islamaumaroc

مع ابن الفارض في غزله -2-

  دعوة الحق

72 العدد


... الحقيقة أن ابن الفارض لم يكن يريد الإفصاح عن آيات إلهامه وأحوال نفسه، أو بالأحرى لم يكن ليستطيع – بعبارة أو بإشارة – أن يمحو أوهام حدس الحسن عند عامة الناس: ذلك لأن: "العبارة عن المواجد – كما يقول ابن خلدون – صعبة لفقدان الوضع لها *" فلم تكن ثمة بد من أن يقوم الرمز القائم على الوسائل الجمالية المعروفة. ولما كان الوضع مفقودا وليس هناك من لغة للتعبير عن الحب اللاهي، فلا بأس من أن يقتبس لغته من لغات الحب المعروفة، ويحيلها ألفاظا وجدانية روحية، بعد أن ينزع عنها معانيها الحسية عن طريق "المجاز" و "تحويل الوضع اللغوي" و "الإشارة".
كذلك اصطنع ابن الفارض هذه الطريقة للتعبير عن مواجده وأوجد لغة للحب اللاهي، هي – إن شئت- أحاديث عشق وصبابة وغرام، وهي –إن شئت- أناشيد وشوق وهيام في تمجيد الذات العلية والحقيقة اللاهية.

ومن هذا الازدواج الذي اصطنعه الرجل وسيطر على تعبيره نشأ ذلك الغموض الهائل الذي تصادفه في مجازه وإشاراته، غموض ربما كان هذا الازدواج التعبيري من أسبابه، ولم يكن سببه الوحيد دائما. إذ ربما كان ذلك الغموض مقصودا لذاته ومتعمدا من قبل ابن الفارض تعمدا ... إذ الغموض بعد هذا وذاك من ضرورات التعبير الرمزي عل كل حال:

فقد يعمد ابن الفارض إلى الغموض تصيدا لمعنى دقيق كأن يقول:
يقولون لي: صفها، فأنت بوصفها         خبير، أجل؛ عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء، ولطف ولا هـوا         ونور ولا نار، وروح ولا جـسم

أو سعيا وراء البديع:
يا لائمي في حب من أجــله               قد جد بي وجدي وعز عزائي
هلا نهاك نهاك عن لوم أمرئ               لم يلف غير منعم بشقاء
لو تدر فيم عذلتني لعذرتنـي               خفض عليك، وخلني وبلائي

وقد يختار أوزانه وقوافيه من نوع خاص صعب راقص، لشغلنا بأوزانها، قوافيها الصعبة الراقصة عما تحتها من إشارات ورموز:
عجبا في الحرب ادعى باسلا      ولها مستبسلا في الحب كي
هل سمعتم أو رأيتم أســدا       صاده لحظ مــهاة أو ظبي
سهم شهم القوم أشوى وشوى     سهم ألحاظكم أحشائي شــئ
أوعدوني أو عدوني وامطلوا     حكم دين الحب: دين الحب لي

هذه طريقة ابن الفارض في غالب رمزه، يمزج في إشارته ومجازاته بين حبين مزجا يجعلنا في حيرة من أمرنا فلا نعرف اهو يتحدث عن الحقيقة أم يجسم الخيال.


بين الحقيقة والخيال:

يعرف ابن خلدون في مقدمته المتصوفة بأنهم "أهل غيبة الحس". وما من شك عندما في ان ابن الفارض رأس من رؤوس المتصوفين فهو الآخر صاحب "غيبة الحس" وهو في غيبته هذه يتحدث أذناه، ورأتها عيناه، ووعاها قلبه، واستشربها روحه، رائيا في تلك الحقائق سعادة أبدية، فيفتتن بتلك السعادة ويشغل عنها بها ... ثم يفيق من سكرته وشهوده على عالم الحس والواقع فيختلط عالم الحس بعالم ما وراء الحس الذي كان فيه ... ثم ينفث من شعره أبياتا عبقرية مسحورة هي تراتيل سعادته وتسابيح عالم حقيقته هو لا عالم حقيقتنا نحن.

ومع ذلك فإننا نجد أبياته روح شاعر دقيق، وذوق إنسان يحاول أن يقرب إلينا في صور شعرية رائعة ما يشاهده وما يرى، فيسمو بخيالنا إلى عالم حقيقته سموا يخدم الأدب والفن خدمة رفيعة بالصور الرائعة التي يوفق إليها والتعابير الشعرية التي تجود بها قريحته، ذلك لأن ابن الفارض كما يقول الدكتور زكي مبارك – رحمه الله - : "أوتي القدرة على الجمع بين حقيقة المشاهدة وخيال الصورة المحسوسة".

وهكذا تتزاحم صور الشاعر حول عالمين الحس وعالم الروح ويمضي في غزله محاولا التوفيق بين مفارقات هذين العالمين المتقاربين والمتباعدين في آن واحد.

حب وخمر:
كان صاحبنا يتحدث عن أحوال نفسه ومواجده في غزل رقيق من عزل العذريين وفي دقيق للخمرة كأحسن ما وصفت الخمرة منذ عهد أبي نواس؛ وهو في هذا وذاك مثال الشاعر الرامز إلى مواجد عشقه للذات العلية.

إن الغزل العذري، ووصف الخمرة هما سبيلان آخران من سبل الرمز عند ابن الفارض، حتى أنه ليمكن لقائل أن يقول: إن ديوان الرجل يقسم قسمين متميزين: أحدهما في الغزل والثاني في الخمر يمزج بينهما في قصائد من ديوانه أو أبيات من قصائده؛ الأمر الذي سمح لنا أن نقرر أن ديوان الشاعر كله غزل متصوف يقوم على رمزين: رمز غزلي، ورمز خمري.

ولعل هذا ما نفهمه من مطالع قصائد الشاعر المختلفة حين يمزج بين الحب والخمر في غزل رائع يؤكد لنا أنه لا هذا ولا ذاك يريد:
سقتني حميا الحب راحة مقلتي    وكأسي محيا من الحسن جلت

وواضح من هذا القلب اللفظي الذي اصطنعه الشاعر بين لفظتي حميا ومحيا ومن الإضافة إلى الإسم الموصول في قوله .. محيا من عن الحسن جلت، ثم اختيار كلمتي حميا ومحيا اسمين مقصورين لإخفاء حركة الإعراب عليهما الموضحة للمعنى المقصود ...
أقول واضح من هذا كله أن الشاعر لا يريد الحديث عن حب ولا عن خمر، وإنما يريد أن يرمز ويشير إلى معاينة في التصوف: فيستعمل تلك الوسائل المختلفة لينشر على تركيب البيت كله سحابة غموض عجيب مثير، غموض يخف لتظننا أمام أحد الشعراء المتيمين العاديين لولا أنها تنسب إليه:

قلبي يحدثني بأنك متلفي    روحي فداك عرفت أم لم تعرف

ولكن الذي لمس روح الشاعر في ديوانه لا يخفى عليه قصده بحال من الأحوال:
أدر ذكرى من أهوى ولو بملام  فإن أحاديث الحبيب مدامي على أن إصرار الرجل على ذكر المدامة في غيرها ما قصيدة من قصائده جعله موضع تهمة بأنه ذاق الكأس المحرمة خمرة صرفا فكانت كأسه الأولى سبيله إلى الكأس الثانية روحية صرفا ...

يقول ابن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة      سكرنا بها من قبل ان يخلق الكرم

فواضح من قوله هذا ان خمرته قديمة أنها رمز لا حقيقة.
وتتدفق الأبيات بعد ذلك واصفة هذه الخمرة القديمة بأنه لا إثم على أهل الحي في شربها، وإنما الإثم الحق في مجانبتها:
فإن ذكرت في الحي أصبح أهله    نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم ثم تتدافع معاني حسن هذه الخمرة في ذهن الشاعر تدافعا، فإن، فإذا هو يصفها لنا وصفا دقيقا لا يبقى لنا معه شك في ان خمرة الشاعر جمال الحقيقة اللاهية، حتى أن ألفاظها ومعانيها وإشاراتها لتكشف عن نفسها بنفسها، مدللة على أن الشاعر هاهنا قد اتخذ الرمز سبيلا له في كل شيء: في التعبير وفي الفكر وفي الإشارات ... ولو كان المجال يسمح لنا بتأمل روعة معاني هذه القصيدة ودقة أوصافها وتدفق الخيال فيها وخصب مادتها لما تأخرنا في عرضها كلها على القارئ الكريم:

وقالوا: شربت الإثم كلا، وإنما      شربت التي في تركها عندي الإثم
هنيئا لأهل الدير كم سكروا بها      وما شربوا منها ولكنهم همـــــــوا
وعندي منها نشوة، قبل نشأتــي     معي أبدا تبقى وإن بلي العــــــظم

واكتفي هاهنا مع القارئ بترديد هذا الأبيات المتناهية في الصفاء والجودة ونفاد المعاني. وأترك له أن يتأمل وحده هذا التصور العلوي الجديد الرائع للكون والخلود الروحي الذي تعالى عن كل زمان فلا قبل فيه ولا بعد وإنما هو كينونة واستمرار وهناء:

فما سكنت والهم بموضـــــــــــع        كذلك لم يسكن مع النغم الغـــــــــم
وفي سكرة منها ولو عمر ساعة         ترى الدهر عبدا طائعا ولك الحكم

وذوو الحساسية الموسيقية من أهل الفن والمواجد أقدر منا – فيما أرى – على تذوق هذين البيتين.
ان الشفافية هذه القصيدة تجاوزت حدود البلاد العربية الإقليمية إلى آفاق دولية وإنسانية فأعجبت بها طائفة من المستشرقين وعدوها من أهم آثار ابن الفارض ومن رائع الشاعر العربي على الإطلاق ...
الغزل الفارضي في الأدب العربي:

ذلك ابن الفارض شاعرا من شعراء المواجد النفسية، جعل ديوانه أنشودة النفس الإنسانية النفسية، جعل المؤمنة، ونجوى العاقشين في دنيا الغزل الحب ... فنالت قصائده – على قلتها – شهرة وذيوعا في أوساط عامة الشعب في عصره، ولم تعدم هذه الشهرة ولا ذلك الذيوع الشعبي في عصرنا الحاضر، واستطاعت ان تجد لها متابعين ومقلدين من شعراء الحب والخمرة حسيين وروحيين كاذبين أو صادقين؛ فكان من ذلك كله مدرسة ظهرت في عصور ما بعد ابن الفارض تابعت طريقته على ضعف، ودعيت بمدرسة شعراء المدائح النبوية في الأدب العربي
ولم يكلف شاعرنا نفسه عناء شرح الغامض من شعره ولا تحليل الرموز أو فك الإشارات والكنايات التي كانت تتردد في شعره وإنما ترك لنا قصائده، والمفسرون لها والمدافعون عنها، والمنتقدون لها الذين يهاجمونها برفق أو بعنف بحق أو بغير حق.

كذلك نشأ ما نستطيع تسميته "بأدب ابن الفارض" مؤلفات ضخمة في التصوف وآداب التصوف وأشعارا تأثرت بصاحبنا فيما ملأ به شعره من ألفاظ الحب والجمال ..
كانت أشعار الرجل بحق رمزا صريحا إلى أحوال معينة أو تعبيرا عن شوق شديد إلى الأماكن المقدسة فكان الشعراء الآخرون المتابعون له يجدون فيه الرائد الأول لشعراء الشوق اللاهي، وكان ديوانه معرضا للألفاظ الموحية بمعاني القدسية والطهر والمحبة والشوق إلى لقاء الأحباب. إن الألفاظ والكلمات التي تتردد في ديوان ابن الفارض تحمل شحنة عاطفية دافئة جليلة تسري في نفوس سامعها وقلوبهم .. وحتى عقولهم أحيانا .. فتشيع فيهم معاني سامية وتنقلهم إلى جو فكري وروحي مفعم بالقدسية والجلال.

كان غزل ابن الفارض كله تصوفا يسمو بالمعاني الحسية التي تقع له إلى معاني قدسية، يسكب عليها من روحه ونفسه وفكره مسحة جمالية تكسبها رواء وجده وجلالا لا يكاد ينتهي.

ومن هنا كنت تجد عنده المعنى وقد سبق إليه الشعراء قبله، في ثوب متصوف جديد يكاد لجماله – يوهمك- انه لشاعر عاطفي حسي لولا تلك النفحة الروحية الداخلية التي تشيع في البيت الواحد من أبيات قصائده، وفي جميع قصائده.

كذلك امتاز غزل ابن الفارض بإتكائه على معاني الأقدمين واصطناع طريقتهم في غزله المتصوف إذا هم تغزلوا على طريقة العذريين أو نسبوا على طريقة المقلدين أو وصفوا – عوضا عن ذلك كله – الخمرة، فعل المجددين من المحدثين. بهذا نعلل وجود الحوار في غزل ابن الفارض المتصوف، فهو يأتي به في نفس طويل، ويأخذ فيه بتؤددة وتأن ووعي على طريقة ابن أبي ربيعة في قصصه الغزلي وحواره المثير:

لست أنسى بالثنايا قـــــولهــــــــا          كل من في الحي أسرى في يـدي
قلت: روحي: ان ترى بسطك في          قبضـها، عشت؛ فرأيي ان تــري
أي تعذيب ســــوى البعد لنــــــــا          منك عذب، حبدا مـــا بعــــــد أي
مــــا رأت مثلك عيني حسنـــــــا          وكثلي بـــــك صبا لم تـــــــــرى

وبطول الحوار وكأنه ابن أبي ربيع يلهو ويعبث، بأنا أشواقه وهواه لمن يحب من بنات بني أمية في أراضي الحجاز، ولكنه ابن الفارض قد اصطنع في قصيدته (الخمرية( روح أبي نواس وأسلوبه وكما اصطنع – في هذه الأبيات – نفس أبي الطيب المتنبي الذي كان ابن الفارض – على حد زعم الدكتور شوقي ضيف – يعتبره من المتصوفين:2
غرامي أقم، صبري انصرم، دمعي انسجم      عدوي احتكم، دهري انتقم، حاسدي اشمت
ويا جلدي بعد النقــــا، لست مسعدي      ويا كبدي عز اللقـــــــاء، فتفتتــــي
تـيقنت أن لا دار من بعـــــد طيبــــة      تطيب وان لا عـــــــز بعد عـــــزة
سلام علـــــى تلك المعاهد من فتــى      على حـــــفظ عهد العامرية ما فتي

بل نجده يكلف في بائيته المشهورة باصطناع صيغة التصغير كفعل أبي الطيب، فيبثها في سائر أجزاء القصيدة حتى أنه ليصغر في البيت الواحد مرتين، وحتى لنستطيع ان نعد التصغير ظاهرة عامة متفشية في سائر شعره:

يا أهيل الود انى تنكرو       ني كهلا، بعد عرفاني فتى

وفي هذه الأمثلة من اتكاء ابن الفارض على معاني العذريين وغير العذريين من شعراء الغزل في الأدب العربي، واصطناعه لطريقتهم نجد عنده المبالغة في استعمال أنواع البيان والمحسنات البديعية من مقابلات وطباق وجناس، حتى ليعد من أوائل المسرفين في ذلك ولقد أشرنا في غير هذا المكان إلى أن تكلفه البديع كان من لوازم طريقته في الرمز إلى معانيه الوجدانية ليؤمن بذلك ميزة أخرى من ميزات غزله المتصوف وهي الغموض.

وامتاز غزل ابن الفارض بذيوع نغمة الحنين والشوق إلى الأماكن المقدسة التي عاش فيها قسما مهما من حياته بل عاش حياته كلها مشتاقا غليها. وعن هذه النغمة الوجدانية المتواترة انبثقت ميزتان أخريان هما التكرار معاني وألفاظا والعذوبة روحا وموضوعا. ذلك كله وغيره معه ظاهر فيما يلي من أبيات:

يا ساكني البطحاء هل من عــــودة       أحيا بها يـا ساكني البطـحــــــــاء
أن ينقضي صبري، فليس بمنقـض       وجدي القديـم بكم ولا برحائـــــي
ولئن جفا الوسمي ما حل تـربكـــم       فمدامعي   تربى علـى الأنـــــواء
واحسرتي ضاع الزمان ولـم أفـــز      منكم أهيل مودتي بلقـــــــــــــــاء
ومتى يؤمل راحة مــن عمـــــــره       يومان يوم قلبي ويـــوم لقــــــــاء
وحياتكم يا أهل مكة وهي لـــــــي       قسم، لقــد كلفت بكم أحشائـــــــي
حبيكم في الناس أضحى مذهبــــي       وهواكم ديني، وعقــد ولائـــــــي
يا لائمي في حب من من أجلــــــه       قد جد بي وجدي وعز عزائـــــي
هلا نهاك نهاك عن لوم امـــــــرئ       لم يفت غير منعـــم بشقـــــــــــاء
لو تدر فيم عذلتني لعذرتنــــــــــي       خفض عليك وخلني بلائــــــــــي

في هذا القسم المختار من همزية الشاعر نجد أهم  ميزات غزل ابن الفارض وفنه، وقد بلغ فيهما الذروة إذ تم له التوفيق في البديع المبثوث في ثنايا الأبيات، فلا تكاد تحس بوجوده لغلبة الصدق العاطفي على روح النص، هذا الصدق الذي جعل الأبيات تفيض منها الحرارة والدفء، وتشيع فيها الرقة والعذوبة، كما تم فيها التوفيق في تكرار بعض الكلمات، وفي تصغير أخرى، وبدت له إلى جانب هذا كله ميزتان أخريان هما ظاهرتان بينتان في غزله: أولاهما: قسمه هذه المرة بحياة أهل مكة ومن عادته في غير هذه القصيدة أن يقسم بحق طيب رضى الحبيب وبحرمة الوصل والود العتيق، وثانيهما: إهماله للنحو في قوله: ان ينقضي صبري وكان عليه ان يقول: ان ينقض صبري ... وقوله: حبيكم وكان حقه أن يقول حبي لكم وقوله: لو تدر وكان عليه أن يقول: لو تدري ... وهي ظاهرة أخرى في شعر الرجل متفشية قد نتولاها بالتعليل فيما يلي من قول.
عناصر الإبداع والجدة في غزل ابن الفارض:
لقد توفرت لابن الفارض عناصر هامة من الإبداع والتجديد، ذلك أن مجرد أفكار المتصوفين وتعابيرهم كانت إلى ما قبل أيام ابن الفارض – زمان المتنبي – تحتدي محاولة من الشعراء للإتيان في شعرهم بشئ جديد (13) أما صاحبنا فلم يكن مقلدا للمتصوفين وإنما كان في حد ذاته شاعرا متصوفا وقف حياته على التصوف وقول الشعر غزلا فيه ... ومن هنا كان ابن الفارض يؤمن برسالة الحب في التصوف فوهب حياته وشعره كله لها و"التعبير عن التجربة الشخصية والإيمان برسالة ما في الحياة، من أقوى الدعامات الدافعة إلى التجديد" كما يقول أحد الأدباء المعاصرين4.
وإذا فالعنصر الأول من عناصر الجدة والإبداع عند ابن الفارض هو الإلتزام مادة وموضوعا: فأما مادة موضوعه، فكانت غزلا صرفا أو غزلا وخمرا صرفا لا يكاد عنهما يحيد؛ وأما الموضوع فكان حب الذات العلية والشوق إليها والحنين إلى الأماكن المقدسة، فجاء ديوانه على اختلاف أوزان قصائده وقوافيه أنشودة في الحب الأزلي وملحمة في الحب اللاهي، بل أنا لنجد إحدى قصائده التي التزم فيها وزنا واحدا وقافية واحدة قد بلغت ما يقرب من نصف ديوانه وهي قصيدته "التائية الكبرى" البالغة سبعمائة بيت وتزيد5.
وهناك عنصر آخر هام من عناصر الإبداع والجدة عند ابن الفارض أسهبنا في الحديث عنه في غير هذا المكان ولا بد لنا من الإشارة غليه ها هنا مرة أخرى كعنصر من عناصر الإبداع والجدة عند الشاعر هو عنصر الرمز الذي ابتدعه ابن الفارض وأجاد فيه، مما يسمح لنا أن نقرر أن شاعرنا كان شاعرا رامزا كأحسن ما عرف الشعر الرمزي مذهبا وطريقة في التعبير عن الأحوال النفسية والتجارب الذاتية. والمتتبع للرمز عند ابن الفارض يجده غير مخالف فيه للشعراء الغربيين الرامزين إلا في نجاح شعره الرمزي وذيوعه بين طبقات المثقفين والشعبيين على السواء وسريانه في حلقاتهم أناشيد تغنى وأشعارا تلحن.
ويمكننا كذلك أن نلاحظ ميل ابن الفارض إلى الخروج عن قواعد اللغة النحوية والصرفية طلبا للرمز وللبديع وما يلحقهما من عذوبة حينا وغموض حينا آخر وموسيقى أحيانا أخرى؛ هذه الملاحظة تجعله قريبا جدا من الشعراء الرامزين الذين دعوا إلى حرية البيت الواحد6 في القصيدة والتحلل من بعض قواعد اللغة؛ وان نظرة عابرة على الديوان ترينا أن شاعرنا قد مد المقصور وقصر الممدود، ومنع المصروف وصرف الممزع بكثرة إلى آخر ما عنده من تجاز لقواعد اللغة وحدودها مما يتيح لنا أن نحكم على ابن الفارض بأنه كان شاعرا رامزا بما في كلمة الرمز من معنى ومفهوم ... ولو زحزح ابن الفارض عن عصره قليلا إلى ما قبل مائتي عام  لوجد من شعراء العرب في الشرق وفي الغرب (الأندلس) خير المتابعين لمذهبه في الرمز الذي مثله المتصوف خير تمثيل.

لقد غلب هذان العنصران – عنصر الرمز والالتزام – على شعر ابن الفارض، ولقد ظهرت في شعره عناصر أخرى عرضنا لها في أمكنة متفرقة من هذا الحديث ولم نحب أن نعيد الكلام عليها هاهنا مرة أخرى لأنها لا تعدو أن تكون متصلة من قريب أو بعيد بهذين العنصرين الهامين من عناصر الإبداع عند الرجل من جهة، ولا تشكل وحدها عنصرا بارزا عاما في شعره من جهة أخرى، وإنما تظهر في هذه القصيدة لتختفي في تلك وتبدو في هذا البيت ثم لا تبين في ذاك .. هذه العناصر يمكن أن نسميها أو نعتبرها عناصر جانبية في شعر ابن الفارض وهي على قدر كبير من الأهمية حتى لتصلح أن تكون موضوعا مستقلا لا يتصل بغزل ابن الفارض كبير اتصال ويكون البحث فيه من الجدة والطرافة بمكان؛ نذكر من هذه العناصر ما تمكن دعوته بالموسيقى الداخلية الوجدانية المنبعثة من قصائد الشاعر والتصوير الدقيق الذي يجمع بين "حقيقة المشاهدة وخيال الصورة المحسوسة"7 والصدق العاطفي والفني الذي يكسب صنعته وبيانه وبديعه مسحة من رواء الطبع وعذوبة الأسلوب وأخيرا قوة الروح والعاطفة التي ترتفع بغزله المتصوف إلى مستوى الملاحم الحماسية الخالدة ...
ذلك ابن الفارض شاعرا متصوفا ذاتيا، عاش حياته يستوحي من الحب أناشيد روحية صافية، ويخلد مواجده وأحوال نفسه أشعارا غزلية رائعة هي كما رأينا تراث أدبي رمزي قائم بذاته فيه فائدة وروعة وجدة وإبداع، يمكن أن يدرس من وجهة النظر الأدبية الإسلامية الصرف دراسة موضوعية عميقة تكشف عن مدى ما فيه من طرافة وأصالة وفن وبيان.

 

1  للأستاذ المرحوم الدكتور زكي مبارك بعنوان "المدائح النبوية في الأدب العربي". وقد كان هذا الكتاب قسما من رسالته عن "التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق" التي اعتمدناها في هذا البحث. وكان من رأي لجنة الدكتوراه فصل ذلك القسم عن الرسالة. هذا وقد تأثر شعراء المدائح النبوية – منذ البوصيري حتى أحمد شوقي – بابن الفارض في ابتداءاتهم الغزلية عندما يريدون مدح الجناب النبوي عليه الصلاة والسلام.
2 الفن ومذاهبه في الشعر العربي ص 232 الدكتور شوقي ضيف.
3 الفن ومذاهبه في الشعر العربي ص 330 شوقي ضيف
4 محمود رزق سليم، العدد السابع والعشرون من سلسلة نوابغ الفكر العربي.
5 هذه القصيدة موجودة في ديوانه بين الصفحتين 24 و73 علما بأن مجموع صفحات الديوان لم تتجاوز 128 صفحة.
6 الموسوعة الفرنسية الكبرى ص 752 الجزء 30.
7 التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق – ص 290.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here