islamaumaroc

حول قضية البعث في القرآن

  دعوة الحق

69 العدد

تفضل أخونا الأستاذ جلال الهادي الزلباني بالرد على رأيي في شأن البعث، وقد نشرت مجلة «دعوة الحق» الغراء هذا الرد في عددها (الثالث السنة السابعة - ديسمبر 1963 - رجب 1383).
ولا يسعنا إلا أن نرحب بهذا الرد وأن نحيي في الأستاذ جلال الهادي غيرته الإسلامية وحميته الدينية، وإننا متأكدون بأنه لم يقم بهذا الرد إلا للبحث عن الحقيقة والصواب، ولم يكن دافعه إلا الإخلاص للإسلام والدفاع عن تعاليمه ومبادئه، وهذا من حق كل مسلم، بل ومن واجبه.
وقد أخونا الكريم الأستاذ جلال الهادي أن رأيي في شأن البعث غير صحيح وأنه يخالف ما جاء في كتاب الله لسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، من النصوص الصريحة التي لا غموض فيها ولا لبس، فتفضل سيادته -هدانا الله وإياه- بتصحيح ما ظن أنه خطأ في رأينا وأنه لا يتفق مع ما ذهب إليه جمهور العلماء من السلف في مسألة البعث - جزاه الله خير جزاء وأكثر من أمثاله.
غير أننا نرى من الواجب -إيضاحا لرأينا- نلفت نظر الأستاذ جلال الهادي ونظر القراء الكرام إلى بعض الأمور الآتية:
إن النصوص التي أوردها الأستاذ جلال الهادي من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتي استدل بها على أن البعث سوف يكون بالمادة والروح كانت معلومة لدنيا ولم نكن نجهلها حينما خرجنا برأينا في مسألة البعث، إننا بحثنا عن معاني الآيات والأحاديث المذكورة بحتا دقيقا عميقا وانتهينا فيه إلى وجوب تأويلها لما ذكرناه من الحجج والبراهين العقلية، وكانت هذه البراهين كافية لحملنا على الأخذ بالتأويل، وهناك نص يؤيدنا فيما ذهبنا إلية وهو قوله تعالى: «نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون». وقوله تعالى: «وننشئكم فيما لا تعلمون» دليل على أن النشأة الأخرى تكون غير مادية لأنها لو كانت مادية لما صح علها قوله: « فيما لا تعلمون». لأن المادة مما نعلمه لا مما لا نعلمه.
ولسنا أول من قال بهذا الرأي، فقد سبقنا فيه كثير من العلماء وفلاسفة الإسلام، ومما قاله ابن رشد: «وبناء على ذلك لا يكون بعد الموت حياة فردية»، معناه أن الفيلسوف لا يعتقد بحشر الأجساد اعتقادا صريحا، أي انه لا يعتقد بأن الإنسان يكون في الحياة الأخرى فردا ناطقا آكلا شاربا متزوجا كما يفهم العامة، واسمع ما قاله في كتابه تهافت التهافت الذي رد به على الإمام الغزالي:
«والممدوح عندهم من هذه المبادئ الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة حتى يكون الناشئون عليها أتم الفضيلة من الناشئين على غيرها مثل كون الصلوات عندنا، فإنه لا يشك في أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى، وان الصلاة الموضوعة في هذه الشرائع يوجد فيها هذا الفعل أتم منه في سائر الصلوات الموضوعة في سائر الشرائع وذلك بما شرط في عددها وأوقاتها وأذكارها وسائر ما شرط فيها من الطهارة ومن التروك أعني ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها».
«وكذلك الأمر فيما قيل في المعاد فيها هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها، وكذلك كان تمثيل المعاد لهم بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية كما قال الله تعالى: «مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار». وقال النبي عليه السلام: «فيها ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». وقال ابن عباس رضي الله عنه: ليس في الدنيا من الآخرة إلا الأسماء. فدل على أن ذلك الوجود نشأة أخرى أعلى من هذا الوجود وطور آخر أفضل من هذا الطور».
وإلى مثل ها ذهب الفيلسوف ابن سينا.
ويبدو لنا ما ذهب إليه الإمام الراحل الأستاذ الكبير الشيخ محمود شلتوت في هذه المسألة قريب من رأينا. وقد قال في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) «قد تحدث في القرآن كثيرا عن نعيم الإنسان وعذابه في الآخرة، وذكر كثيرا من أنواع النعيم وأصناف العذاب بعبارات ألف الإنسان في حياته الدنيا  التعبير بها عما يعرفه من نعيم وشقاء أو لذة وألم، ومصادر الإسلام تؤكد أن الحياة هناك نشأة أخرى ليس لها من حياة الدنيا إلا الأسماء. والذي نؤمن به أنها دار النعيم أو العذاب، وأنها ليست كالدنيا بخواصها ومزاياها وأنها المرحلة الأخيرة من مراحل الحياة الإنسانية».
«وهكذا نجد القرآن يذكر نعيم الآخرة وعذابها بما يحمل الإنسان على الإيمان والعمل».
ومن المناسب أن نذكر هنا ما قاله الأستاذ الكبير محمد المبارك عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق في بحثه القيم (عقيدة البعث والحساب في الإسلام) نشرته مجلة «حضارة الإسلام».
قال سيادته: «ولكن المهم أن الله حين ذكر الجنة وما فيها من نعيم، والنار وما فيها من عذاب لم يقصد -وهو أعلم بما أراد- أن يعرض علينا أوصافها ويخبرنا عن أحوالها لمجرد الإخبار عن هذه المغيبات وإنما أراد تشويقنا إلى الجنة وتخويفنا من النار وإشعارنا بمسؤوليتنا عن أعمالنا وما ينجم عنها من نتائج. ولذلك ترى أن العنصر الثابت والفكرة التي تتردد وتتكرر في موضوع الآخرة في كتاب الله هي فكرة المسؤولية والحساب وما سوى ذلك من وصف الجنة والنار، يرد في أشكال متنوعة وصور مختلفة في كل مرة، إن طبيعة حياة الآخرة نوع ما تحتويه من موجودات مجهولان عندنا، وما ذكره الله، لنا هو تقريب لإفهامنا على طريق المقايسة والمشابهة بما في الدنيا من موجودات، لأن اللغة التي ولدت في هذه الحياة وأعدت للتعبير عنها تعجز عن التعبير عما لا يوجد في هذه الحياة وما لم يعرفه البشر بنوع من المعرفة».
والثابت أن كافة العلماء على اختلاف نزعاتهم وآرائهم متفقون ومجمعون على أن طبيعة حياة الآخرة تختلف كل الاختلاف عن حياة الدنيا، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر وليس فيها من حياة الدنيا إلا الأسماء، ولكنهم اختلفوا فيما ذكر في القرآن من أمور الجنة والنار مما هو شأن الحياة المادية من الأكل والشرب والأنهار والأزواج المطهرة هل هو على سبيل المجاز أو على سبيل الحقيقة -تأويل بعيد يخالف ظاهر القرآن والسنة. ويقولون بأن نوع هذه الحقيقة وطبيعتها مجهولان لدينا لقصورنا عن تصورها إلا بالتقريب والتشبيه.
وإذا كان ما ذكر في القرآن من أمور الجنة من الأكل والشرب والأنهار والأزواج لا يراد منه ما هو المعهود لدينا في الدنيا وإنما المراد منه شيئا آخر لا ندرك كنهه- أليس هذا عين التأويل بل من أبعد التأويلات التي فيها منتهى الغموض والتعقيد.
إن القول بإنكار البعث بالمادة لا يستدعي القول بالاستحالة ولا بالعجز خلافا لما ذهب إليه أخونا الفاضل الأستاذ جلال الهادي، أن الله قادر على كل شيء، وهو بلا شك قادر- على أن يحشرنا بالأجسام. ولكنه وضع سننا وقوانين تجري وتتجلى في إرادته بواسطتها، ومن هذه السنن كون الحياة في هذه الدنيا مادية وفي الأخرى روحية.
أما استدلال صلاحية ما وراء الطبيعة للحياة المادية بآدم الذي خلق من طين وعاش في الجنة، وبمعراج الرسول صلى الله عليه وسلم فأمر مختلف فيه، لأن الجنة التي عاش فيها آدم عليه السلام كانت في الدنيا، وأن معراج الرسول صلى الله عليه وسلم كان بالروح دون الجسد، وعليه فلا استدلال بهما.
ولا ندري على ما يبني الأستاذ جلال الهادي دعواه بأنه يستوي لدى الروح نعيم الجنة وعذاب جهنم، وبأن الروح لا تتلذذ، مع أن الأحاسيس والمشاعر والآلام والآمال من شأن الروح، لأن الجسد الذي هو عبارة عن المادة لا يشعر وإنما الروح هي التي تشعر وتحس، إن الشعور والإدراك من صفات الروح اللهم إلا إذا سلمنا بنظرية المادية الجدلية التي تقول بأن الإدراك والشعور نتيجة عمليات مادية كيماوية في المخ.
أما الذرة فأرى أنها حجة لي لا علي، فقد أثبتت الدراسات الحديث المتعلقة بالذرة أن أصل المادة هو الروح أعني الطاقة، وأن المادة بالنسبة إلى الروح والطاقة بمثابة الثوب من الجسم، فالمادة تهلك في الطاقة كما أن الجسم يهلك بالموت وتبقى الروح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here