islamaumaroc

اللامعقول ونقاد القاهرة

  دعوة الحق

69 العدد

في أعقاب شهر رمضان المبارك، ومن نفس الصديق الذي سبق أن رددت على رسالته النقدية في أحد أعداد المجلة(1)، وصلني خطاب تهنئة بالعيد ضمنه سؤالا يستفسر فيه عن اللامعقول، هذا نصه: «... وبهذه المناسبة أرجو أن تحدثني عن تيار اللامعقول الذي لا أتبين معالمه على كثرة ما أسمع عنه وعن الفضيحة التي سببها لبعض الكتاب في مصر...»
والسؤال ذو شقين، أحدهما عن مفهوم اللامعقول وخصائصه، والثاني عن فضيحة النقاد.
أما عن الشق الأول، فيلزم أن نعود قليلا إلى الوراء عسى أن نجد في أصول اللامعقول ما يكشف لنا بعض الغموض الذي يحيط به ويحول دون وضوح ملامحه ومعناه.
واللامعقول ذو طابع تجريدي، والتجريدية جاءت في أعقاب الرمزية والتعبيرية، وهي تهدف إلى إبراز الخطوط الواصلة بين الأشياء لا نقلها أو تصويرها كما هي في الواقع، وترتكز في ذلك على وقع هذه الأشياء في نفس الفنان ومدى آثارها عليه، ومن التجريدية تفرعت حركة أخرى هي السريالية، حادت عن نطاق الواقع المألوف، وتركت أصول المنطق والعقل. وقد كان نشوب الحرب العالمية أكبر مؤثر على نفوس الذين تحللوا من هذه الأصول وثاروا على القيم الأخلاقية والاجتماعية والفنية بعد أن تبين لهم عجزها عن صون كيان الإنسان وحفظ كرامته وحريته. كذلك كانت الدراسات النفسية التي كشف بها فرويد سلطان العقل الباطن وتحكمه في تحديد القيم وتكييف المفاهيم دافعا قويا إلى الغور في أعماق النفس الإنسانية ومحاولة كبح جماحها وبالتالي إبعاد كثير من الآفات التي كرث بها الإنسان والتي هي وليدة فكره وعقله، وإذن فلا سبيل غير التنقيب في اللاوعي واللاشعور والغوص في أعماق النفس الإنسانية وما يكتنفها من غموض واضطراب بعيدا عن قيود العقل والقيم السائدة.
من هنا نصل إلى اللامعقول، فهو تصوير للإنسان القلق الضائع الذي لا يعرف مصيره ولا يفهم وضعه في خضم الحياة الجارف، بل لا يرى فائدة في فهم هذا الوضع أو معرفة ذاك المصير، فهو أبدا يائس من تخليص نفسه عاجز عن محاولة كشف علل أدوائها وعن القيام بأي شيء من شأنه أن يساعده على ذلك.
وأدب اللامعقول حلقة من سلسلة ثورات على المفهوم التقليدي للأدب والفن والدعوة إلى التحرر من قواعد الفن الدرامي ومقوماته المعروفة، فكتاب مسرح اللامعقول يعتمدون على الحوار الداخلي الذي يكشف النقاب عن الآثار التي رسبت من تجارب الحياة في لاوعي الشخصيات، فتبدو كل شخصية مستقلة بذاتها، وتنشأ علاقات لا تلتقي إلا لتستوقف المشاهدين وتتركهم يتأملون هذه الرواسب والتجارب وبالتالي يتأملون وضع الإنسان وضيقه ومصيره، ففي مسرحية «الكراسي» مثلا، أو «الخطيب» كما كان يريد أن يسميها مؤلفها يوجين أونسكو، نرى على المسرح زوجين عجوزين عانيا من الحياة ما دفعهما إلى اعتزال الناس في حجرة خيالية تحوط بها المياه من كل جانب حيث يجلس الزوج إلى زوجته يحكي لها حكاية يكررها أبدا دون أن تمل هذا التكرار، ينتهي منها إلى أنه يتيم في هذه الدنيا وأنه يجد صعوبة في التعبير عن نفسه، ومع ذلك لا بد أن يقول كل شيء وأن يؤدي رسالته، ولكن الصعوبة التي يجدها في التعبير تحول دون القول ودون تأدية هذه الرسالة، فهو لذلك ينيب عنه خطيبا لتبليغها، وفي انتظار وصول الخطيب تذكره الزوجة بولده الذي هرب من البيت طفلا صغيرا وكان قد نسيه، كما يتذكر والدته التي تركها تحتضر وحيدة، ثم يبدأ الناس الذين دعاهم - ومن بينهم الإمبراطور - يتوافدون على المكان، وهم شخصيات لا مرئية يجلسون على كراسي حقيقية صفت على خشبة المسرح. ويتأخر الخطيب فيدور حوار غير منظم بين الزوجين ثم لا يلبثان أن يلقيا بنفسيهما من النافذة وينتحران، وأخيرا يحضر الخطيب ليشرح الرسالة فلا يفوه بحرف واحد لأنه أصم أبكم. فالمسرحية كما يبدو من هذا العرض الموجز تعبير عن الفراغ المجسم في كل شيء وعن عدم الوجود الممثل في الشخصيات التي لا يعني وجودها غير عدم الوجود سواء كانت مرئية أو لا مرئية، إذ أن الأشخاص الثلاثة الذين نراهم على المسرح غير موجودين في الواقع، فالعجوزان يقولان كلاما تافها والخطيب لا يفوه بشيء، فهو مثل الشخصيات التي ترى غير موجود وإن أظهره المؤلف بصفته آخر من يبقى على المسرح.
ويرى بعض النقاد أن موجة اللامعقول هذه ليست غير ثورة عابرة وتمرد وقتي لن يلبث الفن بعدها أن يعود إلى ما كان عليه، ويرى آخرون أنها تطور لا بد للمسرح منه خاصة وقد أخذت السينما والتلفزيون بإمكانياتهما وطابعهما ينافسانه ويطغيان عليه، ويذهب هؤلاء إلى أن قيمة مسرح العبث أو اللامعقول - على عكس المسرح الواقعي التقليدي الذي ينقل للجماهير صورا من الحياة - ليست في هذه الصور ولا فيما تفهمه هذه الجماهير وإنما قيمته في نفسه بمعنى أنه غاية في ذاته.
وصل تيار اللامعقول للقاهرة فقدم «مسرح الجيب» مسرحيتين هما «نهاية اللعبة» لصمويل بيكيت و«الكراسي» ليوجين أونسكو، وانقسم النقاد طائفتين، إحداهما تجاوبت معه وناصرته ووجدت فيه متنفسا لحاجياتها المكبوتة، والثانية ذهبت إلى أنه شاذ وتافه لن يتفاهم معه غير بعض المرضى المصابين بداء العجز والضياع، ومن هؤلاء من أطلق عليه «المسرح اللامسؤول»، ورأى أنه إذا نجح هذا اللون من الأدب في بعض بلاد أوربا وخاصة في فرنسا حيث آثار الحرب والصراع الفكري والطبقي وحيث الجمهور واع والفنان يقدر عمله ويتحمل وحده مسؤوليته، فإنه لن ينجح في بلد نام لا زالت جماهيره متخلفة وفي حاجة إلى من يوجهها ويضع لها تخطيطات إيجابية للنهوض بمستواها الثقافي والفكري، وإن مناصرة هذا اللون معناه التخلي عن مسؤولية البناء، بل معناها العمل على عرقلة هذه التخطيطات التي لن تتحقق إلا بتجنيد كافة المثقفين.
وأما فضيحة النقاد فأثارها محرر بمجلة الكواكب يدعى أحمد رجب حين كتب بقصد السخرية من اللامعقول مسرحية قصيرة على أسلوبه سماها «الهواء الأسود»، واطلع على المسرحية أديب كبير فظنها مترجمة وأعجب بها ورآها مثلا عاليا في الأدب الدرامي لا مجال لمقارنتها بأعمال الروائيين المحليين، ودهش المؤلف لهذا التقدير الذي أوحى له بفكرة أخرى غير السخرية من مسرح اللامعقول، هي عرض المسرحية على مجموعة من النقاد على اعتبار أنها مترجمة عن كاتب سويسري يدعى فريديك دورينمات، والنظر فيما يبدون من آراء قصد اختبار نزاهتهم في النقد وأمانتهم في تطبيق المقاييس العلمية، وعرضت المسرحية فعلا على أربعة نقاد من بينهم الدكتور عبد القادر القط، فأجمعوا على أنها تحفة في العمق والجمال وآية في الفن الدرامي الرفيع وأنها درس للمؤلفين المحليين وإضافة يعتز بها التراث المسرحي العربي، وكتبوا يعبرون عن هذا الإعجاب وعن تقديرهم لعبقرية الروائي العظيم دورينمات، فوقعوا في الفخ وكانت الفضيحة.
فقد وقف المؤلف مشدوها أمام هذا النقد الزائف وكشف حقيقة المسرحية واعترف بتفاهتها وأنه كتبها واخترع لها مؤلفا سماه دورينمات، وزاد فاتهم النقاد بالجهل والتدجيل وأنهم مصابون «بعقدة الخواجة»  (والخواجة اصطلاح في مصر على الأجنبي)، وأنهم أعجبوا بالمسرحية لمجرد ظنهم أن كاتبها أجنبي وأنهم لا يستطيعون التمييز بين الجيد والرديء وبين الفن الصحيح والتقليد الزائف.
وكتب الدكتور القط يرد على هذه التهم فقال بأن الذين تلقفوا هذه الفضيحة ليتندروا بها لم يكلفوا نفسهم عناء قراءة المسرحية وأنهم لو قرأوها لوجدوا فيها من الجو الشاعري والرموز المعبرة، والعبارات المحكمة الصياغة ما يجعلها مسرحية متكاملة في لون اللامعقول، ولم يكتنف الناقد بهذا، بل زعم أن المؤلف سرق المسرحية من مجلة إنجليزية مترجمة عن الألمانية، واستند في زعمه إلى اسم «كيبل» بطل المسرحية حيث ذهب إلى أن الاسم محرف من الاسم الألماني «كوبليه».
ودحض المؤلف مزاعم الدكتور القط، فبين أنه حين اختار اسم فريديريك دورينمات ليضعه على المسرحية، كان يعرف أنه اسم شائع في القطاع الألماني لسويسرا وأنه لذلك فكر في أن تكون أسماء أبطاله من نفس البيئة، فلجأ إلى طالب مصري - ذكر اسمه ونشر صورته وعنوانه - عاش في تلك المنطقة ليطلعه على أسماء مميزة لها، وزاد المؤلف فطلب من الناقد أن يستخرج له الأصل الأجنبي للمسرحية مقابل عشرة آلاف جنيه، وأعلنت مجلة الكواكب(2)، وكان رئيس تحريرها شريكا للمؤلف في المؤامرة، أنها رصدت هذه الجائزة لكل من يثبت أن مسرحية "الهواء الأسود" منقولة عن أصل أجنبي وأنها تتعهد بدفع هذه الجائزة الكبرى لكل من يأتي بالأصل الأجنبي لهذه المسرحية سواء كان منشورا في صحيفة أو مجلة بأي لغة من اللغات، أو كان منشورا في كتاب لأي كاتب من الكتاب الأجانب شريطة أن يكون قد كتب "الهواء الأسود" بنفس الفكرة ونفس عبارات الحوار ونفس أسماء الأبطال، وأهابت المجلة بالدكتور القط أن يسعى لنيل هذه الجائزة بعد أن أعلن أن المؤلف قد نقل المسرحية من مجلة إنجليزية.
أمام هذا التحدي وقف حمار الناقد وصحبه وبدأوا في التراجع وأخذوا يثبتون بالأمثلة والبراهين أن الناقد قد ينخدع فيحكم على أثر مزيف بما لا يستحق، وأنه إذا كان العقاد قد انطلت عليه أبيات مزيفة باسم ابن الرومي، وإذا كانت بعض أعمال شكسبير غير موثوق بنسبتها إليه، فإنه لا يعنيهم مطلقا أن تنطلي عليهم حيلة كحيلة "الهواء الأسود".
وجاء الكاتب صلاح حافظ يقف بعد ذلك بين الخصوم ويضع الفضيحة في الميزان، فكتب في مجلة آخر ساعة(3) يرى أن القط ورفاقه من خيرة النقاد الدارسين أصحاب المقاييس العلمية، وأنه ليس من الممكن اتهامهم بالجهل ولا من مصلحة المسرح والثقافة في مصر تشويه كفاءتهم أو قدرتهم بوضعهم هذا الموضع الساخر السخيف، وذهب الناقد الوسيط إلى أن هؤلاء النقاد لم يصفقوا للهواء الأسود لأنها حملت اسما أجنبيا ولكن لأنها من طراز اللامعقول وهم من طراز هذه المدرسة، وأنهم لم يصفقوا للهواء الأسود أيضا لأنهم جاهلون بالمقاييس العلمية لفنون المسرح، وإنما صفقوا لأن مدرسة اللامعقول نفسها لا تخضع للمقاييس العلمية ولا يمكن في ضبابها أن يتضح للعالم أو غيره مواطن الحق والباطل والعبث والفن. ولولا أن النقاد الأربعة متحمسون للامعقول وأن هذا اللامعقول غير ملائم للمقاييس، لما كان ممكنا أن يخطئوا الحكم جميعا وفي وقت واحد بشأن عمل واحد ثبت أنه زائف وتافه.
وبعد، فليست هذه الفضيحة سوى صورة لصراع قائم بين الشباب والشيوخ سبق أن تمثل في حملات شنها الجيل الصاعد من النقاد بقصد تطهير الوسط الفني والأدبي من أولئك الذين يبيعون ضمائرهم ويتاجرون بالكلمة.
ولا شك أن نقاد "الهواء الأسود" وكثيرين غيرهم يخطئون في غير قليل من الأحكام التي يصدرونها ربما على كتابات لم يقرأوها، ولكنهم معذورون بعض الشيء، فاضطرارهم إلى كسب العيش وإلى المحافظة على مكانتهم في المجتمع تدفعهم إلى الإسراف في المجاملة والتملق والنفاق ولو على حساب القيم العلمية والمقاييس النقدية. ولعل السبب يرجع فيما يبدو إلى ضيق المجال الذي يفسح لهم وإلى عدم التقدير الذي يلاقونه من أوساط الأدب والأجهزة القائمة عليه، وإلى المنافسة التي يتعرضون لها من طرف النقاد التجار الذين اتخذوا الصحافة مجالا للمساومة على أقلامهم يبيعونها بأبخس الأثمان، لذلك فهم يلجأون إلى المترجمات - حتى ولو كانت مزيفة - يحاولون بنقدها إثبات وجودهم وفرض شخصيتهم، علما منهم أن جمهور القراء والأدباء يكبر الواردات الأجنبية - مهما كان نوعها أو مصدرها - وينظر إليها بتقدير وإعجاب على اعتبار أنها من الأدب العالمي الممتاز.
والحق أن قضية "الهواء الأسود" وضعت نقادا كبارا في الميزان، ولكنها في نفس الوقت، وبالنسبة إلى مصر، حكمت على اللامعقول وكشفت عن فشل تياره في التسرب إلى نفوس النقاد والأدباء والجماهير.
        
(1) العدد الثاني السنة السابعة.
(2) عدد 6  تاريخ 164-1963
(3) عدد 1486 ـ تاريخ 17-4-1963.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here