islamaumaroc

عقيدة التوحيد

  دعوة الحق

69 العدد

إن العالم الإسلامي الآن في تطور مستمر في عقائده وأخلاقه وأنظمة حكمه وجميع وسائل حياته، وذلك بسبب عدة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، حيث كثر اختلاطه بمجتمعات شتى، كل مجتمع له مشربه الخاص في الحياة، لأن العلوم العصرية قلبت أوضاع المجتمعات، وغيرت طرق الحياة، وكثرة الكتب في مختلف الموضوعات عملت على توجيه الشعوب إلى حقائق تلك العلوم، وإلى الأنظار الجديدة في الحياة، ولهذا صار العالم الإسلامي في شبه امتحان يريد أن يخرج منه ناجحا مكتمل القوة، وهو في تجربة واختيار لما يكفل له حياة السعادة والاستقرار والاطمئنان الروحي والمادي في المعترك الحيوي.
وقد مرت بالعالم الإسلامي فترات عصبية أفقدته كثيرا من قواته المعنوية بعد تلك القوة والصلاح والعدل التي خرج بها الإسلام إلى العالم يهدي الأمم ويرشد الشعوب إلى طريق الخير والتقوى، وما هذا الضعف الحاصل في العالم الإسلامي والبلبلة في الاعتقاد، والحيرة في طريق السلوك، إلا أثر من البدع الاعتقادية والعلمية والخرافات والظلم، وتنكب طريق الحق واتباع القشور والمظاهر، دون التمسك بالعروة الوثقى، واعتبار المصالح الحقيقية للشعوب والأفراد، والاتحاد والتفاني في خدمة المثل العليا.
فقد وجدت فيه فرق وشيع  مزقت وحدته، وجعلته أوازعا حتى وجد فيه، بعد التوحيد المثالي الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم طول مدة بعثته رحمة للعالمين، من يقول بل يعتقد أن أمور الكون تدبر أو تفوض لبعض المخلوقين يديرونها كما يشاءون، ويقابل هذه الفرقة طائفة أخرى تنكر خالق الكون ومدبره، وتدعي أن المادة الصماء هي أصل كل شيء، تصرفه بطبيعتها من غير اعتبار لمن طبعها على تلك الخواص وهو الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، فهذه الطائفة الأخيرة نظير أختها الدهرية التي كانت تقول في الجاهلية: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر.
وقد شاعت دعوى التصوف في الكون من بعض المتصوفين أصحاب الأحوال حتى تكلم عليها العلماء فكفرهم البعض، والتمس لأقوالهم البعض الآخر تأويلا يخفف عنهم حكم الكفر، قال شهاب الدين القرافي: الفرق الثاني والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو من الدعاء كفر وقاعدة ما ليس بكفر، ثم ذكر من النوع الأول، أن تعظم حماقة الداعي وتجرؤه فيسأل الله أن يفوض إليه من أمور العالم ما هو مختص بالقدرة والإرادة الربانية من الإيجاد والإعدام، والقضاء النافذ المحتم، وقد دل القاطع العقلي على استحالة ثبوت ذلك لغير الله تعالى، فيكون طلب ذلك طلبا للشركة مع الله في الملك، وهو كفر، وقد وقع ذلك لجماعة من جهال الصوفية، فيقولون فلان أعطي كلمة «كن» ويسألون أن يعطوا كلمة «كن» التي في قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [النحل: 40]، وما يعلمون معنى هذه الكلمة في كلام الله تعالى وما يعلمون معنى إعطائها إن صح أنها أعطيت، وهذه أغوار بعيدة الروم على العلماء المحصلين فضلا عن الصوفية المتخرصين فيهلكون من حيث لا يشعرون ويعتقدون أنهم إلى الله متقربون، وهم عنه متباعدون، عصمنا الله تعالى من الفتن، وأسبابها والجهالات وشبهها)؛ هذا كلام القرافي، وقد حاول أبو القاسم بن الشاط أن يخفف وقع كلام القرافي حتى يلائم الوسط الذي كان يعيش فيه فقال: قلت إن كان أولئك القوم يعتقدون أن الله يعطي غيره كلمة "كن" بمعنى أن يعطيه الاقتدار، فذلك جهل شنيع إن أرادوا أن يعطيه الاستقلال وإلا فهو مذهب الاعتزال، وكلاهما كفر بالمثال، وإن كانوا يعتقدون أن الله تعالى يعطي «كن» أن يكون لهذا الشخص الكائنات التي يريدوها مقرونة بإرادته فعبروا عن ذلك بإعطاء كلمة "كن" فلا محذور في ذلك إذا اقترن بقولهم قرينة تفهم المقصود)، وعهدي بابن الشاط أنه دقيق في ملاحظاته، إلا أنه هذه المرة سلك طريق المغالطة، لأن القرافي فرض المشكلة فيما هو مختص بالقدرة الإلهية من الإيجاد والإعدام والقضاء النافذ المحتم، وأخبر بأنه وقع ذلك لجماعة من جهال الصوفية، وبين هذا الاختصاص بأنهم يسألون أن يعطوا كلمة "كن" التي في قوله تعالى إنما قولنا لشيء الآية، ومع هذه الأمور الثلاثة لا يوجد دليل شرعي ولا عقلي على جواز إعطائها لأي بشر، ومن اعتقد أن الله أعطاه قدرة ضعيفة تليق بالمخلوق مستندة إلى قدرة الله لا ينبغي أن يكون اعتقاده كفرا بالمثال ولا بغيره، ومن جهة أخرى فإن الواقع في دعوى القوم هو ما حكاه القرافي عنهم لا ما ذكره ابن الشاط من الترديدات والتأويلات، وإن قبله السنوسي مختصر كتاب الفروق فقد ذكر العلامة السوداني في نيل الابتهاج أنه وجد منسوبا للشيخ زروق قصيدة منها هذا البيت:
وملكت أرض الغرب طرا بأسرها                  وكل بلاد الشرق في طي قبضة
وفي آخر القصيدة:
وإن كنت في كرب وضيق ووحشة                    فنادت أبا زروق آت بسرعة
 وإني أعتقد أن علم الشيخ زروق الغزير وآدابه العالية وقواعده في السلوك وخوفه الشديد من الله يمنعه كل ذلك من هذه الدعوى، لأنها تقتضي سماع دعاء الداعين باسمه في أي جهة من الشرق والغرب، زيادة على كون الشرق والغرب في طي قبضته، وهذه قدرة لا تليق إلا بالخالق سبحانه، ومما يؤيد فرض القرافي للمسألة ما هو في كتاب الشعراني، وقد وقفت على بحث قيم في هذا الموضع لعالم سلفي هو الشيخ رشيد رضا يحسن إيراده هنا شرحا لهذا الموضوع الذي ما زال يشغل بعض العقول، فقد سأله الشيخ قاسم محمد غدير من أسيوط قائلا في سؤاله: ما تقولون في معنى قول الشعراني: "مما من الله به علي أن أعطاني قول كن، فلو قلت لجبل كن ذهبا لكان؟" الخ...
فأجابه الشيخ رشيد بقوله الإيجاد والتصرف في الأشياء بمقتضى الإرادة المعبر عنها بكلمة "كن" هو خاص بخالق العالم ومدبره، ويستحيل أن يكون لغيره كما هو مقرر في علم الكلام، فلا يقال إن الله قادر على أن يجعل معه إلاها آخر، فإن القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات وهذا محال، ومن يعتقد أن أحدا غير الله يفعل ما يشاء ويوجد ويعدم، ويقلب الأعيان بقول كن، فلا شك في كفره الصريح وشركه القبيح، وإذا أحسنا الظن بالشعراني فإنا نقول إن هذه الكلمة مدسوسة عليه، فقد صرح هو في بعض كتبه كاليواقيت بأنهم كانوا يدسون عليه في زمنه، على أن كتبه المشهورة المتداولة طافحة بالخرافات والدعاوي التي ينكرها الشرع والعقل، وهي أضر على المسلمين من غيرها من الكتب الضارة المنسوبة إلى المسلمين وإلى غير المسلمين، وقد كنت من أيام أجادل بعض البابية وأبين لهم فساد دينهم الجديد، فقال أحدهم: ما تقول في الشعراني؟ فعلمت أنه يريد أن يحتج بما في بعض كتبه من أن المهدي يأتي عكة وما يقوله في مادية الله بمرج عكا، فإن البابية يحملون ذلك على البهاء الذي نشر دينه وهو في عكا ومات فيها - فقلت له إن كلام الشعراني الذي انفرد به عندي كاللقا لا قيمة له، والكتب المنسوبة إليه هي العمدة في الاضلالات المنتشرة بين المصريين في الأولياء لا سيما في السيد البدوي، فإنها مرغبة في موالده التي هي قرارة المنكرات والمعاصي، وإني لأعلم أنه لا يزال في قراء المنار (أي المجلة التي كان يصدرها)، على استنارتهم، من يعظم عليه وقع الإنكار على كتب الشعراني وإن كان الغرض منه تنزيه الله، فان الذين أشربت قلوبهم عقائد الوثنية يعظمون المشهورين الذين يسمونهم أولياء أكثر مما يعظمون الله تعالى، ويسرون أن يوصف أولياؤهم بصفات الإلوهية ويرون من الضلال أو الكفر أنهم بشر لا يمتازون على غيرهم بما هو فوق خصائص البشرية، وأن ما وفق له الصالحون من العمل الصالح فإنما هو عمل كسبي يقدر غيرهم على الإتيان بمثله بهداية الله وتوفيقه، وأن الفتنة في الدعوى المسؤول عنها أكبر من الفتنة بكل كلام أهل الكفر والإضلال، إذ لا يخشى من قول عابد الصنم إن صمني إلاه أن يفتن المسلم كما يخشى على عامة المسلمين وكثير من المقلدين الذين يسمون علماء وخاصة من كلمة الشعراني، لأن هؤلاء يأخذون هذه الكلمة بالتسليم بناء على أنها من باب الكرامات التي ليس لها حد عندهم، ومتى يسلموا بها جزموا بأن مثل هذا الولي يفعل ما يشاء، فيصرفون قلوبهم إليه، ويطلبون حوائجهم منه، فيكونوا قد اتخذوه إلاها باعتقادهم أن يقول للشيء كن فيكون، وقد عبدوه بدعائه والاعتماد عليه، وهم مع هذا كله يغشون أنفسهم بأنهم لا يسمونه إلاها وإنما يسمونه وليا، كأن الأسماء هي التي تميز الحقائق دون العقائد والأعمال القلبية والبدنية، وإنني أذكرهم بأن المشركين كانوا يسمون معبوداتهم أولياء يعتقدون كما يعتقدون أنهم شفعاء؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، وقال الشيخ رشيد إنهم يعبدونهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقد بينا لهم الحق لم نخف فيه لومة لائم، فليضربوا بكلام الشعراني عرض الحائط إن كان كل ما كتبه كلامه، أو ليحسنوا الظن به كما قلنا أولا ويحكمون بأن هذه الكتب مملوءة بالدسائس عليه، فلا يعتمد عليها ولا تتخذ حجة عليه، وهذا هو الإسلام فلنبرئه ولا نبرؤها، وندعو له بالرحمة ونطرحها، مكتفين بهدي الكتاب والسنة، فمن تمسك بهما نجا ومن تنكب عنهما هلك). هذا كلام الشيخ رشيد وهو نصيحة نقدمها لمن يملك هذه الكتب حتى لا يغتر بما فيها وحتى يسلم توحيده لله الذي هو القاعدة الأولى للنجاة في الآخرة كما قال سبحانه (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) [النساء: 48]، والله ولي التوفيق.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here