islamaumaroc

شواهد الانتحال في شعر المهلهل -1-

  دعوة الحق

69 العدد

سبق أن أتينا بشواهد الانتحال في شعر امرئ القيس، واقتصرنا منها على ما ورد في قصيدته «قفا نبك» كما اقتصرنا منها على ما كان الداعي فيها قرآنيا، ولهذا كان عنواننا «العناصر القرآنية في قصيدة قفا نبك».
أما الآن فنتناول شعر المهلهل، الذي تشبه قصته، إلى حد ما، قصة سهراب ورستم، الواردة في الشهنامة.
ودواعي الانتحال فيها، تختلف في جوهرها عن تلك الدواعي التي رأيناها في قصيدة امرئ القيس، حيث أن الانتحال هنا لم يكن له من داع، إلا الناحية الفنية في القصة، لسد ما كان فيها من فجوات، كان لا بد للشعر من أن يحمل عهدتها، ففعل...
(1)
والشعر الذي نسب إلى المهلهل، أو نسب المهلهل إليه، كما يقول الرواة، متفاوت في هذه «الهلهلة» لدرجة أن بعضه، بل جله يصل إلى حد الإسفاف، وأحسن قصيدة نجدها في ذلك الشعر، هي قصيدته التي مطلعها:
فلنلتمس شواهد هذا الانتحال في هذه القصيدة.
فالبيت الأول منها مأخوذ من مطلع قصيدة الخنساء في رثاء أخيها صخر:

قذى بعينيك أم بالعين عوار
كأن عيني لذكراه إذا خطرت

 

أم ذرفت إن خلت من أهلها الدار
فيض يسيل على الخدين كدرار

لقد اعترض الدارسون على قول المهلهل «أهاج»، بعدم وجوده في اللغة، بهذا المعنى، وإنما هو بمعنى أيبس، متعدى هاج الموجود مضارعه في الآية الكريمة: «كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا» فاعتبروا الجملة خبرية، حتى تتناسب مع «عيني».
والواقع أن الجملة طلبية استفهامية، بالهمزة المقدرة في مطلع الخنساء، ومد القذاء المقصور في هذا المطلع للضرورة، ويناسبه رواية التجريد في «عينيك» وإن كان يجانسه في السياق، قوله في البيت الثاني: وصار الليل مشتملا علينا، مما يحوجه إلى الالتفات.
وكون الدموع تنحدر على خديه، أشبه بشعر الخنساء ومثيلاتها، ممن يقبل منهن أن يفيض سيل الدموع على خدهن، أما مسعر الحروب، كالمهلهل الذي يقول:

وأبكي والنجوم مطلعات

 

كأن لم تحوها عني البحار

فبحار الدموع لا تقبل لا من مثل عائشة التيمورية التي تقول في رثاء ابنتها:

إن سال من غرب العيون بحور

 

فالدهر باغ والزمان غذور

أما المهلهل، فما أراه إلا متورطا في هذا، حيث أقحموه في شعر المرأة الخنساء، وما هو بقائل لهذا الشعر، إن كان له وجود، ثم يقول:

وبت أراقب الجوزاء حتى
أصرف مقلتي في أثر قوم

 

تقارب من أوائلها انحدار
تباينت البلاد بهم فغاروا

فهذا مأخوذ من قول الخنساء:

فبت ساهرة للنجم أرقبه
تبكي لصخر هي العبرى وقد ولهت

 

حتى أتى دون غور النجم أستار
ودونه ن جديد الترب أستار

ثم يقول:

دعوتك يا كليب فلم تجبني

 

وكيف يجيبني البلد القفار

إلى أن يقول:

ندى أوطان أروع ثم يشنه

 

ولم يحدث له في الناس عار

فهذا مأخوذ من قولها:

يا صخر وراد ماء قد تناذره

 

أهل الموارد ما في ورده عار

على أن قوله: «وكيف يجيبني البلد القفار» يناسبه أيضا قولها السابق: «ودونه من جديد الترب أستار».

ثم يقول:

أبت عيناي بعدك أن تكفا

 

كأن غضا القتاد لها شفار

وتقول الخنساء:

تبكي خناس فما تنفك ما عمرت

 

لها عليه رنين وهي مقتار

ويقول:

فلا تبعد فكل سف يلتقي

 

شعوبا يستدير بها المدار

وتقول الخنساء:

لا بد من ميتة في صرفها غير

 

والدهر في صرفه حول وأطوار

ويلاحظ على بيت المهلهل، أنه استعمل تعبيرا للنساء في قوله: «فلا تبعد» قال شاعرهم:

ما كان ينفعني مقال نسائهم

 

وقالت دون رجالها لا تبعد

فهذه العبارة تقولها ربة البيت لبعلها، حين يودعها مسافرا، وتظل هي في بيتها، ثم صارت تستعمل حتى في السفرة النهائية كما يلاحظ على قوله «يستدير بها المدار» تعبيرا علميا، أراد به أن يحل محل، «والدهر في صرفه حول وأطوار» فلا شك أنه متأخر عن هذا والنتيجة أن هذه الأبيات واضح فيها الأخذ من قصيدة الخنساء، وهو أخذ لم يتورع حتى في المعاني والتعبيرات النسوية.
وهناك قصيدة أخرى، نجد لها أثرا في قصيدة المهلهل هذه، وهي رائبة الأفوه الأودي التي مطلعها:

أن ترى رأسي فيه فزع

 

وشوأتي خلة فيه دوار

ففيها يقول مثلا:

بينما الناس على عليائها
إنما نعمة قوم متعة

 

إذ هووا في هوة منها فغاروا
وحياة المرء ثوب مستعار

فيقول المهلهل:

يعيش المرء عند بني أبيه
أرى طول الحياة وقد تولى

 

ويوشك أن يصير بحيث صاروا
كما قد يسلب الشيء المعار

ويقول الأفوه:

ترك الناس لنا أكتافهم

 

وتولوا لات لم يغن الفرار

فيقول المهلهل:

أتغدو يا كليب معي إذا ما

 

جبان القوم أنجاه الفرار

وإلى جانبي هذين فهناك أخذ من غيرهما في قصائد أخرى، مثل قوله في إحداهما:

نرمي الرماح بأيدينا فنوردها

 

بيضا ونصدرها حمرا أعاليها

فهذا مأخوذ من قول عمرو بن كلثوم:

بأنا نورد الرايات بيضا

 

ونصدرهن حمرا قد روينا

وقول في أخرى:

طفلة شتة المخلخل بيضا
فاذهبي ما إليك غير بعيد

 

ء لعوب لذيذة في العناق
لا يواتي العناق من في الوثاق

آخذا من قول الأعشى:

حرة طفلة الأنام ترتب
فاذهبي ما إليك أدركني الحلـ

 

سهاما تكفه بخلال
ـم عداني عن هيجكم أشغالي

وقوله:

حتى نلف كتيبة يكتبه
حتى نرى غررا تجر وجمة

 

ويحل أصرام على أصرام
وعظام روس هشمت بعظام

آخذا من قول الفرار السلمي:

وكتيبة لبستها بكتيبة
فتركتهم تقص الرماح ظهورهم

 

حتى إذا التبست نفضت لها يدي
من بين منعفر وآخر مسند

وقوله مرة أخرى:

ألا أبلغ بني بكر
بدأتم قومكم بالغد
كأجزى رهط جساس

رجالا من بني ذهل
ر والعدوان والقتل
كحذو النعل بالنعل

فهذه الأبيات مأخوذة من قول الفند الرماني:

صفحنا عن بني ذهل
فلما صرح الشر
ولم يبق سوى العدوا

 

وقلنا القوم إخوان
فأمسى وهو عريان
ن دناهم كما دانوا

ومثل قوله من أخرى:

بيس من عاش في الحياة شقيا

 

كاسف اللون هائما ملتاحا

آخذا من قول أبي نواس:

ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت من يعيش كئيبا

 

إنما الميت ميت الأحياء
كاسفا باله قليل الرجاء

أما كاسف اللون فمستحيل أن يكون هذا من بدوي كالمهلهل.

ومثل قوله في أخرى:

وقفت على ثنتين إحداهما دم
فما أنت إلا بين هاتين غائص
فمنقصة في هذه ومذلة

 

وأخرى بها منا تحز الغلاصم
وكلاهما بحر وذو الغي نادم
وشر شمر بينكم متفاقم

آخذا من قول جعفر بن علبة:

فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما
فقلنا لهم تلكم إذن بعد كرة

 

صدور رماح أشرعت أو سلاسل
تغادر صرعى نوؤها متخاذل

وقول تأبط شرا:

هما خطتان إما أسار ومنة

 

وإما دم والقتل بالحر أجدر

ومثل قوله:

أكليب أن النار بعدك أخمدت

 

ونسيت بعدك طيبات المجلس

آخذا من قول عبد الله بن عمر العبلي:

إذا عن ذكرهم لم ينم

 

أبوك وأوحش في المجلس

وغير الشعر فقد أخذ من القرآن في قوله:

نكب القوم للأذقان صرعى

 

ونأخذ بالترائب والصدور

قال تعالى: «يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا» ويخرون للأذقان (2)يبكون. وقال تعالى: «يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ النواصي والأقدام» وقال: «من بين الصلب والترائب»، فبعيد جدا أن يكون هذا غير متعمل في البيت الواحد الذي جمع استعمالين قرآنيين وكلمة للغوية كذلك، وقوله:

حتى يعض الشيخ من حسراته

 

مما يرى جزعا على الإبهام

آخذا من قوله تعالى: «ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليثني أخذت مع الرسول سبيلا يا ليثني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد اذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا»

وقوله:

ينوء بصدره والرمح فيه

 

ويخلجه خدب كالبعير

آخذا من قوله تعالى: «إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة» فهذا واضح من قوله: «ينوء بصدره.... كالبعير».

وهناك شواهد أخرى من نوع آخر، وهي ما وردت مخالفة للاستعمال العربي، أو كانت غير معروفة في العربية، يقول:

ورجعنا نجتنيء القنا في ضمر

 

مثل الذئاب سريعة الإقدام

فالمعروف في العربية أجتنا عليه أي اكب عليه يقيه من مكروه، ربما يتعرض له، ويقول:

فأزالهم عنا كليب بطعنة

 

في عمرو بابل من بني قحطان

فقوله عمر بابل غير معرف في الأنساب والعربية.

 

(1) لا يفهم من القصة ما هي عليه الآن؛ بل كانت تعتبر نصرا هاما في كتابة التاريخ، ولهذا نجد أغلب شعر المهلهل في كتاب الكامل لابن الأثير.
(2) لاحظوا في هذا الاستعمال أن اللام بمعنى على، وحاولوا أن يثبتوا ذلك ببيت ادعوه -منتحلين- امرئ القيس من قصيدته «قفا نبك».
فقالوا:
فأضحى يسح بالماء حول كتيبة                            يكب على الأذقان دون الكنهبل 
وأترك للقارئ أن يتصور للأرواح أذقانا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here