islamaumaroc

موت الساحر (تر.كوليت حبيب)

  دعوة الحق

72 العدد

على طول الدروب المغبرة، كانت عربة مترنحة العجلات، مغطاة بقطعة من الخيش، تتقدم بعناء من قرية إلى قرية.

وكان حصان كبير، رمادي اللون، بارز الأضلاع، ندي العينين أبدا، يجر العربة وهو يشد بوهن كبير على عدته التي رقعت مرات عديدة.

إنها عربة ميخائيل جيرلاس، الساحر الغريب، الذي كانت الاعبيه تبهج الفلاحين دائما وتبعث سرورا عظيما في قلوبهم.
فهو لا يكاد يظهر في الطرقات الضيقة لقرية ما حتى ينتشر خبر قدومه مثل النار في الهشيم، فيتراكض الصبية جميعا، في وقت واحد، كي يشاهدوا -جيرلاس- "بالع السيوف" ويواكبون عربته حتى الساحة المركزية وهم لا يكفون عن الزعيق.

ويبرز ميخائيل جيرلاس من تحت خيمة العربة، إنه رجل مديد القامة، عريض المنكبين محدودب الظهر قليلا، استولت الغضون على وجهه العجوز، ويرفع قبعته في شيء من الحياء، وينحني ليحيي الأولاد من حواليه، فيردون عليه في صوت واحد وقد غمرهم الفرح: "أهلا بك يا جيرلاس" .. هيا أرنا سيوفك .. إننا نريد أن نراها، سيوفك الرائعة".. ويبتسم الرجل في لطف، وينزلق بخفة فيما بينهم، محاذرا الاصطدام بهم، ويذهب ليتناول من صندوق عربته شيئا من العلف يقدمه للحصان ويروح يلاطف عينيه الجاحظتين العمياوين.

ويأتي الناس مواكب في هذه الأثناء، إن القرية كلها تجتمع هناك، ويبدأ جيرلاس يمارس ألاعيبه السحرية أمام هذا الجمهور المتشوق إلى مثل تلك المشاهد النادرة.

إنه يبتلع، وقد تسلق كرسيا يقوم لديه مقام خشبة المسرح، كميات كبرى من الزجاج، ويسحب من أنفه أشرطة ملونة، وحلقات بيضاء، وقطعا نقدية من فئة الخمسة قروش، أو يطلق من قبعته المهترئة، بضربة من عصاه السحرية، حمامتين بيضاوين.
ويصفق له الفلاحون بكل قواهم وهم في غمرة الفرح، ويصيحون بملء أصواتهم: "مرحى يا جيرلاس عظيم... مرحى.. عاش جيرلاس..".
وينتهي المشهد دائما بالنمرة نفسها: إن جيرلاس يبتلع ثلاثة سيوف، ذلك كان حجر الزاوية في برنامجه، وكان يترك على الدوام أثرا عظيما في المشاهدين.
فهو لا يكاد يبدأ في نزع السيوف التي يتألق حدها المصقول في الشمس من حزامه، حتى يتضاعف انتباه المتفرجين، فهم يلاحقون مأخوذين كل حركة من حركاته، ويشرع جيرلاس السيوف في الهواء بادئ الأمر، فإذا هي تصطك فوق رؤوسهم، ومن ثم فإنه يبتلعها، وحين يصبح السيف الثالث داخل فمه المفتوح حتى درجة فائقة، فإنه ينحني إلى الخلف قليلا، ويفتح ذراعيه، مثيرا في الأذهان صورة صليب مائل، على وشك السقوط أرضا في كل لحظة، ويظل بضع دقائق على هذا الغرار، مصلوبا في الهواء جامدا لا حراك فيه.
ويلقي الفلاحون في ختام المشهد بضع قطع من النقود الصغيرة في قبعته السحرية - كل ما تجود به نفسه...

فيما مضى، كانت حياة جيرلاس مختلفة كل الاختلاف، فقبل زمن غير بعيد - حوالي أحد عشر عاما على أكثر تعديل - كان في مقدوره أن ينافس أشهر المشعوذين في العالم، وكان أصحاب المسارح ومدراء أشهر سيركات العالم وأنديته الليلية يقدمون إليه عروضا خيالية، وكانت إعلانات هائلة تحمل صورته المكبرة بصورة تفوق الصحف تغطي جدران المدن الكبرى، ولم يكن هذا الفنان المدلل، البوهيمي المزاج، يفكر في الشيخوخة قط، بيد أن السنوات تتابعت، منتزعة منه الشباب والصحة، وذات يوم وجد جيرلاس نفسه وحيدا، عجوزا، مفلسا، ولم تعد أشرطته وحمامته تدهش كائنا من كان، وأصبحت سيوفه الثلاثة التي يغرسها في جسده حتى المقبض تثير النفور والاشمئزاز في الجمهور الأجنبي الرفيع الذوق، وهكذا عاد أدراجه إلى بلاده.

واستقبلته الضواحي والقرى بحماسة فائقة، فعاش مرة أخرى أيام مجده المنصرم، لكنه كان مجدا سهلا هذه المرة، ولم يكن يعود عليه بالربح الوفير، كان يقيم مشاهده في الهواء الطلق، دون إعلانات، إلى جانب حصانه العجوز وعربته المحطمة، وكان يفعل ذلك كله لقاء قوت يومه.

ولقد توفق قبل بضعة أيام في إحدى القرى، كانت تلك المرة الأولى التي يقصد فيها هذه القرية، فأسرع الفلاحون لمشاهدته بجموع غفيرة، لقد بلغتهم الأعاجيب عنه، ولذا فقد ذهب الجميع يقصدون مشهده وبدأ جيرلاس ألاعيبه وقد تسلق كرسيه وسيطر من فوقه على الجمهور، لقد أبدع فعلا، وكان يشعر هو نفسه أنه لم ير قط في حياته المسرحية كلها مثل هذا الحماس الرائع، وخاصة بعد أن بدأ يتجول بين القرى والضواحي، لقد ذكره هذا الحماس المنقطع النظير بتلك اللحظات من المجد التي عاشها في سيركات الغرب الكبرى أيام كانت العروض تنهال عليه بسخاء خيالي، وما أسرع ما غاب عن باله كل شيء باستثناء الألاعيب التي يقدمها.

وكان جمهور الفلاحين يصفق له دون انقطاع ويحييه بحرارة: مرحى يا جيرلاس .. مرحى يا جيرلاس وتجاوزت الحماسة كل حد حين لوح الساحر بحرابه الثلاث في نور الشمس، وهي تختفي الواحدة تلو الأخرى في جوفه.
وتضاعف التصفيق.
وتردد صوت أبح فوق رؤوس المتفرجين وأصواتهم يهتف:
- هذا كله احتيال إن هذا الرجل مشعوذ دجال، إن سيوفه مغشوشة، فليبتلع حربتي إذا كان يريدنا أن نصدقه.
- وقال صوت آخر:
- نعم هذا صحيح .. فليبتلع حربة الرئيس .. أفلا ترون أنه يسلبنا أموالنا، إنه يسخر منا.
- وشرع الفلاحون الذين كانوا يعدون بالمئات، وقد تأثروا على حين غرة، يزعقون بكل قواهم، وشق رئيس المخفر طريقه بين الجمهور، متحديا، وتوقف أمام جيرلاس الذي كان ينتصب بعد على قدميه فوق كرسيه، وقال:
- أجل يا ميخائيل جيرلاس، إذا أردتنا أن نصدق ألاعيبك، فابتلع حربتي إذن وليس خيوطك الحديدية، ما أكثر ما شاهدت لصوصا من أمثالك في أسواقنا، كانوا يأخذون نقودنا لقاء لا شيء، ومن ثم حذار، فأنا أمثل السلطة هنا، ولن أسمح لك أن تغش أهل قريتنا.
وترددت الأصوات تقول:
- هذا صحيح، إن جيرلاس يخدعنا، أفلا تخجل إذن؟ يا لك من لص محتال...
وشرع الجمهور المتوعد يزعق، مضيقا الحلقة حول جيرلاس، وجال الساحر، مذهولا، بأنظاره فوق، لماذا يصفرون له هكذا؟ أيكون في وسع هذا الرقيب في الشرطة أن يفعل مثله؟ من المؤكد أن لا، وفكر في أن يعرض عليهم ذلك، أن يقدم حرابه إليهم كي يلمسوها بأصابعهم، وإذا تمكن أحدهم أن يبتلعها، فلسوف يعترف بهزيمته إذن.
ورفع حصانه الرمادي أذنيه، وهو يقف إلى جواره، إنه لا يفهم شيئا هو آخر.
ويرفع الساحر أخيرا ذراعه، ممسكا في قبضته بالحراب الثلاث، ويقول للجمهور:
- إليكم حرابي، خذوها وافحصوها، إنها عندي منذ أربعين سنة، وأنا لم أخدع قط، إني رجل شريف ويمد حرابه إلى الجمهور، لكن أحدا لا يصغي إليه، كما أن أحدا لا يلمس الحراب التي يمدها عبثا فوق الرؤوس.
وعاد الرقيب يقول:
- إني أسخر من حرابك، ابتلع حربتي إذا كنت تريدنا أن نصدقك.
وينفجر الجمهور من جديد:
- هذا حق ابتلع إذن حربة الرئيس، إنك تغشنا وتسرق نقودنا.
ويرى الساحر الدمار يحيق بوجوده والخطر يحل بشهرته، فيربط بحزامه شاحب المحيا، حرابه الثلاث التي استخدمها حتى ذلك الحين كي يدهش الجماهير ويتناول بيد راعشة حربة الشرطي، إنها لا تتألق تحت أشعة الشمس، فهي مغطاة بالشحم، ويسحبها جيرلاس على كم سترته كي ينظفها.
ويبتسم الشرطي متشككا، في حين كان الجمهور ينتظر، مرتابا هو الآخر.
ويبدو الساحر كمن يترنح لبرهة على كرسيه، لقد أخذ الحربة بين إبهامه وسبابته وراح يدفعها في فمه، ولا يبتلعها حتى منتصفها حتى يسحبها من جديد بسرعة فائقة، ويجففها مرة أخرى على كم سترته ويدفعها من جديد في جوفه، وتمر كلها هذه المرة، فلا يشاهد الجمهور المتفرج منها سوى قبضتها والشحم الأصفر المتراجع على ذقن الساحر، ويباعد جيرلاس ما بين ذراعيه ويشكل الصليب المائل، إنه يرتجف مثل عصفور جريح يريد أن يحلق في الفضاء.
ويصفق الناس بصورة محمومة، إنهم يزمجرون وقد اجتاحتهم حماسة فائقة: مرحى يا جيرلاس عاش جيرلاس.
ويطبق جيرلاس على قبضة الحربة بحركة يائسة ويسحبها، لكن موجة من الدم تتدفق من فمه مع الحربة في وقت واحد.
ويريد أن يتكلم... لكنه يترنح برهة يتهاوى بعدها إلى الأرض، على جانب حربة الشرطي، قرب المسرح الممدود الذي هو كرسيه ...
       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here