islamaumaroc

حنين المشرقي إلى المغرب

  دعوة الحق

69 العدد

قد يكون من أبرز ألوان الحنين الوطني لدى ابن المشرق العربي حنينه إلى المغرب العربي، فهو حنين، على عفويته، جارف وصادق ونابع من أعماق النفس.. وقد يكون المرحوم أمين الريحاني من أبرز المشارقة الذين عبروا عن هذا الحنين العربي الخالص، إذ أن أمين الريحاني - هذا الرحالة العربي العظيم - يقول في مقدمة كتابه الذي وصف فيه رحلته إلى منطقة الريف من المغرب الأقصى:
(كانت رغبتي بزيارة المغرب شديدة وحادة، فنفذت إلى أقصى نواحي النفس، وصارت تحن كقلب العاشق إلى ذلك البلد العربي الذي دعاه أجدادنا بالمغرب الأقصى).
ويقول في مكان آخر من الكتاب ذاته: (المغرب الأقصى.. ما كان أشد الحنين إليه!).
على أنه كان لدى أمين الريحاني دافع آخر لزيارة المغرب، هو غير هذا الحنين العفوي الطبيعي الذي يجرف الإنسان دون أن يستطيع هذا الإنسان إخضاعه لتحليل المنطق أو العقل أو المنفعة، ذلك الدافع هو إيمان الريحاني بضرورة تعارف أبناء العروبة في سبيل تقاربهم: هو دافع عقلي واضح نابع من اعتقاد الريحاني بأن (التنافر بين البلدان العربية مصدره الجهل والتباعد، ولا يزيل هذا التنافر سوى التقارب، فالتفاهم فالحب فسلسلة من الكتب تعنى بأحوالها كلها وتعرض لجميع مناحي الخير والضعف فيها، تكون خير سفير لتعاطف هذه الأقطار وتقاربها).
على أن الأيام تسخو على الريحاني بأن يطفئ بعضا من لهيب حنينه، وذلك عند ما أتيح له في عام 1939 أن يزور جزءا يسيرا من المغرب، وما كان يدعى بمنطقة الريف المرتبطة بالحكم الاسباني يوم ذاك. وليتها سخت عليه بأن يزور المغرب كله، إذن لسعدنا، نحن العاجزين عن ذلك الحج الضروري، بالتعرف - عن طريق ذلك الأديب العربي العظيم - على جزء غال وهام وحبيب من وطننا العربي الكبير المهم... في (سبتة) يلقي ابن المشرق اللبناني هذا أول مغربي عربي بالبرنص والعمامة: (وهو يمشي والسبحة في يده مشية الأمراء أو المتعبدين، بخطوات الرفق والسكينة، فحييته أنا المسيحي فرد التحية بأحسن منها، وحدثناه فما استنكف ولا أقصر، فعلمنا أنه شريف من الشرفاء العلويين، وأنه مستخدم في الحكومة المخزنية أي الخليفية أي العربية المغربية... هذا الشريف الدركي كان يسبح ساعة الغروب بسبحة وقعت من نفسي موقع الإعجاب والطمع فمددت إليها يدي فقدمها لي فقلت: أحب أن أحتفظ بها ذكرى منكم لأنكم أول من شاهدت في أرض المغرب من أهل المغرب فقال: هي لكم.
ثم ودعنا الشريف وانصرف، أما مرافقي الاسباني فقد أخذته الدهشة وصار يسائل نفسه: كيف هذا! كيف هذا!!..كرم عجيب، تساهل عجيب!!.. ثم سألني: كيف أعطاك الشريف سبحة وقد علم أنك نصراني؟ فقلت أخاطبه: إن للعرب في كل مكان لغة يتفاهمون بها ويتآخون).
ويؤكد الريحاني في تضاعيف كتابه هذا أن عرب المغرب إنما يدمجون العروبة بالإسلام في كفاحهم ضد المستعمر الأجنبي الفرنسي أو الاسباني - المسيحي على كل حال - ولكنهم ينظرون إلى المسيحي العربي نظرة مغايرة تماما، فهو عندهم عربي قبل كل شيء: هو أخ في القومية والقضية الواحدة.
واليوم، وبعد أكثر من عشرين عاما على تاريخ حادثة (سبحة سبتة) هذه، فإن الإنسان إذا ما زار بيت أمين الريحاني في بلدة الفريكة في لبنان - وقد تحول إلى شبه متحف صغير - فإنه يجد السبحة هاجعة أمام صورة والد الريحاني، وسيقرأ في الكتاب التحية التالية: (فيا أيها الأخ المغربي إن لبنان يسلم عليك، ويا أيها الأخ العلوي إن للأنفس التقية التائقة إلى العلا مذهبا واحدا قوامه مكارم الأخلاق).
إلى هنا ثم أطوي الحديث عن كتاب رحلة أمين الريحاني إلى المغرب العربي، أطويه لثلاثة أسباب: أولها لا يتحدث عن غير منطقة الريف كما ذكرت، وثانيها أن في الكتاب شيئا من التحيز للحكومة الاسبانية، وإغفال مستغرب لثورات وطنية نظيفة ونضال شعبي باسل قام بها إخواننا في المغرب، ثم جاء الاستقلال تتوجيها لها.. وثالثها أنني ما أنشأت هذا المقال لأعرض تلخيصا لكتاب الريحاني، على الرغم من قيمته وفائدته وجلال قدر مؤلفه العظيم، وإنما أنشأت هذا المقال لأثبت فيه كلاما طالما قلته منذ سنوات للأخوة المغاربة الشباب الذين سعدنا بالعيش معهم أربع سنوات تحت أروقة جامعة دمشق: كلاما في ضرورة إيجاد السبل الناجعة في تقريب المسافات المكانية والشعورية بين العربي الذي في المشرق والعربي الذي في المغرب، وتسهيل أسباب اللقاء لقاء واسعا بينهما، خصوصا وأن الحواجز بينهم مصطنعة وليست طبيعية ولا ضرورية، إذ هي حواجز وحدود من نتاج المستعمر الأجنبي المعادي للعرب، المتعمد تفتيتهم وإيهامهم بالانتساب إلى كيانات إقليمية محلية ضيقة، والإلحاح عشرات السنين على ترشيح تلك الأوهام وبناء سلوك خاص عليها.
إذ أنه لمن المذهل فعلا أن يكون الاتصال بين المشارقة والمغاربة منذ أكثر من ألف سنة، حيث الناقة مطية المسافر، أسهل وأشمل وأعم من هذا الاتصال المعاصر الشحيح بين عدد ضئيل جدا من مشارقة العرب ومغاربتهم وفيما بينهم، على الرغم مما ابتكرته الحضارة الحديثة من وسائل اختصار المسافات وتسهيل الانتقال، وشيوع أسباب اللقاء الشعوري كالإذاعة والصحافة والكتب؟؟.
أم أنه بسبب نظرة أجدادنا إلى السفر على أنه (جهاد) كانوا يرحلون كل تلك الرحلات البعيدة الشاقة المجهدة، الفردية والجماعية، ثم بسبب نظرتنا اليوم للسفر على أنه (متعة) أصبحنا نتجه شطر البلاد التي توفر لنا المتعة أو ما نظنه المتعة ونغض الطرف عن أقطار عربية تعاني مثل ما نعاني من فقر وجدب وشقاء وعجز في الاقتصاد ووهن في العلم والثقافة والعمران، هي جميعا حصيلة استعمار أصحاب بلاد المتعة لها؟؟.
في القديم، من فجر الدعوة المحمدية وحتى عصر الانحطاط: كم ألفا بل كم عشيرة أو قبيلة عربية رحلت من المشرق إلى المغرب؟ وكم ألفا بل كم مجموعة بشرية من المغاربة، من تونس والجزائر والمغرب الأقصى وشنقيط رحلوا إلى المشرق ليحجوا إلى بيت الله الحرام أو ليطفئوا حنينهم العميق إلى بلاد أحبوها وقدسوها، ثم ليقيموا في بلدان المشرق هذه ما شاء الله لهم أن يقيموا؟ ونحن لو حصرنا السؤال ذاته في أهالي واحات شنقيط فقط من هؤلاء، فهل نجد مدينة من مدن المشرق العربي خالية من أسرة شنقيطية يدل الاسم والكنية دلالة صريحة على أرومتها حتى يومنا هذا؟.
ثم هل يمكننا أن نقارن بين عدد الرحالة المعاصرين الذين رحلوا من مغرب بلادهم إلى مشرقها أو بالعكس، وبين أمثالهم من العرب القدامى؟.. وأطرح السؤال ذاته بالنسبة للكتب والأسفار.
دلوني - في سجل المغاربة المعاصرين - على خالدين عظاما من أمثال: ابن بطوطة وابن عربي وابن خلدون، وأرشدوني إلى أنوار تشبه الأنوار التي أشعلوها في تاريخ ثقافة أمتهم حيث هم مغاربة في المشرق، وخذوني - في دمشق - إلى ضريح يقدسه أهل دمشق ويتبركون به بأجل وأحب مما يقدسون قبر محيي الدين بن عربي!! وقل القول ذاته عن سجل المشارقة المعاصرين بالنسبة لمغرب بلادهم.
قد يقال: أنسيت الأمير عبد القادر الجزائزي، ومحمد عبد الكريم الخطابي.. هذان البطلان المغربيان اللذان أمضيا العمر في المشرق؟ أنسيت أن مثلهما عديدون؟.. فأجيب: كانوا (منفيين) نفيا إلى الشرق وأضيف: ألا ما أغبى المستعمر الذي ظن الحج منفي؟.. وقل القول ذاته عن المشارقة المعاصرين الذين (نفاهم) المستعمر إلى مغرب وطنهم، واسأل سؤال الاستغراب ذاته.
إذن فقد انقلب الحج إلى منفى.
إذن - أيضا - ينبغي إمعان النظر والفكر في هذه المسألة دون سواها، لعله يصح الانطلاق بعد ذلك إلى الحلول السليمة: إن المستعمر الذي سيطر على مقدرات أمتنا العربية، بعد مئات السنين من عصور الجهل والانحطاط والشلل العام، فتت وطننا الواحد وجزأه، وخلق كيانات إقليمية، وعزل مشاعرنا وتطلعاتنا الفكرية في كل كيان إقليمي عن مشاعرنا العامة الأصلية، ثم ربط ثقافتنا وتفكيرنا ومشاغلنا بعواصم غير دمشق وبغداد والقاهرة مثلا... حتى أصبحت رجل المواطن اللبناني تطرق شوارع باريس التي تبعد عن بيروت آلاف الكيلومترات، أكثر بكثير مما تطرق شوارع دمشق التي لا يفصلها عن لبنان أكثر من مائة كيلومتر.
إذن - ثالثا - فالحل يتطلب من الإنسان العربي المعاصر أن يثور على ذاته، فيحطم كل ما تركه المستعمر الأجنبي في نفسه من قيود مصطنعة، وأن يتفوق على ذاته تفوقا انقلابيا بطوليا حتى يعود إلى طبيعته الأصلية وهويته العربية الصافية، فيصبح بأعماقه وتفكيره متطلعا، وهو ابن دمشق أو الدارالبيضاء إلى الدارالبيضاء أو دمشق، أكثر من تطلعه وارتباطه الثقافي بباريس أو لندن... وما لم يحدث ذلك التفوق الانقلابي الجبار فإن الحنين يظل حنينا، وإن الحنين لا يجدي ولا يصمد في وجه الواقع التفتتي المؤلم.
إن الحنين - على قوته الجارفة وأصالته العميقة - لا يكفي.
والعرب مدعوون اليوم إلى دعم هذا الحنين وتغذيته بتقارب وتعارف واتصال واسع مستمر، قد لا يكون عزيزا على حكوماتهم وضع البرامج والسبل التي تكفل تحقيق متطلباته.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here