islamaumaroc

ديبلوماسية بيسمارك (تر. عبد الحق بنيس)-3-

  دعوة الحق

67 العدد


نهاية أوروبا البيسماركية

عجل سقوط بيسمارك في 18 مارس 1890 بوقوع الأزمة، فعلى الفور تخلت الحكومة الألمانية عن الاحتفاظ بعلاقة سرية مع روسيا، وعدلت عن الطابع المميز لسياسة بيسمارك. ومنذ الآن أخذ يلوح في الأفق ذلك الحادث الذي عمل بيسمارك على تفاديه، ويمكن القول بأنه نجح في تجنبه ردحا من الزمان : ذلك أن روسيا، بمجرد ما شعرت بعزلتها اتجهت بتفكيرها إلى التحالف مع فرنسا. وتلكم علامة تبدل عميق في العلاقات الدولية بأوروبا. فكيف نوضح ذلك وما السبيل إلى قياس قيمته؟
لقد كانت استقالة المستشار مخرجا من نزاع مع الإمبراطور الشاب غليوم الثاني. واحتلت عوامل الحياة الخاصة مكانة بارزة في هذا النزاع. وليس غريبا أن يصبح التفاهم عسيرا بين وزير يبلغ من العمر سبعين سنة وبين عاهل لا يتجاوز سنه السابعة والعشرين، بل ومن الطبيعي أن يحدث أكثر من هذا لما يكون الملك طموحا وحريصا على إقامة "ملك عظيم" ثم يأتي مستشار اعتاد على السيطرة ويعترض طريقه. قال بيسمارك ذات يوم للإمبراطور : "أشعر بأنني عقبة في طريق جلالتكم". وصادف أن كانت السياسة الداخلية مرتطمة بعدة مصاعب : فالمستشار الذي خاض كفاحا مريرا ضد الاشتراكية والحركة النقابية لم يرد أن يتراجع عن هذه الخطة بالرغم من أنه لم يحصل إلا على نتائج تافهة في هذا الشأن، وهكذا ظل بيسمارك موطد العزم على اعتبار هذه المسألة "نقطة استناد" له في الحملة الانتخابية التي قام بها بقصد تجديد مجلس الريخشناع (المجلس النيابي). أما الإمبراطور فقد خشي المعارضات ولم يرد أن يدشن ملكه بموقف مناوئ للجماهير العمالية، وبتدابير قد تؤدي إلى اضطرابات دموية.

بيد أن الخلافات سرعان ما ظهرت كذلك حول اتجاه السياسة الخارجية، فقد أعار غليوم الثاني آذانا صاغية إلى الانتقادات التي ما فتئت الأوساط العسكرية، وخاصة الجنرال فون والديرسي (Von Waldersee) توجهها للسياسة الروسية التي انتهجها بيسمارك وأتت هذه الانتقادات كذلك من الأوساط البيروقراطية في وزارة الخارجية حيث صار مساعدو المستشار بالأمس ينفضون من حول أستاذ أفل نجمه. أن هؤلاء الخصوم، في السر أو في العلن، اعتقدوا أن لا فائدة من وراء المحاباة التي ما انفك المستشار يخص بها روسيا، وأن ليس من الحذر التقيد بالالتزامات الواردة في معاهدة نقض التأكيد بدون علم النمسا – هونغاريا، بل فكر البعض في محافل أركان الحرب أن الوقت قد حان لإعلان الحرب على روسيا "قبل أن تعمد في القريب إلى تنمية قواتها العسكرية". إلا أن بيسمارك في سنة 1888 استطاع أن يكافح هذه الآراء وكتب في ذلك تقريرين قويين. قال : سوف لا يكون للحرب من معنى إن لم نكن قادرين على "تفتيت روسيا بصورة نهائية". ولكن هذه الحالة غير موجودة إذ من المستحيل تحطيم وسائل الكفاح عند العدو تحطيما كاملا، بسبب اتساع رقعة أراضيه. ولنفرض أننا قطعنا أوصال إمبراطورية القياصرة "فإن الأجزاء سوف تراب من جديد وبسرعة". وكيف لا "وحيوية القومية الروسية" مرتكزة على أساس مكين. ويستنتج المستشار أن ليس بإمكان ألمانيا "إزاحة الخطر الروسي من الوجود".

ومع ذلك لم يستلسم خصوم سياسته بل اتهموه "بالانحياز لروسيا"؛ وكانوا يتوهمون أن الحكومة الروسية عاكفة على إعداد العدة للحرب ضد ألمانيا وأخذوا على بيسمارك جهله لهذا الاحتمال. فهذه الحادثة المرتبطة بهذه الحملة هي التي أفسدت الملاقات بين الإمبراطور والمستشار : ففي مارس 1890 وردت عدة تقارير من الملحق العسكري ومن القناصلة الألمان تشير إلى تحركات الجيوش في روسيا، واحتفظ بيسمارك بهذه المعلومات لنفسه ظنا منه أنها عديمة الجدوى؛ لكن الإمبراطور أحيط بها علما من قبل رئيس أركان الحرب العامة، فكتب إلى المستشار يقول : إنه لا يستطيع قبول هذا "الإخفاء" للوثائق.

بمجرد ما طلب غليوم الثاني من المستشار تقديم استقالته، وبمجرد ما حصل الإمبراطور على ذلك، قام رجال "الحاشية الجديدة" فعدلوا عن الاتجاه السياسي لألمانيا فيما يخص روسيا, كان كابريفي (Caprivi) خلف بيسمارك جنرالا ممتازا، وإداريا محنكا، لكن كان عديم الخبرة على الإطلاق، في القضايا الخارجية؛ فكان مساعدوه إذن هم الذين يسيرونه، وأخص بالذكر منهم البارون فريتزفون هولشتاين (Fritz von Holstein) الذي ما أن صار مستشارا قانونيا في وزارة الخارجية حتى أخذ يلعب دورا حاسما في توجيه السياسة الخارجية، وقد سبق لهولشتاين هذا أن كان لمدة خمس عشرة سنة من أولائك الذين ساعدوا بيسمارك في سياسته، ومنذ سنة 1888 أصبح من أولائك الذين قارعوا المستشار الكبير وأضروا به لدى العاهل. كان هولشتاين يعمل دون كلل وكان ذا خبرة مدهشة في القضايا الخارجية وصاحب دهاء في التفكير، إلا أنه كان رجلا عقائديا.

لذلك أصبح تأثير هولشتاين بارزا في هذا "التحول" الذي أصاب السياسة الخارجية الألمانية، إذ كان يعتقد أن لا مناص من الضرب صفحا على معاهدة "تأكيد التأكيد" التي أعدها بيسمارك بقصد التجديد، طالما أنها تتنافس إن لم تكن في نصها فعلى الأقل في روحها مع التحالف الألماني – النمساوي. وفي نظره أن وعد روسيا بالحياد ما هو إلا أضغاث أحلام، ففي حالة نشوب حرب فرنسية ألمانية، سوف لا يدوم هذا الحياد أكثر من بضعة أسابيع، وعليه فبدلا من إقدام ألمانيا على "محاولات ديبلوماسية قد تصدق وقد لا تصدق" ينبغي سلوك سياسة "واضحة ومستقيمة"، على حين أن الاحتفاظ بتعهد سري مع روسيا معناه "وضع فتيلة تحت التحالف الثلاثي بإمكان روسيا أن تشعلها في كل حين" ويؤكد هولشتاين أن العدول عن معاهدة تأكيد التأكيد سوف لا يجر إلى أي محذور. فأنى لحكومة القيصر أن تجد تأييدا لدى دولة من الدول ؟ هل تستطيع أن تجد هذا التأييد لدى إنكلترا ؟ للوصول إلى هذه الغاية كان على روسيا أن تضحي بمصالحها في آسيا الوسطى، وهذا ما لا يمكن أن تقبل به. لدى فرنسا ؟ إن التحالف الروسي – الفرنسي سوف لا يساعد روسيا على تسوية مسألة المضالق وهي النقطة الأساسية في سياستها : إذ ليس في استطاعة الأسطول الفرنسي أن يحول، في مثل هذه الحال، دون تدخل إنكليزي. تلكم هي الحجج التي أدت بكابريفي وغليوم الثاني إلى الاقتناع.
ولعل السبب الحقيقي، هو الرغبة في قطع كل الصلات بالسياسة البيسماركية : فقد يحظى أنصار "البيسماركية" – الأمير أو ابنه هربرت – بالعودة إلى الحكم، لو احتفظ، كما يرى هولشتاين، بمعاهدة "تأكيد التأكيد".

سيحدد هذا القرار الألماني الذي اتخذ – بعد ترددات طويلة – الاتجاه الجديد الذي ستسلكه سياسة القيصر الخارجية. وإن الضرورة تدعونا هنا إلى دراسة مراحل هذا التطور الديبلوماسي الهام بشيء من التفصيل، لأن تأثيرات السياسة الخارجية الروسية تطرح أمام التحليل التاريخي مشاكل من الأهمية بمكان.
 لم يكن القيصر وأعوانه مستعدين، حتى هذا التاريخ للسعي في التحالف مع فرنسا، بالرغم من أنهم باتوا يدركون تمام الإدراك مدى الخدمات التي تسديها لهم السوق المالية الفرنسية :  فقد كانوا لا ينظرون إلى النظام الجمهوري إلا بعين الازدراء، وبالفعل وصفه جيبرس(1) بأنه "سيء ومنحط"؛ ثم أنهم أخذوا يتظهرون بعين الحذر إلى النزعات "الثأرية" التي تجلت في طبقة هامة من الرأي العام الفرنسي، إلا أن عدول ألمانيا عن معاهدة "تأكيد التأكيد"، قد حذا بهم إلى تغيير زاوية نظرهم. نعم شعرت الحكومة الروسية بعزلتها وباتت مضطربة البال. إذن فالتقرب من فرنسا كان استجابة لضرورة من الضرورات.

والواقع أن الأوساط الرسمية الروسية أخلت، أثناء الأشهر التي عقبت تراجع السياسة الألمانية، تقدم الإغراءات للحكومة الفرنسية. ففي غشت 1890، تاريخ حضور الجنرال دي باواديفو (De Bolsdeffre) نائب أركان الحرب العامة الفرنسية، في المناورات الكبرى للجيش الروسي، صرح الضباط السامون الروس بقولهم : أن في استطاعة فرنسا أن تعتمد، في حالة هجوم ألماني عليها، على مساعدة روسيا، بل لمحوا تلميحا مبهما إلى إمكانية التفاوض حول اتفاق عسكري. وفي مارس 1891 تاريخ وصول أرملة الإمبراطور فريدريك الثالث لباريز في زيارة متنكرة، تلك الزيارة التي "اتسمت بالجراءة أكثر منها بالحكمة"، والتي أثارت في الصحافة الفرنسية تعاليق سيئة، وردود عنيفة في الصحافة الألمانية، في هذا التاريخ أظهرت الحكومة الروسية عطفها على فرنسا. وقد بدا لها "أن إقامة اتفاق صادق بين فرنسا وروسيا أمر ضروري للمحافظة على رزانة عادلة للقوات في أوروبا" ثم أن تسليم صليب القديس أندريه إلى رئيس الجمهورية قد دل على أن القيصر قادر على مكافحة اشمئزازه من النظام السياسي الفرنسي. ومع ذلك لم تصبح الحكومة الروسية مستعدة بعد للذهاب إلى أبعد من تقديم تأكيدات شفوية مع إظهار عواطف المجاملة. فحينما حاول السفير الفرنسي مفاتحة الحكومة الروسية في مسألة التحالف المحتمل لم يعره المستشار جييرس أدنى اهتمام. وقد صرح هذا الأخير لأحد السفراء الأجانب بقوله : "أن فرنسا لا تألوا جهدا في سبيل الحصول على معاهدة لكنها لم تحصل على طائل بالرغم من إلحاحاتها الشديدة المتعددة"، فأغضب ذلك الحكومة الفرنسية. وفي مايو 1891 وهو التاريخ الذي طلبت فيه روسيا إجراء قرض عمومي في ساحة باريس، سعى بنك روتشليد في إحباط هذا المشروع احتجاجا في الظاهر على المذابح التي يذهب ضحيتها يهود روسيا واستجابة في الباطن، على ما يبدو، لتوجيهات الديبلوماسية الفرنسية. إذن أصبح التقارب الفرنسي الروسي في نقطة ساكنة.
إلا أن القيصر، بعد مرور بضعة أسابيع، سوف يوطد العزم على التفكير في التحالف، ما ذلك إلا لأن أحداثا جديدة طرأت فزادت من أخطار العزلة على روسيا : ففي مايو 1891 جددت صلاحية التحالف الثلاثي، وفي 29 يونيه، عندما أعلنت الحكومة الإيطالية هذا التحديد أمام البرلمان، أشارت كذلك إلى "الاتفاقات المتوسطية" المبرمة سنة 1887، أي إلى العلاقة الموجودة بصورة غير مباشرة بين بريطانيا العظمى والتحالف الثلاثي، فما كان من الحكومة الروسية إلا أن قلقت من هذا الإعلان. وقد كتب السفير الألماني في بطرسبورغ يقول بأن الحكومة الروسية "شعرت بأنها مهددة" وفي 18 يوليوز 1891 أثار المستشار جييرس في محادثة له مع سفير فرنسا مسألة "انتساب إنكلترا إلى التحالف الثلاثي بقليل أو بكثير" وصرح بأن الوقت قد حان للقيام "بخطوة أخرى إلى الأمام" في سبيل تقرب فرنسي – روسي، وذلك لمواجهة التكتل المبيت اللائح في الأفق. وفي 5 غشت، بمناسبة الزيارة التي قامت بها إلى كرونستادت (Cronstadt) بوارج الأميرال جيرفي (Gervais) الذي استقبل بحماس مشفوع بكثير من التفاؤل، قبل جييرس بالدخول في التفاوض مع فرنسا.
إن الخوف من العزلة هو الذي أدى إذن بالقيصر وحكومته إلى العدول عن احتقارهم لفرنسا الجمهورية. وليس من ريب في أن الأوساط المسؤولة في الإمبراطورية فكرت في التقرب من فرنسا بمجر تراجع ألمانيا عن معاهدة تأكيد التأكيد، لكنهم كانوا يودون الاكتفاء بـ "وفاق" دون الارتباط بتعهدات واضحة، وليس من شك كذلك أنهم عندما لاحظوا وجود رابطة بين بريطانيا العظمى ودول الحلف الثلاثي شعروا بضرورة الذهاب إلى أبعد من الوفاق.
كان على السياسة الفرنسية بطبيعة الحال أن تسعى جاهدة للاستفادة من هذه الاستعدادات الجديدة التي أعربت عنها الحكومة الروسية؛ ألم يكن الخروج من العزلة هو ما يترقبه الرأي العام الفرنسي منذ سنة 1871؟ ألم يفكر كل من تييروغامبيتا في التحالف مع روسيا منذ السنوات الأولى التي أعقبت الهزيمة ؟ ألم تكن سياسة الإقتراضات الروسية، منذ ثلاث سنوات تعني تمهيد السبيل للتحالف ؟
من الطبيعي أن تعمد الحكومة الفرنسية إلى الاستفادة على الفور من كل فرصة مواتية. وقد أوصى وزير الخارجية إسكندر ريبو (Ribot) سفير فرنسا في سان بطرسبورغ باستغلال هذه الظروف في أقرب وقت. كانت النية متوجهة إلى الحصول على وعد بتعبئة آنية وآلية للقوات الروسية والفرنسية، فيما إذا عبأت دول الحلف الثلاثي قواتها. فالتحالف إذن ينبغي أن يقوم على أساس اتفاق عسكري. وقد حدد البرنامج منذ يوليوز 1891. ولكن كان يتعين أن يمر ما يقرب من سنتين ونصف السنة لكي يتغلب إلحاح فرنسا على تملصات روسيا وتردداتها. فما هي أسباب هذه التسويفات الجديدة ؟
في المرحلة الأولى عرضت الديبلوماسية الفرنسية جميع مطالبها دفعة واحدة، وكان همها منحصرا على الخصوص في الوصول إلى تعهد مكتوب وإن لم يستجب هذا التعهد لرغباتها كلها. أما الروس فكانوا يتحاشون الوعود المضبوطة البينة : وإنما قبلوا بأن "تتفق" فرنسا وروسيا فيما بينهما أن أصبح السلم مهددا، دون التعهد مقدما باتخاذ التدابير العسكرية. ولما كانت الحكومة الفرنسية مستعجلة في الوصول إلى غايتها فإنها أذعنت إلى روسيا. وهكذا أبرم في 27 غشت اتفاق اتخذ شكل تبادل رسائل. يقول هذا الاتفاق : أن الدولتين ستوحدان الرأي "حول سائر القضايا التي من شأنها أن تعرض السلام العام للخطر"، وفي حالة وجود احديهما مهددا باعتداء "يجتمع الطرفان للتفاهم حول التدابير الواجب اتخاذها على الفور وفي وقت واحد لمواجهة العدوان". فهذا النص لا يوضح إذن مدى المساعدة العسكرية التي قد تقدمها روسيا لفرنسا، بل هو لا يعطي حتى التأكيد القاطع بتقديم عون مسلح طالما أن الحكومتين سوف لا تقرران ما يجب اتخاذه من تدابير إلا إذا دق ناقوس الخطر. ومع ذلك فإن فرنسا – وهذا هو المهم – قد خرجت من عزلتها. قال ريبو "إن الشجرة قد غرست". بيد أن هذا الاتفاق لم يكن في نظر رجال الحكم الفرنسيين إلا خطوة أولى.
إذن سوف تسعى الحكومة الفرنسية جاهدة لإتمام هذا الاتفاق بواسطة اتفاق عسكري. ولم تتوصل دون عناء إلى ضبط مفاوضة ما، ذلك أن جييرس كتب إلى القيصر في دجنبر 1891 يقول : "يلوح لي أن ارتباطنا قبل الأوان بتعهدات إيجابية، مهما كان نوعها، في الحقل العسكري أمر غير مرغوب فيه، وإلا تعرقلت حريتنا في العمل". ألا يكفي اتفاق 27 غشت لصيانة مصالح روسيا ؟ لم تعرف الحكومة الفرنسية وجهة نظر المستشار بالضبط وإنما لاحظت أنه يتملص. وللتغلب على هذه الصعوبة حاولت الاتصال بالقيصر شخصيا. وذلك أمر عسير لأن الإسكندر الثالث كان نادرا ما يستقبل السفراء. وكان لا يخوض معهم في القضايا الهامة. ولعل ذلك راجع إلى احتشامه في الحديث.
ضاعفت الديبلوماسية الفرنسية من جهودها. فمن مهمة شبيهة بالرسمية يقوم بها ديبلوماسي من أصل دانيماركي وجنسية فرنسية (جول هانس) (Jules Hanssen) – ذهابه إلى كوبنهاغ بمناسبة زيارة القيصر لبلاط الدانيمارك – إلى مذكرة يقدمها الجنرال ميريبيل (Miribel) رئيس أركان الحرب العامة الفرنسية، إلى السفر الثاني الذي قام به هانس إلى كونبهاغ. ويقبل القيصر مبدئيا وبناء على مذكرة ميريبيل إمكانية التفاوض، حول اتفاق عسكري، في مارس 1892، لكنه لم يعين تاريخا للشروع في هذا التفاوض، مما جعل معه ريبو في باريس مشغول البال إذ قال : "لابد من الوصول أخيرا إلى الهدف"؛ وإذا اندلعت شرارة الحرب قبل إبرام اتفاق عسكري "فإننا سنتحمل مسؤولية عظيمة العبء"، ويجيبه السفير الفرنسي "بأن ليس في الإمكان الوصول إلى ما هو أحسن". وأخيرا قرر الإسكندر الثالث في 18 يوليوز 1892 أن يعلن عن انتظاره لوصول المفاوض الفرنسي. وقبل ذلك بأربعة أيام أشارت جريدة الفيكارو في مقال لها بعنوان "تحالف أم مغازلة" إلى نفاذ صبر الفرنسيين. ومن الممكن القول بأن هذا المقال أشعر العاهل الروسي بالأخطار الناشئة عن تسويفات أطول.
كان المفاوض هو الجنرال دي بواديفر. وكانت الحكومة الفرنسية تريد أن تنال وعد الدولتين معا بتعبئة جيوشهما بكيفية آلية وفي وقت واحد، إذا ما أقبلت ألمانيا أو دول الحلف الثلاثي على تعبئة قواتها. إلا أنها كانت لا تريد أن يلزم هذا التعهد إذا ما قررت النمسا – هونغاريا هذه التعبئة وحدها. ومن جهة أخرى كانت ترغب في حالة نشوب الحرب أن يصرف الجيش الروسي جهده الرئيسي في محاربة ألمانيا لا النمسا – هونغاريا. وقصدها من ذلك هو التخفيف عن الجيش الفرنسي في أقرب مدة ممكنة، حين يصبح معرضا لهجوم ألماني مفاجئ. بيد أن النمسا – هونغاريا، كانت هي الخصم اللذوذ لروسيا وكانت في نفس الوقت هي الخصم الأضعف، وبالتالي فإن الروس كانوا ميالين إلى هذا القطر لتسديد الضربات له أكثر من غيره، وقد أدرك الجنرال دي بواديفر أن من المستحيل إرضاء روسيا جزئيا حول هذه النقطة، وبعد بضعة أيام من التردد أذعنت الحكومة الفرنسية وأبرم الاتفاق في 18 غشت 1892 ووقع النص من قبل الضباط العسكريين.
تجعل بنود الاتفاق التعهدات المتبادلة محصورة في حالتين : حالة التعبئة وحالة الحرب. ففيما يرجع للحالة الأولى قيل : "إذا ما عبأت دول الحلف الثلاثي أو إحدى الدول التابعة لهذا الحلف قواتها فإن فرنسا وروسيا ستعبئان، في وقت واحد وعلى الفور، سائر قواتهما ثم تنقلانهما إلى الحدود بمجرد الإعلان عن حادث التعبئة وبدون أن يكون هناك داع لسابق اتفاق". وفيما يهم النقطة الثانية يقول النص : "إذا هوجمت فرنسا من قبل ألمانيا أو إيطاليا تدعمها ألمانيا، استخدمت روسيا سائر قواتها الجاهزة للهجوم على ألمانيا، وإذا هوجمت روسيا من قبل ألمانيا أو من النمسا – هونغاريا تدعمها ألمانيا استعملت فرنسا قواتها الجاهزة كلها لمحاربة ألمانيا". وسيكون على فرنسا أن تضع في خط النار لقتال ألمانيا 1.300.000 رجل على الأقل. وعلى روسيا أن تضع جنودا يتراوح عددهم من 700 إلى 800 على الأقل باعتبار أن باقي جيوشها سيصر لمواجهة النمسا – هونغاريا. وتنص البنود الأخيرة على أن لا تقبل فرنسا وروسيا بإبرام الصلح على انفراد، وأن الاتفاق الفرنسي – الروسي سيظل نافذ المفعول "ما دامت معاهدة التحالف الثلاثي قائمة"، وأخيرا نص على أن يسدل ستار "من الكتمان المطلق" على فحوى الاتفاق.
يشكل هذا الاتفاق العسكري المعاهدة الحقيقية للتحالف، باعتبار أنه النص الوحيد الذي يحدد حالة الحرب. وهو بالإجمال حل وسط بين وجهات النظر الروسية وبين الآراء الفرنسية : وهكذا نجحت فرنسا في قضية التعبئة "الآنية والآلية" وحملت روسيا على ضبط عدد الجنود الواجب حشدهم ضد ألمانيا. إلا أن فرنسا اضطرت إلى الالتزام بالتعبئة حتى في الحالة التي تقرر فيها النمسا – هونغاريا التعبئة ضد روسيا دون مشاركة ألمانيا، ومع ذلك ظلت غير ملزمة في حالة كهذه بالدخول في الحرب، إذ لا يمكن أن تحارب إلا إذا صدر الهجوم من ألمانيا. تلكم كانت بنود الاتفاق. تبدو هذه البنود لأول وهلة أنها ستحفظ لفرنسا حريتها في العمل إذا ما وقعت حرب نمساوية – روسية من غير أن تشارك فيها ألمانيا. ولكن الأمر على خلاف ذلك. إذ أن التزام فرنسا، رغم عدم وجود حدود مشتركة بينها وبين الملكية الثنائية، بتعبئة جيشها، في حالة تعبئة نمساوية – هونغارية، يعني أن ألمانيا ستقوم برد فعل مما سيؤدي إلى التعجيل بوقوع الحرب. وقد أدركت الحكومة الفرنسية تمام الإدراك هذا الخطر، ولكنها وافقت عليه، علما منها أنها لو رفضت هذا الطلب الذي تقدمت به روسيا لآلت المفاوضة إلى الفشل التام.

ومع ذلك فالاتفاق العسكري لم يبرم بعد بصفة نهائية لأنه لا يحمل إلا توقيع الجنرال دي بواديفر والجنرال أوبروتشيف رئيس أركان الحرب الروسية. لا جرم أن القيصر كان قد صرح بإمكانية المصادقة على المشروع ولكنه لم يقدم خطيا شيئا من هذا القبيل، وسوف يستمر في مماطلته ستة عشر شهرا. وليست هذه الترددات بأقل أهمية بالنسبة لمن يؤرخ للتحالف الفرنسي – الروسي.

إن الحكومة الفرنسية – أعني رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزيري الخارجية والحربية (لأن نص الاتفاق لم يعرض على المجلس الوزاري باعتبار السرية التي أعطيت له) – في الوقت الذي وصلت فيه المفاوضة حول الاتفاق العسكري إلى خاتمة مطافها كانت على ما يظهر غير راضية عن الطابع المميز للتعهدات التي أخذتها على عاتقها. وكان بودها، قبل أن تصادق نهائيا على نص الاتفاق أن تدخل تعديلين جزئيين. فأما الأول فيرجع لمسألة شكلية محض : إذ أن رئيس الجمهورية الفرنسية يعتقد أن لا حق له في إبرام اتفاق سري؛ ويعرب عن أمله إذن في أن لا ترد كلمة "سري" في النص. وأما التعديل الآخر فكان أهم، إذ تعهدت فرنسا بالتعبئة إذا فعلت مثل ذلك النمسا – هونغاريا (المادة الثانية) لكن إذا كانت التعبئة النمساوية الهونغارية جزئية – موجهة مثلا إلى دولة بقانية – فهل تعد هذه الحالة داخلة في الاتفاق العسكري الفرنسي – الروسي ؟ كلا في نظر الحكومة الفرنسية. فيجب إيضاح هذا الغموض إذن. وقد قدمت هذه الاعتراضات إلى الجنرال أوبروتشيف ثم إلى المستشار جييرس الذي عرج على باريس في غضون الخريف، فأجاب كلاهما بأن الوقت قد فات جدا لتعديل النص. ولم تظهر الحكومة الفرنسية شديد إلحاح. ومع ذلك فإن هذه الفترة أدت إلى تأخير أدى إلى نتائج سنتعرض لها.
بالفعل لم يكن للحكومة الروسية ما يحملها على إظهار تسرعها كما هو الشأن بالنسبة لشريكتها. فاكتفت إذن بانتظار قرار الحكومة الفرنسية. ولكن في الوقت الذي سيتخذ فيه هذا القرار، حدثت فضيحة باناما في نوفمبر 1892. ألم يكن القيصر على حق من التخوفات التي كان يبديها دائما تجاه النظام الجمهوري ؟ ولقد غضب الإسكندر الثالث مما كتبته بعض الجرائد الفرنسية من كون سفير روسيا في باريس موهرينيهيم (Mohreneheim) هو السبب في الفضيحة. بل أدى الأمر بالقيصر إلى أن يطلب من رئيس الجمهورية رسالة اعتذار.

 وما دامت هذه المسألة موضوعة فلا يمكن وضع المصادقة على الاتفاق العسكري في جدول الأعمال. بل لعل الحكومة الروسية ستتساءل هل كانت مخطئة السبيل. وتجلى أن هذا الاحتمال صحيح حينما أجرى نجل القيصر، وهو نيقولا الثاني المقبل، في يناير 1892 مع غليوم الثاني محادثات غريبة، قال أن فرنسا في حالة انهيار حيث حكم على النظام الجمهوري بالزوال وسيقوم مقامه لا محالة "استبداد عسكري"؛ وفي هذا اليوم سيتحتم التفكير في تشكيل تألب ضد فرنسا. وفي هذا الوقت بالذات أعرب المستشار جييرس، في محادثة له مع السفير الألماني، عن أسفه من كون ألمانيا هي "التي دفعت بروسيا إلى الارتماء في أحضان فرنسا، وأنها – أي ألمانيا – لم تسع من جديد في ربط علاقات أشد متانة مع الحكومة الروسية"، ألا يفهم من هذا أن الوقت لم يفت بعد لبعث الصداقة الألمانية – الروسية من جديد ؟ أن سفير فرنسا في روسيا لم يخف على حكومته ذعره. فمتى ستقع المصادقة على الاتفاق العسكري ؟
وخلقت السياسة الألمانية، مرة أخرى، فرصة، فلم تستجب حكومة الرايخ فحسب لمحادثات نجل القيصر والمستشار، بل اتخذت مبادرات من طبيعتها أن تقلق الحكومة الروسية : فمن "حرب التسعيرات" ضد الصادرات الروسية، إلى طلب اعتمادات جديدة لصرفها في إعداد وسائل الحرب "على واجهتين"، وكانت هذه الحرب مرسومة حسب الخطة الحربية التي أعدها اشليفن (Schliffen) الرئيس الجديد لأركان الحرب. إذن سيؤدي الحال بالقيصر إلى اعتبار التحالف مع فرنسا أمرا لابد منه : وتدل زيارة البوارج الروسية لتولون في أكتوبر 1893 على وجود مثل هذا الاعتبار. ومع ذلك فإن الانتظار سيطول ما يقرب من ثلاثة أشهر أخرى. وأخيرا اتخذ القيصر القرار، في 27 دجنبر 1893 – دون أن تساعد الوثائق الراهنة على تحديد السبب الذي حذا به إلى التغلب على تردداته الأخيرة - : فسلم جييرس لسفير فرنسا رسالة يصرح فيها بأنه "بالإمكان اعتبار الاتفاق العسكري الفرنسي – الروسي وكأنه مقبول بشكل نهائي". وفي 4 يناير 1894 أجابت الحكومة الفرنسية بتصريح مماثل. وأخيرا أبرم التحالف، وخرجت فرنسا من العزلة التي كانت السياسة البيسماركية قد فرضتها عليها.
إن هذه النتيجة التي كانت الهدف الأساسي للسياسة الخارجية لدى الحكومة الفرنسية منذ سنوات عديدة قد توبعت بكل تثبت. وتدل الوثائق على اهتمامها الوطني وعلى حصافة رأيها. ومع ذلك فهل كان بإمكانها أن تتغلب على ترددات الحكومة الروسية لو لم توقظ المبادرات الألمانية، في اللحظات الحرجة من المفاوضة، تخوفات القيصر ؟ لقد تطورت المفاوضة حول التحالف الفرنسي – الروسي على إيقاع العلاقات الألمانية الروسية، دون أن تشعر بذلك، على ما يظهر، حكومة الرايخ.
مما لا شك فيه أن تضارب المصالح الاقتصادية في هذا التطور للعلاقات بين الإمبراطوريتين لعب دورا ما. فكبار الملاكين للأراضي في ألمانيا الشرقية، الذين هم منتجون للحبوب، والذين هم بالتالي مهددون مباشرة من جراء تزايد الواردات من القمح الروسي، هم الذين حملوا حكومة الرايخ على اتخاذ مبادرات تحمل عواقبها كل من الفلاح الروسي والخزينة الروسية. وعندما أغلق بيسمارك في خريف 1887 السوق المالية الألمانية في وجه الاقتراضات القيصرية، فإنه فعل ذلك لإرضاء رغبة "أصحاب الأراضي الفلاحية"، الذين كانوا يرغبون في تعطيل إنشاء سكك حديدية في روسيا، يمكن بواسطتها نقل المحصولات الزراعية نحو الأراضي الألمانية. وعندما بوشرت حرب جمركية ألمانية روسية، ابتداء من سنة 1890 ألم يكن السبب في ذلك راجعا إلى الرغبة في حماية المحصول الفلاحي الألماني من هذه المنافسة؟ وهذه المبادرات الألمانية جعلت مالية الدولة الروسية في مصاعب، فحملت هذه المبادرات الحكومة القيصرية إلى تلمس عون مالي في فرنسا. وهذا العون الذي أفاد في تحضير الجو للتعاون السياسي. فهل معنى ذلك أن العوامل الاقتصادية والمالية كانت حاسمة ؟ لا. لأن القرارات الألمانية كانت مستوحاة من الأهداف السياسية. فحينما لم يعر بيسمارك في سنة 1887 التفاتة للإسناد الروسية، كان يسعى بالخصوص في ممارسة ضغط على الحكومة القيصرية من جهة وإثارة أزمة مالية في روسيا من جهة أخرى، فعل هذا في الوقت الذي كان يخشى فيه أن تؤدي المسألة البلغارية إلى نزاع نمساوي – روسي. وفي 1890 – 1891 أتت الحرب الجمركية أيضا نتيجة لهدف سياسي : فقد كان كابريفي يرغب في تمتين التحالف النمساوي الألماني بالتوقيع على معاهدة تجارية فتحت السوق الألمانية على مصراعيها في وجه الحبوب الهونغارية، على حساب الحبوب الروسية. إن الحسابات السياسية لرجال "الحاشية الجديدة" هي التي توضح وحدها اتجاه السياسة الألمانية.

(1)  الوزير الأول في روسيا آنذاك (المترجم).

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here