islamaumaroc

طابع التغريب في الأدب العربي المعاصر

  دعوة الحق

69 العدد

ليس من الغريب أن يتأثر الأدب العربي المعاصر بالآداب الأوربية في الأسلوب والمضمون إلى حد كبير، ولكن الذي يلفت النظر ويستثير الانتباه هو ذلك الطابع الواضح من التغريب، ومحاولة القضاء على القيم الأساسية للفكر العربي الإسلامي ومسخها أو السخرية منها أو هدمها لإحلال قيم أخرى بدلا منها، لقد كان الإحساس الغامر في فترة ما بين الحربين هو الشعور بالتخلف عن الغرب، وكان التطلع إلى الحرية والاستقلال مشوبا بالرغبة إلى السبق في كل ميدان حتى نصل إلى درجة الغرب فنقف في صفه، وبذلك تتحطم نظريته في الوصاية والحماية التي يحاول أن يتعلل بها من أجل البقاء في أرضنا.
غير أن الوسائل في الوصول إلى درجة الغرب في الحضارة كانت تضل الطريق أحيانا في نظر بعض الباحثين الأدباء الذين كانوا يعتقدون أننا لا نستطيع أن نحقق الحرية والقوة وبلوغ درجة التساوي مع الأمم الغالبة إلا بنقل الحضارة والثقافة الغربيتين نقلا كاملا، وإنكار كل صلات الماضي ومقومات كياننا الأصلي من ناحية اللغة والتاريخ والدين والفكر، فهناك الحديث عن أن المصريين أمة غربية وليست شرقية أو أننا من أمم البحر الأبيض المتوسط لا صلة لنا بإفريقيا ولا بآسيا، ومن هنا فلا بد أن نذهب مع هذه الحقيقة إلى غايتها فنتنكر تنكرا كاملا للشرق وننضم إلى أوربا في منظماتها ونزدري أدبنا القديم، فهو أدب القرون الوسطى، والدين فهو خرافة، ومن أجل هذا يجب أن نقبل على النظريات الغربية ونؤمن بها ونشك كل الشك في كل ما يتصل بماضينا فلا نصدق ما فيه من بطولات أو قيم، وإنها بطولات لا قيمة لها في عالمنا الجديد، أما القيم فإنها قيم الصحراء.
وإن التحقيق العلمي يحتم علينا أن لا نصور التاريخ بصورة الحماسة والعاطفة، وأن علينا أن نتخلى عن مشاعرنا الخاصة حين النظر في هذا التاريخ.
ويتصل هذا بآراء المتعصبين من المغتربين الأوربيين، فالعرب والشرق هم من الجنس السامي المعروف بعمق الفكر والاهتمام بالتفصيلات دون النظر إلى الأمور ككل.
ويجري مع هذا احتقار الدعوة إلى الوحدة والإعلان في قوة عن نزعات تمزيق الكيان، كالفرعونية في مصر، والفينيقية في الشام، والآشورية في العراق، والبربرية في المغرب.
ثم إن العرب مدينون لليونان، وإن فكرهم الفلسفي مأخوذ عن آثار اليونان، وإن عصر الأمويين عصر شك ومجون، وهكذا، وفي مجال التربية كانت الدعوة دائما آراء (ديوي) التي تفصل الدين عن المدرسة. كان هذا التيار كله عنيفا ومثيرا، ربما كان دافعه كسب الشهرة ومغايظة الجماهير، وربما كان وراءه هدف كبير من خلق جو فكري مضطرب شاك، وفي الأغلب كان كبار الكتاب يرضخون لآراء المستشرقين، وكان في صدر هؤلاء الدعاة طه حسين ومحمود عزمي وسلامة موسى وأحمد أمين وإسماعيل مظهر وحسين فوزي وزكي نجيب محمود.
ولكن هذه الحملة التغريبية لم تكن إلا شبهات وشكوكا لقيت كثيرا من المراجعة والمناقشة والمعارضة، ودارت من حولها المعارك الحامية، ثم تغير الرأي فيها من بعد بالنسبة للكتاب أنفسهم، فإن هيكل وإسماعيل مظهر ومنصور فهمي وزكي مبارك تحولوا عن آرائهم التغريبية، وتحول محمود عزمي عن الدعوة الفرعونية إلى الدعوة العربية.
بل إن النظريات التي اعتمد عليها كتاب التغريب واستوردوها من الغرب قد سقطت فعلا، فنظريات دارون وفرويد وماركس أصابها التحول والتغيير وألقيت عليها شبهات كثيرة، وتحول الجارون في تيار البحث عنها إلى آراء جديدة، وسقطت نظرية الجنس التي حملها دارون، كما سقطت نظرية الأجناس التي حملها جوبنيو، وأنكر العلماء بعد بحث مستفيض الفروق الجسمية والذهنية بين الساميين والآريين.
وتبين الدكتور منصور فهمي أنه خدع حين استسلم لآراء أستاذه الباحث اليهودي في نظريته عن تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وعاد طه حسين وسلامة موسى يجريان في ركب القومية العربية بعد أن هاجماها بشدة، وثبت كذب الصراع بين العلم والدين، ولم يصدق القول بأن العصر الأموي عصر شك ومجون، وأن الاعتماد في دراسة عصر كامل على بعض الشعراء الهازلين لا يمكن أن يعطي صورة هذا العصر، وتحطمت كل أعمال التنكر لعظمة التاريخ العربي والتراث العربي، بعد اكتشف دعاة التغريب بأن كتابا غربيين منصفين - غير خدام للاستعمار- قد أعلنوا رأيهم في تقدير هذا التاريخ وهذه البطولات وتقييمها على أساس علمي صحيح.
وفشلت الدعوة إلى الأسلوب العلمي في البحث بعدما تخطاه دعاة التغريب أنفسهم فأعلنوا حماستهم وتعصبهم في مهاجمة القرآن والإسلام والعروبة والتاريخ العربي واللغة العربية.
وعندما تكتشف أن كثيرا من المستشرقين المتعصبين كانوا يفرضون الفروض ويبحثون لها عن أسانيد ودلائل من عبارات مقتضبة من القرآن أو الحديث أو المصادر القديمة.
وانكشف أيضا مدى التغريبية في إنكار فضل العرب على الحضارة وفضل المصريين على اليونان.
وهوجمت بعنف الدعوة إلى ترجمة القصص الإباحية بالإضافة إلى قصص الشعراء المجان في العصر الأموي والعباسي، وفي هذا يقول رجل من زعماء المدرسة الحديثة هو المازني: للقارئ أن يتساءل لماذا يؤثر الدكتور طه حسين نحوا آخر من أنحاء الأدب العربي وليس هذا كله ما فيه ولا هو خبره؟ لماذا عني على وجه الخصوص بقصص الزناة والزواني - كما يقول هو « بين العواطف والشعور من جهة وبين العقل من جهة أخرى، وبين العواطف والشعور الفردية من ناحية وبين القانون والأوضاع الاجتماعية من ناحية أخرى، وبين العواطف وبين الواجب، وبين العقل وبين الدين، ثم بين القانون وبين الدين أيضا؟ ألا ترى أن صنيعه في اختيار هذه القصص كصنيعه في اختيار من كتب عنهم من العباسيين؟ فكما أنه ترك أبا تمام والبحتري والشريف ومهيارا والمتنبي والمعري من فحول شعراء العرب وفضلائهم ووقع على أهل المجون والخلاعة والاستهتاك، كذلك لم ينتق من كنوز الأدب العربي إلا هذه القصص الحافلة بضروب الآثام والمنكرات».
إنه ما من عصر يمكن أن يكون له جانب واحد يريد أن يصور لنا العصر العباسي وإنه لم يخل زمن قديم أو حديث من مثل ما يضيف الدكتور.
وقد صور مستر جب في دراسته «عن الأدب المصري» (فبراير 1930 - السياسة الأسبوعية) افتتان الكتاب والقراء بتيارات معينة في الأدب الفرنسي لا بالأدب الفرنسي في جملته، صلة وثيقة بين روح الأدب العربي وآثار مذهب الرومانستزم إذا تصورنا الثمرة التي قد يؤدي إلى إنتاجها التلقيح بهذه العناصر السلبية والمتشككة في الثقافة الفرنسية الحديثة، فإن المرء لا يسعه إلا أن يشاطر المحافظين خوفهم من أن يكون (التخريب) هو كل ما تقضي به الدراسات الأوربية
                                                   * * *
وقد جرت الدعوة إلى نسيان القومية والدين كشرط أساسي من شروط البحث العلمي، ويرد على هذا الدكتور محمد أحمد الغمراوي فيقول: «إن الباحث يستطيع أن يراعي الدقة العلمية التامة في البحث وهو متذكر دينه كل التذكر، ويعتقد صحته كل الاعتقاد، غير مجوز على قرآنه خطأ  أو على توراته، بل إن التدين الصحيح يزيد الباحث المخلص إذا أمكن حرصا على الحق واستمساكا به إذا وصل إليه، إن التدين الصحيح والعلم الصحيح ممكن اجتماعهما إذن، وكثيرا ما اجتمعا، كما أن العاطفة العلمية القوية والعاطفة الدينية القوية لا تتعارضان بل تتضافران في خدمة العلم».
                                                   * * *
وفي مجال كتابة السيرة ظهرت الدعوة التغريبية واضحة، فطه حسين الذي هاجم الشعر الجاهلي وأعلن شكه ورميه في كثير من الوقائع والحقائق الواضحة في التوراة والقرآن، يتطور بعد سنوات من هذا الرأي إلى كتابة "هامش السيرة" محييا بها أخبار وأحاديث وصفها بأن العقل لا يطمئن إليها ولا المنطق، وقد وسع على نفسه في القصص ومنحها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث.
وقد اعترض الدكتور هيكل في اتخاذ النبي وعصره مادة لأدب الأسطورة، وأشار إلى ما اتصل بسيرة النبي ساعة مولده وما روي لما حدث له من إسرائيليات روجت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لهذا وما إليه يجب في رأيي أن لا يتخذ مادة لأدب الأسطورة، فإنما يتخذ من التاريخ وأقاصيصه مادة لهذا الأدب ما اندثر أو ما هو في حكم المندثر وما لا يترك صدقه أو كذبه في حياة النفوس والعقائد أثرا ما، والنبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وعصره يتصل بحياة ملايين المسلمين جميعا، بل فلذة من هذه الحياة، ومن أعز فلذاتها عليها وأكبرها أثرا في توجيهها، وطه يعلم أكثر مما أعلم أن هذه الإسرائيليات إنما أريد بها إقامة أساطير ميثولوجية إسلامية لإفساد العقول والقلوب من سواد الشعب، ولتشكيك المستنيرين ودفع الريبة إلى نفوسهم في شأن الإسلام ونبيه، وقد كانت هذه غاية الأساطير التي وضعت عن الأديان الأخرى، ومن أجل ذلك ارتفعت صيحة المصلحين الدينيين في مختلف العصور لتطهير العقائد من هذه الأوهام.
ويمكن القول بأن القضايا التي واجهتها دعوة التغريب هي الإسلام وتاريخه وأصوله، القومية العربية، اللغة العربية، إنكار فضل العرب على الحضارة، اتهام العقل العربي، نظرية الجنس والكشف في الأدب، نظرية الأجناس، معركة الحروف اللاتينية، معركة الفرعونية والفينيقية، إنكار فضل المصريين على اليونان، تحريف السيرة والبطولة وتشكيك في القرآن وتاريخ الرسول صلى عليه وسلم، إذاعة دعوة الأدب للأدب، قصة الذهاب إلى آخر الخط مع الحضارة، اتهام الدين ومعركته مع العلم.
وقد كانت هذه الدعوات متصلة في العالم العربي كله في خلال الفترة التي نؤرخها ومنذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى أوائل الحرب العالمية الثانية، ونستطيع أن نؤكد أن كل نظرية من هذه النظريات قد واجهتها مراجعة علمية صحيحة مدعمة بالبيانات والأسانيد، وأن الشكوك التي بعثتها هذه النظريات قد تبددت، وأن عددا من المثقفين قد تحول عن آرائهم، وأن عددا من كتاب الغرب كان هدفه العلم والعلم وحده وأعلن رأيه الحق، ومن هنا اهتزت الدعوة وأصابها التخلخل.
ولا يمنع هذا من الإشارة بأن كثيرا من دعاة التغريب قد تحول عن آرائه تحت حكم الظروف والتطورات السياسية، ولكن بعض هؤلاء لم يزل مصمما على رأيه ولم يزل يقف في صف التغريب.
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here