islamaumaroc

شكسبير: ترجمته ومؤلفاته

  دعوة الحق

69 العدد

في تاريخ الفكر أعلام حفظت أسماؤهم في سجل الخالدين لأن الانتفاع بكتبهم القيمة لم يبق مقصورا على أجيالهم وأقوامهم ولغاتهم فحسب، بل شمل أحباب الحكمة البالغة وأشياع الرأي الثاقب والقول النافذ في مختلف الأمم وإن باعدت بينها المسافات وفرقت بينها مذاهب الحكم أو اختلفت لغاتها وتفاوتت حظوظها من الثقافة ولما كان «ويليام شيكسبير» من هذه الزمرة المختارة فإن الاحتفال بالذكرى المئوية الرابعة لميلاده أقيمت خلال الأسبوع الأخير من شهر أبريل لهذه السنة في اليابان والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والهند ومصر والأرجنتين والسويد وغيرها من الأقطار إلى جانب المملكة المتحدة التي خلدت هذه الذكرى بطبع صورة شاعرها الفحل على الأوراق المالية بجانب صورة الملكة ((إليزابث الثانية))...
وقد ارتأيت بهذه المناسبة أن أكتب ترجمة موجزة للنابغة وبحثا مقتضبا حول نتاجه الخصب إسهاما متواضعا في إقامة هذه الذكرى.


توطئة

إذا نحن رجعنا بأبصارنا في أسفار التاريخ إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر رأيناه يتميز بوقائع هامة فاصلة ويقترن بشخصيات لامعة فذة كان لها الأثر البعيد في مخالف مجالات الفكر جميعا. فلقد اقترن مطلع هذه الفترة بمبدأ عهد الملوك السعديين ببلادنا قبل أن تشهد الحروب الدينية بفرنسا خلال ستة وثلاثين عاما، وبموت «إيقان الرهيب» أول القياصرة الروس الذي جمع أطراف البلاد تحت حكمه خمسين سنة. فلما كانت السنة الحادية والسبعون من هذا القرن دارت بمضيق «ليبانطو» ببلاد اليونان معركة بحرية فاصلة تغلب فيها الأسطول الإسباني بقيادة الأمير «دون خوان»، أخي الملك «فليبي الثاني» لأبيه، على أسطول الأتراك فكانت هذه الغلبة فوزا كبيرا للنصرانية في حربها للإسلام. ولم تنصرم إلا سبعة أعوام حتى دارت وقعة «وادي المخازن» حيث هلك الملك «دون سيباستيان» فذهب المغاربة بأحلام البرتغال في إقامة إمبراطوريته المدعوة بشمال إفريقيا. وبعد عشر سنوات على هذا التاريخ هبت الأعاصير على «الأسطول الذي لا يغلب» عندما بعثه «فيلبي الثاني» ضد إنجلترا فشتتته تشتيتا كان بداية نهاية للإمبراطورية الإسبانية.
وكانت نار الأحقاد مشتعلة في معظم أطراف القارة الأوربية، ثم دخلت الديانة النصرانية في مرحلة التطور فشرعت الفنون تتحرر والآداب ترتقي إلى أسمى الدرجات فتنال سمعة عالمية. فإذا كان الأدب الإيطالي قد بلغ الذروة خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر على أيدي «دانتي» و«بوكاتشو» و«بيطراركا»
فإن الأدب الإسباني كان آنذاك في عصره الذهبي الزاهر، إذ شهدت تلك الفترة كلا من «نيرفانطيس» أمير الأدب الإسباني(?(1 و«لوبي دي فيغا» الشهير بلقب «نادرة النوابغ» و«فرنسيسكو دي كيبيدو» الحكيم والشاعرة الصوفية «سانطا طيريسا». أما الأدب البرتغالي فقد بلغ غايته عند «كامونيش» الذي توفي في السنة الثمانين من هذا القرن فدخل بقصيدته العصماء في تمجيد وطنه وإثبات مفاخره في زمرة الخالدين.
وقد قصدت من إثبات تلك الوقائع المذكورة وإيراد ذكر إعلامها أن أرسم هذا الإطار التاريخي والأدبي المحيط بالفترة التي عاش فيها أمير الأدب الإنجليزي تيسيرا لتصور ذلك العصر الزاخر بالأحداث والحافل بالعباقرة.
 ميلاده وترجمته
تزوج «جون شيكسبير» من «مارية آردن» سنة سبع وخمسين وخمسمائة وألف فكا له منها ثمانية أبناء توفي ثلاثة منهم صغارا. وكان «جون» جزارا ومقاولا. ويثبت السجل المحفوظ بكنيسة قرية «سطرادفورد أوبون آفن» أن «ويليام شيكسبير»(2) قد ولد بتلك القرية يوم 26 أبريل (حسب التقويم القديم) لسنة أربع وستين وخمسمائة وألف وتم تعميده بكنيسة «التثليت المقدس» نفسها. وكان أصغر الأولاد يسمى «أدموند»، وقد عمل ممثلا مسرحيا مع أخيه في لندن. أما عن دراسة «ويليام» فقد تواترت الروايات على أنه كان يهمل التحصيل حتى قيل عنه أنه لم يكن يعرف إلا القليل من اللغة اللاتينية وأقل من هذا القدر الضئيل من اللغة اليونانية. وقد عمل معلما بإحدى المدارس ثم مساعدا لأحد المحامين لما ساءت أحوال والديه المالية. ولم يبلغ الثامنة عشرة حتى تزوج من «آنا هاطواي» عن بنات إحدى القرى المجاورة، وكانت تكبره بثمانية أعوام. وقد كان لهما ثلاث أبناء أكبرهم «سوسانة» التي ولدت يوم رابع مايو لسنة ثلاث وثمانين: أما التوأمان «هانيت» و«جوديت» فقد توفي أولهما عندما بلغ الثانية عشرة.(3) ومن المؤكد أن «ويليام» لم يكن سعيدا في زواجه، إذ لم تمر أربع سنوات على هذا الاقتران حتى هجر زوجته وقريبته متوجها إلى لندن حيث تدهورت حالته المالية وساءت سيرته خلال مدة غير قصيرة، فقد قضى خمسة أعوام يحرس خيول المتفرجين عند أبواب المسارح، كما عمل مأمورا بأحد هذه الملاعب قبل أن يصبح ملقنا.
ولم تحل السنة الثانية والتسعون من القرن السادس عشر حتى أصبح «ويليام» ممثلا وشاعرا معروفا ذا حظوة عند الملكة «إليزابث». وقد عمل بصورة خاصة في مسرحي «الوردة» و«الوزة»، وكان الأشراف يخصون ملاعب التمثيل والفرق العاملة فيها برعايتهم ومساعداتهم لها على التنقل بين مختلف المدن الإنجليزية. وكانت بعض هذه الفرق الممتازة تغادر الجزيرة لعرض مسرحياتها الناجحة بقاعات الدانيمارك وهولندا وفرنسا والنمسا، ومن الملاحظ أنها كانت تؤثر ألمانيا على غيرها من الأقطار في هذه الجولات الفنية، كما أنه من المؤكد أن هذه الفرق لم تزر إيطاليا وإسبانيا. ويوجد من النقاد من يقول أنشكسبير لم يغادر الجزيرة مطلقا ولم يضع قدمه بالقارة الأوربية أبدا.
ومن المؤكد أيضا أن نشاط الكاتب الموهوب قد اقترن بالعقدين المتراوحين بين السنة الحادية والتسعين والسنة الحادية عشرة من القرن الذي يليه، فلقد كتب فيما بين سنته السابعة والعشرين وسنته السابعة والأربعين ثلاثة وثلاثين مؤلفا، بحيث يمكن القول بأن إنتاج شكسبير قد اقترن بسنوات شبابه. ولما لم تكن حقوق الملكية الأدبية محفوظة للمؤلفين آنذاك فقد كثر الانتحال حتى أصبح عادة شائعة في لندن، وقد كانت هذه الظاهرة ملحوظة على هذا العهد في مدريد أيضا باعتبارها كذلك عاصمة مسرحية. وقد أضر الانتحال ضررا بليغا بالأدب والأدباء المجيدين على السواء، حتى أن معظم ما نشر من مؤلفات شكسبير في حياته كان منقولا عن نسخ حصل عليها الناشرون بدون إذن منه، كما أن بعض الكتب قد نشرت غير منسوبة إلى أصحابها. أما التعاقب الزمني لصدور مؤلفات شكسبير فقد أمكنت معرفته بفضل السجلات التجارية التي خلفها الناشرون، وكذلك بفضل الدراسة الواعية العميقة للأسلوب واللغة والتلميحات والقافية والأوزان. وتأكد أن شكسبير قد برز منذ البداية على كافة الشعراء المعاصرين فيما يتعلق بإجادة القافية وضبط الأوزان. وقد طار صيت هذا النابغة فأمرت الملكة «آنا» زوج الملك «جيمس الأول» في السنة الرابعة من القرن السابع عشر بإقامة حفلة تمثيلية خاصة بالقصر قصرتها على تقديم مسرحية جديدة لشكسبير!....
وكان من نتائج ذلك التبرير وهذه الحظوة أن تحسنت حالته المالية عقب نجاحه ممثلا ومؤلفا في لندن فخف عائدا إلى القرية لإغاثة أهله غيبة استمرت إحدى عشرة سنة فاشترى بها الدور والضياع وجعل يزورها كل عام بعد أن أدى ديون والديه واسترد أملاكهما المرهونة. ثم اقتنى أكبر دار في مسقط رأسه وأصبح مساهما في أكبر ملاعب التمثيل بالعاصمة.
وكان الملك «يعقوب الأول» مشغوفا بالمسرح فشمل فرقة شكسبير برعايته وجعل كافة ممثليها منتمين إلى القصر الملكي، إذ كانت هذه الفرقة تعرض مسرحياتها أثناء الاقتبالات الرسمية واعتماد الوفود الدبلوماسية الأجنبية. ويروي الرواة أن هذه الرعاية قد عادت على الشاعر بثراء واسع فاشترى أراضي خصبة للفلاحة واستأجر أراضي أخرى لآجال مديدة، إلا أن هذا الحظ الباسم قد قلب للشاعر ظهر المجن، إذ اشتعلت النار في مسرح «الكرة» الذي كان من أكبر المساهمين فيه فأتت على جميع مخطوطات المؤلف. وقد أصبح صاحب نفوذ واسع في الأوساط الرسمية حتى أنه حصل على تعويضات هامة عندما احترقت بعض أملاكه في قرية «سطرادفورد أوبون آفن» وأعفي من أداء بعض الضرائب فيما بعد.
وفي خامس يونيه لسنة 1607 تزوجت ابنته «سوسانة» من «جون هول» الطبيب الشهير فرزقت منه بنتا سميت «اليزابث» وتوفيت قبل أن يدور عليها الحول فانقرضت بموتها ذرية الشاعر. ثم مات شقيقه «أدموند» في لندن فوالدته في القرية، ولم تنصرم خمسة أعوام حتى حضر الموت أخويه «جيلبيرت» و«ريشارد». أما ابنته «جوديت» فقد تزوجت أثناء المدة الحرام السابقة لعيد الفصح دون أن تحصل سلفا على الرخصة الخاصة فنبذتها الكنيسة كما نبذت زوجها. ولم تكتب السعادة الزوجية لهما.
وأنهى شكسبيير في الأسبوع الأخير من شهر مارس لسنة 1616 تحرير وصيته بعد أن قضى في إعدادها شهرين متتابعين، فترك بمقتضاها معظم أملاكه لابنته الكبرى وقسطا يسيرا لابنته الصغرى. أما الأرملة فقد أوصى لها بمستفاد ثلث أملاكه ما بقيت على قيد الحياة.
ويروي معظم الرواة أن شكسبير قد أصيب بالحمى عقب ليلة أسرف خلالها في معاقرة الخمر فتوفي من جرائها يوم الثلاثاء 23 أبريل 1616 الموافق لثالث مايو حسب التقويم الجديد ودفن بعد يومين عند الجانب الشمالي من كنيسة «التثليث المقدس» بالقرية التي شهدت ميلاده قبل اثنين وخمسين سنة إلا ثلاثة أيام.
مؤلفاتــــه
ويتعين علينا الآن وقد أوردنا هذه الترجمة المقتضبة أن نفرغ لدراسة مؤلفاته التي بلغ عددها ثلاثة وثلاثين(4) كتبها جميعا خلال العقدين المذكورين سلفا. وقد كانت «برقليس» فاتحتها و«العاصفة» خاتمتها. أما أهمها فهي «الملك هنري السادس» و«مسلات الهفوات» و«أعمال الحب الضائعة» و«الملك ريشارد الثاني» و«مأساة الملك ريشارد الثالث» و«حلم ليلة صيف» و«ترويض الشرسة» و«مأساة روميو جولييتا» و«تاجر البندقية» و«الملك هنري الرابع» و«حياة الملك جون وموته» و«لا بداية سيئة للعاقبة الحسنة» و«حياة الملك هنري الخامس» و«كما تهواه» و«جعجعة ولا طحين» و«هاملت أمير الدانيمارك» و«متزوجات وندسور اللاهيات» و«طرويلو وكريسيدا» و«عطيل مسلم البندقية» و«الملك ليهار» و«مأساة ما كبت» و«بوليوس قيصر» و«أنطونيو وكليوباترة» و«حكاية فصل الشتاء».
الأمر الذي لا شك فيه هو أن النابغة قد كان في إنتاجه الوفير هذا متقلبا بين درجات الإجادة، فقد لوحظ عليه التردد والحيرة في البداية، ويمكن القول بأن مؤلفاته الأولى قد تضمنت مجهوداته الرامية إلى إتقان فن الدراما. فقد كتب مآسي تاريخية عنيفة غلبت عليها الألوان القوية وآثر فيها قوة الجرس. وإذا كانت هذه الأعمال الأدبية الأولى تشتمل على عيوب في عرف النقد الحديث فإنها كانت في اعتبار ذلك العهد كتبا قيمة فذة. ولم يكن بين الأدباء الإنجليز آنذاك من يقدر على منافسة شكسبير إذا استثنينا «كريستوف مارلو» الذي اغتيل بطعنة خنجر عندما كان بحانة مع رفقائه ذات ليلة. وكان هذا الكاتب قد بلغ أوج شهرته لما نشر «يهودي مالطة» و«الدكتور فاوست»، وقد ظهر تأثيره واضحا بينا في شكسبير عندما كتب هذا «ريشارد الثالث» و«ريشارد الثاني» و«تاجر البندقية» على الأخص.
إلا أن شكسبير قد تمكن من الظهور نهائيا على منافسه «مارلو» والاستئثار بإعجاب الناس عندما بلغ سنته الثامنة والعشرين فكتب «مأساة روميو وجولييتا» التي أجمع النقاد على اعتبارها معجزة الاستلهام ومنتهى الإبداع في تصوير عواطف الشباب فذهبت بغيرها من الأعمال المسرحية على عهد النهضة والأحياء في إنجلترا. لقد كانت هذه المسرحية أولى المآسي التي كتب. ولو أنه اقتصر عليها لكانت كافية لتخليد اسمه بين الأعلام، بل إن صدورها كان مرحلة فاصلة في تقسيم مراحل الإنتاج عند الكاتب الفرد، فلقد كان إلى يوم نشرها أحد الكتاب، أما بعد ذلك اليوم فقد أصبح منفردا بالتبرير المعجز في دنيا القلم باللغة الإنجليزية. ومن المعلوم أن حوادث المأساة قد جرت بمدينة «فيرونا» في السنة الثالثة من القرن الرابع عشر. وصدرت الطبعة الأولى قبل انصرام القرن السادس عشر بثلاث سنوات. ولقد قال «فلوبيرت» أن «فيرجيليو» قد صور المرأة العاشقة بينما صور شكسبير الفتاة العاشقة وأن ما عداهما من العاشقات المخلدات في الآداب العالمية فنسخ متفاوتة في البعد عن الصدق في الإبداع والإجادة. وأقبل كتاب الدراما في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا على موضوع المأساة فاقتبسوا منه لأعمالهم المسرحية على عهد شكسبير نفسه.
وما إن صدرت هذه المأساة الغرامية حتى أقبلت إنجلترا على عهد الفن المسرحي وآثرته على غيره، ويقال أن الملكة قد حفظت عن ظهر قلب مقطوعات مطولة منها. أما نساء الطبقة المترفة فقد جعلن يقتفين أثر «جولييتا» في زيها ورقصتها وطيبها جميعا.
وأما «أعمال الحب الضائعة» فإنها تتضمن تلميحات إلى الحرب الأهلية بفرنسا وتبين عمق إحاطة شكسبير بالحياة اللندنية وبعادات مختلف طبقاتها الاجتماعية وأعرافها، كما أنها تظهرنا على التشابه الموجود في الأخيلة والصور مع الموشحات وإيثارة للجمال الأسمر. وقد تجلى تأثير «أوفيديو» في شكسبير في «اغتصاب لوقريشيا» و«فينوسوأدرونيس» بصورة خاصة، ويمكن أن نقول أن «أعمال الحب الضائعة» هي من أحسن الكوميديات اللطيفة الرقيقة التي كتبها الشاعر. وتتعرض «مسلاة الهفوات» نفسها للحرب الأهلية بفرنسا، وهي أقصر ما كتب شكسبير.
ولقد أثارت نسبة الأقسام الثلاثة لمسرحية «هنري السادس» إلى شكسبير مشكلة أدبية عميقة، إذ قال بعض النقاد أنها ليست من عمله ولو أنها تتميز ببعض خصائصه وأنه لم يزد على إدخال بعض التعديلات على إنتاج غيره. إلا أن الممثلين الذين كانوا على صلة وثيقة بشكسبير والذين يرجع الفضل في المحافظة على نتاجه الخالد ما كان لهم أن يخطئوا كل هذا الخطأ الكبير الخطير. والشيء المحقق هو أن «هنري السادس» تقصر عما عداها من المؤلفات في هذا الباب.
واهتم شكسبير بوصف حرب الوردتين والفظائع التي اتصفت بها. ومن المرجح أنه بالغ في تصوير غلظة ريشارد الثالث وقسوته، إلا أن أسلوبه في هذه المسرحية العنيفة كان واضحا بينا حيث شرع في الاستغناء عن القافية. وتعتبر مسرحيته حول هذا الملك من أعجب إنتاجه في ميدان المأساة، حتى أنه استقر في أذهان الناس كما وصفه لا كما في حقيقة أمره وسيرته.
ثم كتب «فينوس وأدونيس» فبرهن على انه من أكبر كتاب الشعر الغنائي في المسرح بالعالم كله. كما كتب «اغتصاب لوقريشيا» عندما انتشر الطاعون في لندن فأمرت السلطات بإقفال المسارح. وتكثر التأملات الأخلاقية في هذه المسرحية بحيث نرى فيها أن كاتب المسرح قد تغلب على كاتب الشعر الغنائي. وكان «أدموند سبتسر» أكبر شعراء ذلك العصر فوصف شكسبير بـ «النسر»، محييا التحاقه بدنيا الشعراء. ومن الجدير بالملاحظة أن النقاد المعاصرين لشكسبير قد أجمعوا على الإشادة بإنتاجه الشعري وانتقصوا أعماله المسرحية.
وكانت روح العداء لليهود منتشرة في إنجلترا خلال أعوام الأخيرة من القرن السادس عشر، فلقد اتهم الطبيب اليهودي «طايبرن» طبيب الملكة إيلزابث بمحاولة تسميمها تنفيذا لتعليمات عملاء «فيليبي الثاني» ملك إسبانيا فأعدم. ولعل هذا الجو هو الذي دفع شكسبير إلى كتابة «تاجر البندقية»، وهي تعتبر مع «ريشارد الثالث» لا مجرد نموذج لعنف المشاعر وتعقيد الدسائس والحيل فحسب، بل لقوة الوصف وصدق التصوير لمختلف الأدوار المشخصة. كما أنها تعتبر في طليعة أعماله الخالدة، إذ يقول النقاد أنه ربما لا يوجد تصوير أدق من تصوير شكسبير لشخص «شيلوخ». أما الفكرة التي تدور عليها المسرحية فهي أن الحق الواضح البين يستحيل إلى ظلم مثير عندما يصل أبعد مداه فيغزو مجال الحقوق الأخرى. ومن مميزات هذه المسرحية أنها تطفح بجو الشباب والتفاؤل وبوصفها المتقن الجامع لإيطاليا.
وندخل الآن في مرحلة نضج النابغة الذي رأى آمال الشباب تتبخر فجعل يصطلي بنار الألم. فمآسي «يوليوس قيصر» و«هاملت» و«ماكيث» عميقة في حزنها عمقا كبيرا. ولقد قال عنها بعض النقاد أنها نقلت الحقيقة التاريخية إلى خشبة المسرح بعد أن حولتها إلى حقيقة شعرية. فأما «هاملت» فتستند قصتها على حكاية قديمة شائعة بين سكان جزيرة إسلندة.
ولا يمكننا بأي حال أن نغفل عن قصائد(5(شكسبير في هذا الباب، فإن ذكرها لأول مرة يرجع إلى عام ثمانية وتسعين وخمسمائة وألف ثم إنها (وعددها مائة وست وخمسون) مفتاح إلى قلب الشاعر الذي انبعثت في لسانه الحلو روح «أوفيديو» الوديعة. ويمكن أن نقول أن تلك القصائد ذات طابع شخصي خاص لأن موضوعها يتناول الصداقة العاطفية الشديدة التي أحس بها نحو شاب من بيت شريف وذي جمال فنان رائع. كما يتحدث فيها عن هيامه بغادة سمراء قبل أن ينتهي إلى مراودتها للشاب ووقوعه في حبها. ولكل تلك القصائد قيمة شعرية كبرى، كما أنها تتضمن مشكلات تاريخية ونفسية كانت موضوع الدراسة والتحقيق عند كبار النقاد الإنجليزيين والألمانيين والفرنسيين على السواء، وعلينا أن نقول أن القصائد والمائة والست والعشرين الأولى موقوفة على الصديق بينما الباقي مقصور على الغادة السمراء. ويقول النقاد أن الشاعر ربما أسرف في وصف عاطفته الجامحة إسراف شكليا دون أن يكون في خوارق الجنون وأعماق التفكير الشعري الصائب. وإجادة التعبير عن الشرف المهان والانتقام له قد جعلت هذه المأساة التي جرت حوادثها قبل ميلاد المسيح بقرنين تحيط اسم شكسبير بالشهرة الكبرى. وإذا كانت مسرحية «عطيل» تفوقها في القوة و«ماكبث» ترجح عليها في العمل الدراماتيكي و«روميو وجولييتا» تغلب عليها في ميدان الفن المسرحي ومتانة الخطاب فإنه لا يوجد في هذه المسرحيات كلها دور واحد يمكن أن يقارن مع دور «هاملت» في العظمة الأدبية والقوة الفلسفية.
أما «طرويلو وكريسيدا» فتجري حوادثها خلال حرب طروادة، حيث يشخص الأول دور العاشق المخلص وتمثل الثانية دور المحبوبة الغادرة. وإذا كانت في خيالها شبيهة بمأساة روميو وجولييتا فإن تفكيرها مقارب في عمقه لتفكير «الملك ليهار».
وأما «عطيل» فقد عرضت لأول مرة في الحفلة التي أقيمت في قصر «البهو الأبيض» بمناسبة تتويج «يعقوب الأول» ملكا على البلاد، ولم تنشر هذه المسرحية إلا سنة 1622 أي بعد وفاة مؤلفها بستة أعوام. ولعلها المأساة الكاملة الحديثة بالنسبة إلى المآسي التي شخصها النابغة.
وتعتبر «ماكبث» مأساة الطمع، وهي تفوق «هاملت» و«الملك ليهار» باعتبار طول النفس الدراماتيكي وقوته، بحيث يمكن القول أنها لمأساة الشكسبيرية الكبرى. فلقد نظر الكاتب إلى الإنسان بعواطفه قبل أن ينظر إلى غيره من الأشياء. وبطل هذه المأساة التي لا مثيل لها شخص حقيقي يحدثنا عنه تاريخ اسكتلندة ويصف لنا اغتصابه للحكم والجرائم التي ارتكبها. ولقد سلك في كتابة هذه المأساة منهج الظواهر المتناقصة بصورة أعنف بكثير مما نراه في غيرها. فالأشخاص يتحركون على جرف الهاوية. والمأساة عبارة عن صراع مستمر بين الحياة والموت. فكل عاطفة تثير الشعور المضاد لها، وهي أثمن كنز يدخره الأدب الإنجليزي في ميدان الدراما، كما أنها تذكرنا كثيرا بشعر «اسكيلوس»، ولن يوفيها الإنسان حقها من الثناء مهما أطنب.
أما مسرحية «الملك ليهار» فيعتبرها «شيللي» أكمل نموذج موجود في العالم لفن الدراما ويراها معجزة أخرى من معجزات النابغة المعجز.
وكل ما أرجو هو أن تكون هذه الصفحات قد أحاطت إحاطة ولو يسيرة بترجمة نابغة الأدب الإنجليزي وإنتاجه الخالد وساعدت على تقريبه من بعض القلوب والعقول جميعا.

(1) ولد «ميغيل دي تيرفانطيس» بقلعة هنارس شمال مدريد سنة سبع وأربعين وخمسمائة وألف، وتوفي يوم 23 أبريل سنة 1616 أي قيل عشرة أيام من وفاة شكسبير، والفرق الزمني راجع إلى الاختلاف بين التقويمين القديم والجديد.
(2) لاسم «شيك ـ سبير» باللغة الإنجليزية مدلول تمكن ترجمته بمحرك الرمح.
(3) راجعت تراجم عديدة للكاتب المسرحي الفذ والشاعر الفحل واعتمدت كتبا شتى مستعينا بها على تحرير هذا البحث، وفي طليعتها «نظرة حول شكسبير» لصاحبه Derek Traversi ومجموعة تأليفه التي ترجمت كاملة للمرة الأولى إلى اللغة الإسبانية سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف بفضل اجتهاد الأستاذ الكبير «لويس استرانا مارين» Luis Astrana Marin الذي حلى ترجمته الأمينة البليغة بمقدمة مطولة في ترجمة النابغة ودراسة كتبه القيمة دراسة عميقة جامعة في مائة وعشرين صفحة.
وتقضي الأمانة الأدبية على بأن أثبت اعتمادي لمعظم آرائه وملحوظاته ضمن ما أوردت من مميزات إنتاجه.
(4) نقلت بعض مؤلفات شكسبير إلى اللغة العربية كمأساة «روميو جولييتا» و«تاجر البندقية» و«ترويض الشرسة» (النمرة في الترجمة العربية)...  و«كما تهواه» و«هاملت» وغيرها. كما صدرت بعض تأليفه مترجمة ترجمة مختصرة ومتفاوتة بين التشويه والإتقان ضمن بعض سلسلات الكتب الدورية (راجع للكاتب مقال «البتر والتحريف في الترجمات العربية» المنشور بمجلة «الأنوار» سنة 1951).
وكل رجائي بهذه المناسبة أن تنعم لغتنا في القريب بحول الله بترجمة أمينة بليغة لنتاج شكسبير وأمثاله من الأعلام الشوامخ الخالدين تكون ثمرة تضفر الجهود بين رجال الفكر في عالم العروبة.
(5) جعل لفظ SONNET بالجمع عنوانا جامعا لكل هذه القصائد، وهو مشتق كمقابله في كل من اللغة الفرنسية والإسبانية والإيطالية من الكلمة اللاتينية SONUS التي معناها الصوت.
أما في المدلول الأدبي فيطلق في الشعر الغنائي على القصيدة القصيرة التي تتألف من أربعة عشر بيتا، والتي تنقم إلى المقطوعتين رباعيتين ثلاثيتين، تراعي القافية على الخصوص بين البيتين الأول والرابع في الرباعيتين.
أما في الأدب الفرنسي فقد اشتهر «رونزارد» بهذه القصائد القصيرة البديعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here