مسألة النسخ فلم يتردد أن أجابني بأنه ما سمع منه واحد من تلاميذه القول بوجود النسخ في القرآن، ومنه سمعت أن مدة التشريع لم تتجاوز عشر سنين وزادني قائلا بأنه مستعد لجواب كل من يكاتبه في الموضوع من المغرب أو غيره من الأقطار الإسلامية.
4)الآية الرابعة: وإذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (الآية 16)، يقول الزمخشري في تفسيرها وهو من هو في علوم العربية: إذا دنا وقت هلاك قوم ولم يبق من زمان أمهالهم إلا قليلا أمرناهم (ففسقوا) أي أمرناهم بالفسوق ففعلوا وبعد هذا التأويل أخد يتعجل في توجيه أمرناهم أنه على سبيل المجاز، وفاته رحمه الله وغفر له ما جاء في سورة الأعراف وهو قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آبائنا والله أمرنا بها قل: إن الله لا يأمر بالحشاء، وإنما معنى أية الإسراء: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها بما شأننا أن نأمر به المذكور في سورة الأعراف وذلك قوله: قل ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد إلخ وهكذا القرآن يفسر بعضه بعضا كما قرره العلماء.
5)والله خلقكم وما تعلمون (سورة الصفات الآية 97) جاءت هذه الآية خاتمة لقضية محاجة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه ابتداء من قوله تعالى: وأن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون؟ وأطرد الكلام على وثيرة واحدة إلى أن ختم بالآية المتكلم عنها والله خلقكم وما تعملون. استنكر إبراهيم على أبيه وقومه أن يصنعوا آلهة بأيديهم ثم هم مع ذلك يعبدونها وعاب عليهم أن يعبدوا آلهة هي وحدهم من خلق الله، فإن الأصنام من خلق الله ومن عملهم كالباب والكرسي هما من عمل التجار بإعتبار الشكل والصورة، ومن خلق الله تعلم بإعتبار جوهرها وكالسوار هو عمل الصائغ بإعتبار شكله ومن خلق الله بإعتبار جوهره، وقد أطال المتكلمون في الكلام على هذه الآية من جهة دلالتها على أن العمل مخلوق الله تعالى، مع أن الآية ليست في باب العمل الذي هو مصدر وإنما هي في العمل بمعنى المفعول لأن قوله: وما تعملون ترجمة عن قوله ما تنحتون وإلا لاختلفت الترجمة والمترجم عنه ولما كان لاحتجاج ابراهيم على قوله معنى إذا كان تاويل الآية والله خلقكم وخلق عملكم وبالإختصار نظرا لكون المسألة ملئت بها كتب علم الكلام فلا يشفي فيها القليل إلا أن تصاغ في قالب رواية يرى فيها الناس على شاشة التلفزيون موقف ابراهيم عليه السلام وموقف أبيه وقومه، ثم ليحكموا بعد ذلك ما هو التأويل الذي تنهض به حجة إبراهيم ودعوني من انتحال التأويلات ويرحم الله القائل:
لي صاحب أفديه من صاحب          حلو التأني حسن الإحتيال
لو شاء من رقة ألفاظـــــــــه          ألف بين الهدى والضــلال

إخواني العلماء أناشدكم بقوله تعالى: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا، أن أولادنا أصبحوا يتخرجون من الجامعات والكليات ينخلون ما يطالعون وما يسمعون نخلا فلا يقبلون إلا ما قبله العقل وسكن إليه الضمير لا كل ما شحنت به الحواشي والتعاليق، نعم من كانت له ملاحظة فليطرحها على بساط المناقشة والبحث وطالب الحق ضيف الله.

والمقصود من النماذج التي عرضتها على الأنظار التنبيه إلى أن القرآن ينظر فيه في أفقه الواسع لا في زاوية ضيقة، وما زلقت الأرجل في فهم قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون إلا لكون الآية أخذت مقتضبة منتوفة من السياق الذي كانت هي خاتمة، مما ذكرني والشيء بالشيء يذكر، مجلسا كنت فيه وتلا أحد الحاضرين قوله تعالى في سورة يوسف: قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم، قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟ قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين، فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها (بهاء التأنيث) من وعاء أخيه مع أن الصواع مذكر واطرد الكلام على التذكير إلى هذا وأمثاله يؤدي قصر النظر مع عدم الحفظ وفات صاحب هذا القول أن القصة تحدرت من قوله تعالى: ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون، ولما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه إلى أن إنتهت القصة عند قوله تعالى ثم استخرجها يعني السقاية من وعاء أخيه. يقرب من هذه الآية أيضا قوله تعالى: فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من انصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين، ثم قال: ومكروا ومكر الله، لا شك أن المولع بتحكيم القواعد النحوية يخيل غليه أن الضمير في قوله ومكروا يعود على الحواريين عملا بالقاعدة النحوية أعني عود الضمير إلى أقرب مذكور، وبما أن القرآن روح: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" فإن الحكم فيه للمعنى الذي تمليه روح القصة وفي ذلك ما فيه.

أجعل خاتمة هذا المقال حكاية وقعت لي مع أحد مشاهير المستشرقين الأستاذ وليام مارصي عميد كلية الصوربون بباريز صاحب ترجمة صحيح البخاري في أربعة أجزاء اجتمعت به في مكتبة رودوصي في الجزائر بعد أن تجاذبنا أطراف الحديث قال لي شاع عنك أنك من المشتغلين بالقرآن وأن لك إطلاعا واسعا، وعندي ما أفحمك به وأبين لك بأن القرآن فيه التناقض، فلم أتمالك أن ابتسمت في وجهه تبسما له معناه ومغزاه وقلت له مما أعد من العجب أن يفحم أوروبي عربي في القرآن والعربي وجد الحال أنه من حفاظه، هات ما عندك فقال: يقول القرآن في سورة المائدة: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح يابني إسرائيل أعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله إنه حرم عليهم الجنة وحكم أن مأواهم النار بتاتا بينما يقول في آخر نفس السورة أن تعذيبهم فإنهم عبادك وأن تغفر لهم فأنت العزيز الحكيم، فأي موضع بقي للمغفرة بعد أن حرم عليهم الجنة وسجل عليهم بأن مأواهم النار؟ فقلت له حضرة الأستاذ: الآن تحقق فيك عجبي على أنه لا عجب فان القرآن بوجه عام يصعب فهمه حتى على أهله الذين لا يحفظونه فكيف بالأجنبي وبينت له طائفة من الأغلاط في ترجمة القرآن التي ترجمها العجم أمثال مونتي وكاز مرسكي وسفاري ثم عدت به على سورة المائدة محط الإشكال فقلت له الفرق بين الآيتين كالفرق بين الحياة والموت، الآية الأولى تقول على لسان المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا  الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة إلخ الكلام كما ترى في الدنيا موجها من سيدنا عيسى إلى بني إسرائيل، وأما ما ختمت به السورة فهو حكاية سيدنا عيسى في الآخرة أول القصة قوله سبحانه: وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي الآهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته قفد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، على أن ختمت الآية بقوله تعذبهم فإنهم عبادك لأن في ذلك اليوم لم يبق كلام لسيدنا عيسى لمن الملك اليوم الله الواحد القهار، ولنفرض أنك قاضي صلح ووقفت أنا أمامك بصفة نائب غير الغير لا شك أنك تكلفني بإحضار وكالتي من طرفي الغائب كذلك القول في قضيتنا: سيدنا عيسى تكلم وهو في الدنيا بصفته رسولا عنده رسالة التي هي بمنزلة الوكالة بخلاف موقفه في الآخرة فلم تبق بيده وكالة كما أنه لا يتصور أن يحجر على الله، الأمر يومئذ لله، والرسل كلهم واقفون، يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا أنك أنت علام الغيوب، هنالك ألتفت إلي والكآبة تغشي وجهه وقال لي: فلان غاية ما أقول أن القرآن يبقى لغزا بالنسبة إلى الأجانب فقلت له كلا ثم كلا هو ميسور ولكن على شرط أن يستعينوا بأهله كما في مجلسنا هذا.

على هذا إنفض المجلس وخرج الأستاذ يجر ذيل الهزيمة والخيبة ومن أين لحقته هذه الخيبة لحقته من كونه نتف الآية الأخيرة من قصة طويلة وهكذا فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here