islamaumaroc

الأصول القديمة لعلاقات المغرب بإفريقيا

  دعوة الحق

69 العدد

لم يعد مقبولا في نطاق المباحث التاريخية الزعم بأن هناك عالمين في إفريقيا أحدهما شمال الصحراء ينتسب للبحر الأبيض المتوسط ويرتبط بأوربا منذ أعرق الأزمنة، وثانيهما جنوب الصحراء انطوى على نفسه داخل الغابات الكثيفة، والضباب الدائم وانزوى في الأدغال والمستنقعات مديرا ظهره للشمال والغرب معا. وقد يكون ذلك الزعم له ما يبرره إذا تعلق الأمر بالحدود الاصطناعية التي تبتدئ حيث يبتدئ نفوذ رجل أبيض وتنتهي حيث يبتدئ حكم رجل أبيض آخر، أو إذا تعلق الأمر بالاتحادات العضوية التي عرفتها الآونة الأخيرة بعد أن ارتقت بعض الدول الإفريقية إلى مراتب السيادة القومية. ولكن إذا أراد أي كان أن يكون ذلك التمايز هو القاعدة لا في النطاق السياسي الحاضر ولكن في مجال التطور التاريخي فإن الأمر لن يعدو أن يكون ستر الشمس بالغربال أو وضع حجارات نخرة في طريق تيار جارف.
ويمكن أن نسمح لأنفسنا بإرجاع علاقة المغرب (جباله وصحرائه) بإفريقيا الغربية إلى عهود أعمار المغرب والسودان نفسيهما بالسكان. فهناك نظريتان (إيطنولوجيتان) تتغلبان على جميع النظريات الجغرافية الأخرى، إحداهما تتعلق بأصل سكان الغرب الأقدمين أي البربر والثانية بأصل سكان السودان الأقدمين أي البانتو.
ويوجد شبه اتفاق بين علماء الأجناس على أن سكان إفريقيا الغربية الأقدمين كانوا يقطنون أول الأمر –وربما كان ذلك منذ أربعة آلاف سنة- في إفريقيا الشرقية التي هي مصدر كل أجناس إفريقيا الشرقية التي هي مصدر كل أجناس إفريقيا، وكانوا يقتاتون من ثمار الغابة التي يقطفونها ولم يكونوا يعرفون أساليب الزراعة لأن أوانبهم كانت لا تزيد على قطع من الصوان المنحوت. وبعد نحو ألف سنة من ذلك، قدمت هجرات البانتو الجدد إلى الصومال عن طريق البحر ويظن أن مصدر تلك الهجرة كان هو جنوب غرب الهند لأن بعض القبائل الهندية التي تعيش غرب (فدراس) في الهند تشبه تلك الأقوام في صفاتها الجسمانية والاجتماعية وعاداتها وتدعى (القبائل الدراوية)، واستقر البانتو الجدد في جنوب الجزيرة العربية ثم انتقلوا إلى الصومال عن طريق باب المندب، وهناك قاموا بمحاربة ومطاردة سكان تلك الجهات وكانوا على نوعين: البانتو القدماء واتجهوا إلى إفريقيا الغربية والبيغمة الأقوام وقد توغلوا في غابات الكونغو حيث لا زالوا يعيشون إلى يومنا هذا.
وقد كان لاحتكاك البانتو الجدد بالأقوام التي كانت تعيش في مهرة واليمن طيلة سنوات عديدة قبل اهتدائهم إلى إفريقيا آثار مهمة على سكان شرق إفريقيا تظهر إلى حد اليوم في كينيا والحبشة، وبصفة خاصة على البانتو القدماء الذين تأثروا بعادات الأسياد الجدد أثناء ما كانوا يعملون عندهم ويحرثون لهم أراضيهم.
وفي أثناء ذلك حدث في بلاد اليمن أن سد مأرب أطاحت به مبناه الفيضانات فانطمست جنتا اليمين والشمال وباتت القبائل اليمنية الحميرية تفكر في هجرة بلادها والانتشار في بلاد الله الواسعة، فقامت هجرتان يمنيتان إحداهما سلكت الطريق التجاري القديم عبر عسير وجبال الحجاج وصحراء الشام واتجهت إلى مصر، من حيث دخلت إلى المغرب وأعمرت جباله وبطاحه وسهوله، أما الثانية فإنها أخذت الطريق التاريخي للهجرات البشرية فدفعت بمراكبها في باب المندب ودخلت إلى الحبشة واستقرت هناك ردحا من الزمن ثم انتقلت إلى شمال السودان الحالي وقطنت وادي (الحلفا)، ويظن أنها قد استوطنت هناك طويلا لأنه لا يمكن لحد اليوم التفريق بين بعض برابرة المغرب وبين سكان النوبية في أقصى صعيد مصر. ونتيجة لأحداث تاريخية لا محل للتطويل فيها هنا ارتحل هؤلاء الحميريون إلى بلاد التشادو النيجر وبعدها شقوا طريقهم نحو المغرب الأقصى وغرب الجزائر.
وإذا أردنا أن نقسم إلى يومنا هذا سكان المغرب الأولين أو سكان التشاد مثلا فإننا سنجد عنصرين رئيسيين وذلك تبعا للتغيرات الديموغرافية التاريخية.
فبرابرة المغرب ينقسمون من حيث صفاتهم الجسمانية وحتى الاجتماعية إلى قسمين: (النوع الأول مائل إلى الصفات السوداء والثاني إلى الصفات الأقل دكنة.)
أما سكان تشاد –الذين أخذناهم كمثال على التشابه والاحتكاك فنجدهم يتكونون من صنفين مختلفين كذلك صنف يعيش حول مدينة فورلامي وله كل صفات البربر السمر وهؤلاء هم ولا شك أحفاد من تخلف عن الهجرة إلى المغرب منذ ألفين وخمسمائة سنة تقريبا، وصنف أسود البشرة إفريقي اللمحات وهو الذي رحل إلى إفريقيا الشرقية قبل ذلك.
إننا لا نسوق هذه الحقائق العلمية التاريخية لملء الوقت ولا نرفه على القارئ بهذه الأخبار التي قد تشبه بطرافتها وقائع الأساطير، وإنما تأتي بها من أعماق التاريخ وغابر الزمن حتى نتمكن من وضع نقطة تقريبية لبداية الاتصال والالتحام بين شمال القارة الإفريقية وغربها. فالأمر كما ترى لا يتصل بمعاهدة ولا بسياسة ولا باقتصاد ولكنه تباشر بشري ولحمة دموية لا تنفصم بين ما يسمونها شعوبا بيضاء حول حوض البحر المتوسط، وشعوبا سوداء جنوب الإقليم الموريطاني. إن ذاك التواصل لم ينتج عنه تقارب من العادات ولا إدخال بعض الأساليب الحضارية وإيقاد النار واتحاد الأدوات الحديدية من حجارة البوكسيت المعدنية الموجودة في السودان، ولا تلقين اللهجة الحمرية للأفارقة ولكنه نتج عنه فوق ذلك تداخل دموي وتغير فيزيولوجي، فلم يعد الرجل اليمني –قبل أن يدخل إلى المغرب- رقيق الشفاه أشقر الشعر أزرق العينين رشيق القامة، كما أن الرجل التشادي أو المالي مالت تقاسيمه إلى التغيير وأصبح خاضعا لتبديل يجب أن نسميه هنا (الأفرقة).
صحيح أن العرب اليمنيين الأقدمين المعروفين اليوم بالبربر قد وجدوا كل صعوبة في التلاؤم مع طبيعة الغاب والمستنقعات والأقطار الدائمة الرطوبة الشديدة، ووجدوا كذلك أن دوابهم ستكون في خطر دائم من لسعات ذبابة (تسي تسي) التي تنميها وتجعل حدا لقدرتها على العمل والجر، ولهذا فضل من بقي منهم في إفريقيا الغربية أن ينحاز إلى الجبال أو إلى الصحراء، فالناحية الأولى تشابه طبيعة اليمن العليا حيث تخف وطأة المناخ وتمكن زراعة الأرض، والناحية الثانية تحاكي طبيعة اليمن المنخفضة حيث يبد العربي الطاعن تجاوبا مع هذه الرمال ويتضاعف نشاطه للتنقل والكد من أجل الحصول على العشب والماء ومن أجل ذلك نجد كل الجبال الهامة من شمال غرب إفريقيا (كتيستي والعبر في شمال التشاد والهجار في مالي) مسكونة بعناصر حميرية قديمة تعتبر اليوم إحدى فروع صنهاجة.
إن فكرة الإفريقيين تسقط ولا شك أمام هذه الحقائق التي ننقل أغلبها عن المؤلفين الأجانب وبعضها عن ابن خلدون، وإذا استطعنا أن نصل إلى هدفنا فنحن نجد أن كلمة (علاقات) غير كافية للتعبير عن وحدة الشعوب الإفريقية على الرغم من عامل المناخ الذي يبدل الصفات الجسمانية.

حادث اغتيال يقوي العلاقات
إن انكماش الإمبراطوريات المغربية وانصرامها عن اهتمامها بما وراء حدودها الجنوبية التي كانت تمر بخط تقريبي يبتدئ من ساحل البحر بالقرب من مصب نهر السينغال إلى الشرق واتجاهها إلى المشاغل الخارجية في الأندلس والمغرب العربي، إن ذلك الانكماش والانصراف لم يقف دون استمرار الصلات التجارية الدينية بين الشمال الإفريقي والغرب الإفريقي، فالفترة الانقطاعية –كما يسميها بعض المؤرخين- سمحت للإسلام بأن ينتشر عن طريق الإقناع والشرح لا بوسائل الغزو والفتح. وكان هناك الكثير من الدعاة المغاربة والتونسيين يتجسمون صعاب الطريق ويطوون المراحل إلى حيث يجتمعون بالقبائل، وهناك تقدير بأن ثلاثة أرباع سكان الغرب الإفريقي دخلوا على الإسلام في الفترة المتراوحة بين مقتل أبي بكر بن عمر في إمارة التكانت عام 1085م وبين مجيء القائد جوذر باشا على رأس جيش السعديين.
وكانت حادثة مقتل أبي بكر بن عمر في حد ذاتها دافعا بعجلة الإسلام وعامل تراحم وتآلف بين المغاربة والسودانيين فقد أرسل أحد زعماء قبائل (الموسى) التي كانت توجد في الداهومي الجنوبية بعض أتباعه إلى التكانت ومعه السحرة والإدلاء ليقتل الزعيم الأبيض الذي أتى بعقيدة تسخر بالسحر وقوى الطبيعة ونادى بجميع من يوافقه ويؤمن بأفكاره في جبهة قوية لمحاربة القبائل الأخرى، ووصل الشخص إلى حيث كان أبو بكر يصلي بمكان يدعى (المقاسم) على بعد خمسة وخمسين كلمترا من مدينة تجكجة عاصمة التكانت، وسدد إلى ظهره سهما مسموما أرداه شهيدا.
فتلك الحادثة أثارت ثائرة القبائل السوداء التي كانت قد دخلت الإسلام على يد هذا الأمير المرابطي، فقامت تطالب بدمه واشترطت أن تفقأ عيني جميع أولاد زعيم قبيلة الموسى، ولما كان ذلك الشرط لم يقبل من سيدة قبائل الداهومي فإن الحرب قد اشتعلت بين الوثنيين والمسلمين ولم تلبث القبائل التي حالفت قبيلة (ساراكولا) المسلمة المطالبة بدم أبي بكر أن أسلمت بكيفية مباشرة وأصبحت قوة جديدة للإسلام بإفريقيا الغربية والمراحل التي اجتازتها الدعوة –التي هي وجه غير مباشر للصلات بين المغرب وإفريقيا- يشرحها هويرديشان الذي كان حاكما في جابوتي وساحل العاج والسنغال والذي بدأ حياته مدرسا بالقسم الثانوي في الدار البيضاء حيث يقول لم تقف دعوة المرابطين عند اعتناق قبائل (الساراكولا) عقيدة الإسلام ولكنها تخطتها حتى بعد انتهاء السلطة السياسية للمرابطين في المغرب والصحراء وإفريقيا.
وقد حدث –يقول ديشاد- أن اعتنق أمير القبائل الماندانج الدين الإسلامي، فرارا من ثورة شعبه عليه عندما فشل في إنزال المطر بأرضه وأسس أحد خلفائه (سوندياتاكيتا) في القرن الثالث عشر إمبراطورية (مالي) التي امتدت إلى أعالي النيجر، فأصبحت مملكة غانة خاضعة له. وخلف سوندياتا هذا (مانساوله) ويلقب بالملك الأحمر، وقد أدى مناسك الحج في مكة. والواقع أن بلاد السودان تمتد في قلب إفريقيا دون أن تعترضها حواجز طبيعية، وبها من النبات والسكان ما يسهل للمسافرين التزود بالمؤونة والهدايا والأعوان واجتيازها في غير عناء، وقد كانت هذه الإمكانيات في حوزة ملوك الماندانج، إذ كانت عندهم مناجم التبر التي استغلوها في بامبوك حتى أن أحدهم وهو (جونجوموسى) لما خرج ليؤدي فريضة الحج في القرن الرابع عشر عن طريق ساحل البحر الأبيض المتوسط، أظهر من أبهة الملك والبذخ ما بهر أعين العرب في تلك الأنحاء، وكانت صلاته بالمغرب وثيقة، وقصد بلاطه جماعة من العلماء والأدباء. وفي هذا العهد خضعت مملكة (السونرهاي) التي أسسها زعماء قبائل (لمتونة) في حوض نهر النيجر الأوسط (جاو وتمبكتو) لسلطة إمبراطورية (مالي). ثم استرد ملوك السونرهاي استقلالهم في القرن الرابع عشر. وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي أدى أحد ملوكهم (مامادوتوريه) (أي محمد توريه) فريضة الحج في موكب حافل ضخم، وقابل وهو في طريقه إلى مكة خليفة المسلمين إذ ذاك. ولما عاد من الحج أعاد تنظيم ملكه على أساس ما رآه من النظم الإسلامية في الممالك الشرقية التي مر بها، وضم إلى مجلسه العلماء والأدباء، ومنذ ذلك العهد بدأت تشتهر مدينة تمبكتو، ومد ملوك (السونرهاي) فتوحاتهم على طول نهر النيجر حتى (داهومي الشمالية) ولكنهم اصطدموا في الجنوب بمقاومة قبائل (الموسى) ولم يفلحوا في نشر الدعوة الإسلامية بينهم.
وإذا اعتبرنا أن تقبل الأفارقة للدعوة الإسلامية ودخولهم في عدادها زرافات ووحدانا وقيامهم بالمنافحة عنها والكفاح لتثبيت ألوستها في جميع أصقاع إفريقيا مرده إلى اقتناع الأفارقة وتلقائيتهم واستجابتهم وحماسهم لفكرة المساواة والاعتقاد بالوحدانية فقط، فإننا نكون قد أغفلنا ناحية هامة نظن أنها من الحوافز الأساسية لانتشار الإسلام في وقت مبكر وبسرعة عجيبة. تلك الناحية هي الوشيحة التي تربط الأفارقة السود بإخوانهم البرابرة، فبالإضافة إلى الامتزاج الذي رافقته الهجرات البربرية الكبرى من اليمن إلى المغرب عبر خط مدار السرطان يجب أن نذكر الهجرة الثانية للبربر من المغرب إلى الصحراء والسودان. فمنذ القرن الخامس قبل الميلاد بدأت تتوارد على تلك الأصقاع قبائل زناتة وصنهاجة وتبعا للعصبية القبلية فإن التقليد والإقتداء كان لهما دور كبير في حمل الأفارقة على اعتناق الإسلام والاستفادة من ذلك الدخول في تقوية أواصر القرابة والاتصال.
وقد ذكر المؤرخون أن الملك البربري اللمتوني (تيلوبوتان) الذي عاش في القرن التاسع الميلادي كان يخضع له جميع البرابرة من جبال الأطلس بالمغرب إلى نهر النيجر، وكان هذا الملك يتخذ من مدينة (أوغشت) السودانية عاصمة له أما العاصمة الثانية فكانت قريبة من مدينة سجلماسة الحالية.
وقد ظل هذا التمازج قائما حتى أثناء عهد الموحدين والمرينيين وقد أصبح في عنفوانه بعد دخول عرب معقل أراضي موريطانيا وقيام الصلات السياسية والتجارية بين إمبراطورية مالي ودولتي المرينيين والسعديين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here