islamaumaroc

أسلوب القرآن الكريم

  دعوة الحق

72 العدد

نزل القرآن الكريم على العرب بلسانهم العربي، وبيانهم الأدبي، وأسلوبهم الذي كانوا يستعملونه في الحجاج، وطريقهم التي كانوا يسلكونها في الخطاب، فلم يكن بدعا القول، ولا غريبا في الحروف والكلمات ولا جديدا في المفردات، ولا نمطا خاصا في أداء المعنى حتى تكون الحجة به ألزم، والإفحام به أوجب (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) وكان المعروف أن العرب يقدسون الشعر، ويحترمون القصيد، ويحتفلون لهذا النوع من الكلام الذي يقيمون له الأسواق ويختارون فيها المحاكمين الذين يرفعون بشهادتهم الشعراء إلى الجوزاء، وهم بهذا يطاولون الناس، ويختالون بما نالهم بفضل الشعر من مجد شامخ، وعز باذخ وسؤدد لا ينازعهم فيه أحد، ولا يلحقهم فيه مخلوق، ويقول إبن رشيق في كتابه العمدة إنهم ما كانوا يحتفلون إلا بفرس تنتج، أو شاعر يولد، وكان للعرب إلى جانب الشعر الخطب والنثر المسجوع الذي يجري على ألسنة الكهان، وهو ألفاظ متكلفة، وجمل ثقيلة، وعبارات هزلية، وكلام أشبه برقي الجن، والفاظ المشعوذين، فلما نزل القرآن وأمعنوا النظر فيه، وراوا أنه بحروفهم وألفاظهم وأسلوبهم ظنوا لأول وهلة أنه لا يسموا عن مستواهم، ولا يرتفع عن هذا الأفق الذي ينتهي إليه حديث قيس بن ساعدة الإبادي، أو سحبان وائل، إلا أن ظنهم هذا طار مع الريح حينما تيقنوا أنه على ما هو عليه (لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) ولا يستطيعون أن يرتفعوا إلى درجته من البلاغة ومنزلته من الفصاحة (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) فهل كان القرآن –حقا- قد أحدث جديدا في الأساليب البيانية من حق الكاتب أو المؤرخ أن يقول أن له أسلوبا إنفرد به، وأنه جدير أن يسمى في تاريخ الأدب (الأسلوب القرآني).

فإننا نعلم أن الباحثين في الآداب وتاريخه وصلوا في نهاية البحث عن الأساليب ومعايير الآداء وألوان الكلام، إلى أن هناك أسلوبا أدبيا، وآخر علميا، وأن الأول يدخله من الالاقة والحسن، والإبداع والزخرفة، وروعة وجودة التصوير، ما لا يكون في الثاني الذي لا يتجاوز الكشف عن الحقيقة، وسرد الأنواع، ووضوح المعنى ولا يلتفتون إلى أن القرآن الذي جاء وللعرب نثر جاف غليظ، وأسلوب ممجوج، كان تعبيره من السهولة والسلامة، والبساطة والوضوح، والخفة والروعة، بحيث لا يمل منه قارئ، أو يتحول عنه سامع، وكان –كذلك- مشتملا على النثر الأدبي الجميل التعبير، الحسن التصوير الرقيق اللفظ، اللطيف الأسلوب مثل (رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء، لمن الملك اليوم، لله الواحد القهار، اليوم تجزى كل نفس بما أكسبت، لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب)، فإنه رسم لك صورة ذهنية رائعة لذى الجلال سبحانه في علو شأنه، وسمو عرشه، الذي يلقى منه الروح بإختياره على من يشاء من عباده، ليتقوا نقمته يوم لقائه، يوم هم بارزون لا يحجبهم عنه شيء، وله وحده الملك والملوك، وهي من غير شك تبعث على الرهبة، وتحمل على الخوف.
وإلى جانب هذا اللون الذي يشتمل على روعة الشعر وخياله، وجمال تصويره وحسن أدائه، وخفة بيانه، يوجد فيه الأسلوب العلمي الذي يجيء على هيئة السرد والعد، كما في قوله تعالى (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين .. وإن كان رجل يورث كلالة أو إمرأة وله أخ أو أخت، فلكل منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم) أو على سبيل التعليم والإرشاد كما في آية صلاة الحرب (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم. فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا، فليصلوا معك وليأخذو حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) فإنه لم يحفل بحسن الأداء، وجمال العرض، كما إحتفل ببيان الحكم المجرد لا مزيد فيه، ولا مبالغة معه، ولا الاقة عليه.

ونحن لا يعنينا من حديثنا عن أسلوب العلمي، فإن حديثهما ليس من الأهمية بهذه المثابة ولكننا نعرض عليك شيئا آخر لم يفطن إليه كثير من الباحثين في القرآن، أو المتحدثون عن أسلوبه البياني ... ذلك هو غزوه للشعر وإرغامه له، وتعاليه عليه، بما جاء به من ألوان كانت جديدة على الناس، وكان لا بد أن تهزهم هزا عنيفا، وأن تشغل بالهم إلى حد أن يحتقروا الشعر الذي تخلف بيانه، وتأخر لفظه وكبابه جواده، وضاق عطفه، وقصر لحاقه ...
ومما لا خلاف فيه أن القرآن شغلهم عن الشعر، وصرفهم عنه، وزهدهم فيه، وجعل كثير منهم لا يعنون بأمره في كثير ولا قليل، إلا أننا لا نعني من وراء هذا أن نقول أن الشعر قد إختفى من الميدان كل الإختفاء، فإن واقع الحال يكذب ذلك، لأن الشعر كان موجودا يؤدي دور المعارضة أو التأييد، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤيدون ينافحون عنه، ويحمون ظهره كما كان هنالك معارضون، يصرفون الناس عنه ويحولون الأنظار إلى سيره من أنصار الشرك، ودعاة التخلف إلى الوراء ... وإذا حاولنا أن نسجل تسجيلا صحيحا ذلك الدور الذي لعبه القرآن الكريم – حينئذ – إلى درجة أنه صد النفوس عن الشعر، وبغض فيه ذلك التبغيض، لا نجد سبب ذلك أن دعوته كانت جادة وأن دعوة الشعر كانت هازلة أو أن هدفه كان نبيلا، وأن هدف الشعر ليس كذلك، أو أن القرآن كان يعلن صوت الحق، وأن الشعر في هذه الآونة كان يعلن صوت الباطل، ولا أنه الثورة الإصلاحية الكبرى التي ذهل لدويها أهل الأرض جميعا حتى لم يعد عندهم من الفراغ ولا من القبول ما يساعدهم على الإقبال على الشعر، ولا الرغبة في الإشتغال به، إنما نجد – أيضا – أنه تناول الموضوعات والأغراض التي كان الشعر يتناولها فأربى عليه، وجاء بأسلوب جعل العقلاء من الناس يحكمون بأن أسلوب الشعر لا قيمة بعده ...
فمن حيث الموضوعات التي تناولها الوصف – مثلا – وذلك كقوله تعالى في تصوير خيبة آمال الكفار – يوم القيامة – في أعمالهم التي عملوها في الدنيا زاعمين أنها تنفعهم عند الله فتحول بينهم وبين عذاب جهنم .. (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء، لم يجده شيئا ووجده الله عنده فوفاه حسابه) فإنها تتحدث عن إنسان في مفازة قاحلة بعيدة عن العمران والبنيان، يوجد بها هذا الظامئ الذي إشتد به الظمأ، وألح عليه العطش، وهو يبدو له على البعد شيء كالماء وليس بماء، وهناك تدفعه الحاجة والرغبة والأمل الخادع، والشغف الملح، والطلب الدائب، مستهينا بالتعب الذي يلاقيه، والثعب الذي يعانيه، والجهد الذي يكده ويهده، ولكنه بعد الإعياء، والهزال والعياء، يتكشف له الحال، وتظهر له الخيبة، ويتأكد – حينئذ – أنه كان عابثا، ويؤمن بأنه كان مغرورا، يطلب موهوما، ويبقى معدوما، ويجري وراء سراب، أو يطمئن إلى كذاب ... وهو – كما نرى – لا يفلت من العقاب، ولا ينجو من العذاب، ولا يهرب من طائلة القانون (ووجد الله عنده فوفاه حسابه).

والتهديد والتوعد، وذلك كقوله تعالى: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا، وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون، فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فأستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا، إنكم رضيتم بالقعود  أول مرة فاقعدوا مع الخالفين، ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون، ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) فهو يتوعدهم بنار جهنم التي هي مصيرهم المنتظر، ولئن كانوا يسخرون من المؤمنين ويضحكون من المسلمين فسوف يكون بكاؤهم مضاعفا، وأسفهم كثيرا، ومثل هؤلاء لا يخرجون للقتال مع النبي (ص) لأنهم جرثومة فساد، وعناصر ضعف، وليس من حق الرسول أن يصلي على موتاهم، أو يزور قبورهم، ولئن كانوا في غنى المال وكثرة من الأولاد فإن ذلك إبتلاء من الله في الدنيا وعذاب شديد – بعد ذلك – في الآخرة ... وما أظن أحدا يرتسم له مستقبله بتلك الخطوط يكون له بقية من أمل، أو اثارة من رجاء، أو معنى من تفاؤل أو شيء من تماسك قوي، أو بعض من ترابط مفاصيل ...
ولا نريد من وراء ذلك أن نقنعك الإقناع كله لتؤمن بأن القرآن الذي نحدثك عنه طرق أبواب الشعر جميعها حتى الهجاء والرثاء، وحديث المعارك والملاحم، وإن كنت لا تعدم –إذا أردت البحث – أن تجد ل
لذلك ملامح بارزة وصورا ظاهرة ولكننا نريد –فقط – أن نقول لك، أن القرآن أسلوبا يتميز به وخصائص من البيان، لم يشاركه فيها غيره، لأنه كتاب تشريع وهداية، وتهذيب وإصلاح، وإنتشال للبشرية من هذه الضلال الذي كانت تعانيه، والطيش الذي كانت تقاسيه، ومثل هذا الكتاب الذي يكون صاحب رسالة خاصة، وغرض يعنيه، ما كان ينتظر منه إلا أن يكون جاف المعين خشن التصوير، غليظ البيان، جامد الأدب، تحيط بالناظر فيه الملالة والسأم، إلا أنك ربما وجدته مؤرخا يعبر بك القرون فيحدثك عن آدم وقابيل وهابيل أو عن بني إسرائيل وما عانى منهم نبي الله موسى من العنت والإرهاق، أو عن قصة البقرة والمائدة التي أرادوا أن تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم، أو يحدثك عن دعوة إبراهيم أبي الأنبياء واصطدامه بأبيه، ومناقشته له، وتحطيمه للأصنام، وإلقاء النمرود له في النار، وإنقاذ الله له، وقوله سبحانه للنار (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) وغير هذا مما انطوى في لفائف الزمن، وإندثر في غبار التاريخ، يذكره ذكرا خاطفا، ويعرضه عرضا مجملا، ويقصه في روعة وجمال، مملوءا بعناصر البهجة والهشاشة، والرغبة والشغف، والظمأ إلى المزيد، والتطلع إلى الإكثار، والإعادة والتكرار.

ولئن كان أحسن ما إهتدى إليه الناس في الأسلوب (البياني) في النثر الأدبي أن يكون مرسلا من القيود، خاليا من الأغلال، بعيدا عن الصناعة، حرا مما ينقله من الإلتزامات البغيضة المستكرهة مثل أسلوب إبن المقفع في عهد بني العباس، أو المنفلوطي من كتاب عصرنا الحديث، فإن للقرآن منهجا غريبا إلى أبعد حد في أسلوبه الذي جاء به .. فأنت تظنه يلتزم الفواصل في مثل قوله (طه أنزلنا عليه القرآن لتشقى، إلا تدكرة لمن يخشى، تنزيلا من خلق الأرض والسموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وأن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا إلخ) إذ تراه يلتزم بما يسميه علماء الرسم الإملائي (بالألف اللينة) ولكن الإلتزام يشعر بإجتلاب الحرف وهذه كلها لا إجتلاب فيها، والإلتزام يصاحبه تقارب المقاطع في الجمل والحروف، وأنت قد ترى تقاربا، وقد ترى عدم تقارب، على أنك لا تلبث أن تراه بعد ذلك وقد ترك الوى إلى غيره، إذ يقول (إذهب إلى فرعون إنه طغى، قال رب إشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري، وأشركه في أمري) ثم يأخذك العجب كل العجب في الإنتقال من (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) وقوله بعد ذلك (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا) إلى آخر قصته مع فرعون والسحرة، وربما بدا لك أن تقول هنالك طفرة في الحديث، وتفككا في الإرتباط، ولكنك بعد أن تمعن في النظر تدرك المناسبة في الدعوة وإحتمال الشدائد، وإنتصار الحق، وعلو كلمة التوحيد ...
وهذا الأسلوب البياني في القرآن الكريم الذي تظنه – لأول وهلة – مثقلا بالصناعات اللفظية، ترى فيه الآيات الطويلة، مثل آية (ولكم نصف ما ترك أزواجكم التي تقدم ذكرها، ومثل آية (وأتموا الحج والعمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى، ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه، ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما تيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، واتقوا الله واعلمو أن الله شديد العقاب) ومثل آية (ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة يغشى طائفة منكم قد اهمتم أنفسكم يظنون بالله غير الحق، ظن الجاهلية، يقولون هل لنا من الأمر من شيء؟ قل ان الامر كله لله، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلناها هنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم، وليبتلي الله ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور) ومثل آية (ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم، أو بيوت آبائكم، أو بيوت أمهاتكم، أو بيوت خالاتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو صديقكم ليس عليكم أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا، فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون)
ونرى – كذلك – الآيات التي هي أقل في الطول من تلك الآيات، ثم ترى مثل آيات سورة طه – المتقدمة – أو آيات سورة مريم، أو ترى تلك المقاطع الصغيرة مثل ( والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، أن سعيكم لشتى) .. وهكذا يتنوع في طويل من الآيات وقصير منها، وفي جمل أقصر من هذه وهذه، ليستطيع طويل النفس أن يرخي العنان لنفسه أن يمتد كما يشاء له هواه وميله، وليستطيع متوسط النفس – أيضا – أن يأخذ بحظه من اللذة التي يدركها المؤمن الذي يتغنى بالقرآن، وليستطيع الطفل الذي يريد أهله أن يأخذوه بنطق المقاطع الصغيرة أن يقرأ .. وهو على كل حال تلوين من الطول والقصر في الآيات والسور والأغراض والموضوعات، ما بين شدة مزعجة، ولين هادئ تأنس به النفس، ويطمئن إليه القلب، ومع ذلك تراه يخاطب العقل بمنطق قوي، وحجة ظاهرة، ودليل واضح، مثل (قل من يرزقكم من السماء والأرض، أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ومن يدير الأمر فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) وتراه يخاطب الشعور والوجدان خطابا يستدر العطف، ويوقظ الحس، مثل قوله (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم، فليتقوا الله قولا سديدا) وهذا  النوع الأخير يفتن في عباراته، ويتألق في ألفاظه بكل أسلوب من شأنه أن يجعل في القلب ميلا، وفي الفؤاد رقة، وفي النفس إستجابة، وربما كلمة الود أو الحب، مثل (ايود احدكم أن تكون له جنة) .. (وأن يات الأحزاب دلوا أنهمبادون في الإعراب) .. (سيجعل لهم الرحمانودا) ومثل (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) .. (قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال إقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله الآية) ..
ونحن إذا رحنا نتقصى كل هذه الخصائص للأسلوب البياني في القرآن وجدنا الحديث واسعا، وميدان القول فسيحا، ونواحي الكلام متشعبة ...
غير أن الذي يسترعي الإنتباه أكثر وأكثر أنه نزل على العرب، وللشعر دولة قائمة وسلطان مرهوب، وأنه استطاع أن يقضي على تلك الدولة، وأن يقلم أظفار هذا السلطان، وأن العرب الذين كانوا يعلمون أن هذا الأثر في النفوس يشبه إلى حد ما كان يحدثه فيهم السحر والشعر رموه بكونه سحرا وشعرا ... وقد نزهه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون كذلك، وإن كانت الهزة التي تحدث بعد الإصغاء إليه، والتأمل فيه، لا تقل عما كان يتخلف عن السحر والشعر .. وهم لم يكونوا من البلاهة والجنون بهذه المثابة التي تجعلهم  يحكمون على الأشياء جزافا، ويتهمونها اعتباطا، فما هي عوارض الشعر وخصائصه التي وجدوها في ذلك الكتاب السماوي الذي حمل لواء الدعوة إليه محمد صلى الله عليه وسلم ...
إن من خصائص الشعر الموسيقي التي يساعد عليها إلى جانب الوزن – العروضي – إختيار الألفاظ وتنسيق الجمل، وتأليف الكلمات، وقد توافر هذا للآيات البينات، وتحقق ذلك كله للأسلوب القرآني بشكل يدعو إلى الإعجاب، ويحمل على الإجلال والإحترام، ومن خصائص الشعر – مع هذا – أنه يثور بالأفئدة، ويطير بالجوانح، ويتلاعب بالشعور، ويسمو بالخيال، ويهز أوثار النفس، وفي القرآن آيات كثيرة من هذا النوع الذي يحلق بالذهن، ويطير بالخاطر، ويسبح بالخيال والوهم إلى أودية من الأحلام الجميلة، كقوله (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية، وجنات من أعناب، والزيتون والرمان مشتبها وغير مشتبه إنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن في ذلك لآيات لقوم يومنون) فإنه صور متلاحمة النسيج، ومتلاحقة الشكل، ومتكاملة الحسن متناسبة الألوان، ومن ذلك الماء الفضي، المتقارب الحجم المتداني الأبعاد، إلى تلك الخضرة الضاحكة، والنضارة الباسمة، والشباب المتوثب في الزرع الغامر، والثمر الناضج، والنخل الباسق، والعنب الممتد، والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، يلهم الفنان الإتقان ويوحي إلى العبقري كل معني الإبداع .. وتدل بما أفرغ الله فيها من إجادة على كمال القدرة، وغاية الإعجاز، ولله جل جلاله المثل الأعلى، تباركت الاؤه، وعظم صنعه ...
وللشعر وراء خصائصه المعروفة ميزة أخرى مهمة إلى حد بعيد في جمال نغمته، ودوي جرسه، وحسن إيقاعه، وطلب النفس للمزيد منه، تلك هي أنه يكرر الحرف الأخير من البيت، وهو ما يسمى في إصطلاح علماء القوافي بانروي، ويقوم مقام ذلك في القرآن الحرف الأخير في آخر الآيات كالياء المشددة في سورة مريم (كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكرياء، إذ نادى ربه نداء خفيا، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وأني خفت الموالي من ورائي وكانت إمرتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) ولا تزال آيات السورة على هذا الراوي الى أن تتحلل منه عند قوله سبحانه (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي في يمترون الآيات) ثم تعود من جديد إلى هذا الحرف إلياء المشددة، (وأذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا) ثم لا يزال هكذا إلى أن يترك تلك الياء إلى الدال إبتداء من الآية (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدا) إلى نهاية السورة وكم أهلكنا قبلهم من القرون هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟) ولا يفرغ القارئ من هذه السورة حتى يدور بذهنه أنه كان يقرأ قصيدة من الشعر الحديث الذي يبتدئ الشاعر فيه يروي ثم ينتقل إلى رؤى آخر بعد مقطع – طويل أو قصير – ثم إلى الأول أو لا  يعود، وربما بدا للقارئ حين ينظر في سورة "محمد" أن يقول هذا هو الذي يسمونه بالشعر المنثور ..
والقصة وهي إحدى الجوانب الخصبة في الأدب العربي كانت بعض الخصائص البيانية في أسوب القرآن الكريم إلا أنه نهج فيها نهجا فريدا، فهو بين أن يكررها بعبارات متنوعة، وألوان مختلفة، كقصة موسى وإبراهيم وبعض الأنبياء الآخرين الذين يذكرهم في سورة الحجر وفي سورة الأنبياء وفي سورة الشعراء مقتضبة يجيئ بناحية منها دون الأخرى أو يجيئ بها متكاملة في موضوع واحد، كقصة يوسف وأهل الكهف وحديث زينب بنت جحش التي تزوجها النبي (ص) بعد مولاه زيد بن حارثة ليقضي على ما كان للعرب يزعمونه للمتبني من حقوق كالإبن من النسب سواء بسواء ..
وأيا ما كانت القصة في القرآن فإنها لم تفقد العناصر الأساسية لرسالة القرآن كمصدر للتشريع، ومثال للتهذيب، وموضع للعبرة والإتعاظ، وأسلوب من أساليب البيان له روعة البلاغة النادرة، وقيمة الأدب الخلاب، وجلالة التصوير الساحر، إلى جانب ترفعها عن الإسفاف الذي يرتكبه الكاتب القصصي من مخالفات للذوق في بعض الأحايين بحجة إثارته للوعي والإنتباه، أو التأمل والتفكير وهي لا تعدو الإفساد للغرائز، وإشاعة معاني الإبتدال والسقوط ...
وللقرآن بعد هذا الذي قدمناه من الميزات البيانية التي يلحظها في تصوير الأشياء، وإبرازه للمعاني، ومراعاته للمقتضيات – كما يقول علماء البلاغة – لفتات نفسية تحتاج وحدها إلى أن يتضافر أساتذة علم النفس للكشف عنها، وجلاء الغامض منها، وستظل الدراسات الحديثة التي تمسه ذلك المس الرقيق تظهر للناس منه أكثر مما يعرفون، وسيظل هو الجبل الشامخ والأستاذ الكبير.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here