islamaumaroc

سورين كيركغارد

  دعوة الحق

67 العدد

احتفل فلاسفة العالم في هذه الأيام بمرور مائة وخمسين سنة على ميلاد فيلسوف لا زال اسمه غريبا في ميدان الفلسفة هو سورين كيير ككارد الفيلسوف الدانيماركي الذي عاش في عهد هيغل وماركس دون أن تكون له الشهرة التي كانت لهما وقد كاد سورين كيير ككارد يبقى مجهولا لولا صيحات نبتش وكافكا، ودوستويفسكي أولا وجهود عدد من الأخصائيين الذين انبكوا على مطالعة مؤلفاته ثانيا، أما فضل شهرته في فرنسا فيرجع إلى الجهود التي قام بها الأستاذ تيسو الذي عكف منذ أزيد من عشرين سنة على ترجمة ثراته الضخم الهائل وإلى كريمو جورج كوسدورف وبيير ميسنار الذين كتبوا عنه مؤلفات قيمة عرفت به وبفلسفته وتراثه في العالم.
وقد ظل هذا الفيلسوف العظيم نسيا منسيا ما يقرب من مائة سنة ولم تخرج آثاره إلى الوجود إلا منذ عشرين سنة عندما شرع الأستاذ تيسو يترجم مؤلفاته التي أصبحت المكتبات العمومية والخاصة زاخرة بها مفتخرة بذخائرها المكنوزة.
فما هو سبب هذا الإهمال الذي لقبه سورين كيير ككارد ؟ وهل جاء إهماله عفوا أو متعمدا ؟ وما هي آثار هذا الفيلسوف ؟ وهل كان لها تأثير على تطور الفلسفة الحديثة ؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في هذا العرض الموجز ؟
لقد كان سورين كيير ككارد يعيش في وقت كثرت فيه الدعاية للطبقة العاملة وتقوت الدعوة لاستيلائها على الحكم وفرض سيطرتها على الجماهير وطغت فيه فلسفة ماركس الذي لم يكن يعرفه سورين كيير ككارد وغزت نظريات هيغل أوربا بأسرها بينما كان سورين كيير ككارد يكره هيغل ويعتبره عدوه الأول، فما ذنب سورين كيير ككارد أمام هذه الوضعية حتى يهمل ولا يكتب له الخلود ؟
لقد كان هذا الفيلسوف أول المحتجين على استيلاء الطبقة العاملة على الحكم وفرض سيطرتها الديكتاتورية على أية أمة من الأمم. وكان رأي سورين كيير ككارد أن من غير المعقول أن تقاوم ديكتاتورية البورجوازية وتبعد هذه الطبقة عن الحكم ويرمي برجال الأعمال وأرباب المعامل المثقفين الواعين عرض الحائط في السجون وتعوض بديكتاتورية الجماهير أو مستغلي الجماهير، وكان سورين كيير ككارد يرى أن المنطق يقتضي إبعاد الديكتاتورية كيف ما كان وجهها وتوحيد طبقات الأمة وضمان وحدة البشرية، أما إذا كانت الفلسفة هي فرض ديكتاتورية طبقة على طبقة في أمة واحدة فإن هذا الأمر لن يغير من الوضعية شيئا ولن يصلح أمر أي مجتمع.
ولقد كان من الطبيعي أن يحدث نوع من النشاز في جوق الفلسفة الاشتراكية التي كانت تنشر في أروبا في القرن الماضي وكان من الطبيعي أيضا أن يوجد فلاسفة يرون خلاف ما يرى معاصروهم من المفكرين والفلاسفة ولكن تيار خصوم سورين كيير ككارد طغى فانتشرت أفكارهم وبدأت نظرياتهم تدخل في حيز التطبيق وأخذت فلسفتهم تنتصر بينما اعترى الأفكار الأخرى نوع من الإهمال والانعزال لأنها كانت بعيدة عن روح العصر غير مسايرة لتطور رجاله.
ولكن سير التاريخ لا يمنع منه أحد وتطور الزمان أمر محتم وهذا ما قدر للفيلسوف سورين كيير ككارد أن يبعث من جديد حتى تحيى أفكاره ويخلد اسمه.

فقد عاش العالم التجربة الاشتراكية وشهد أختها الشيوعية وعرف الفرد ألوانا من الحياة ضمنت له الخبز والعمل ولكنها أبعدت عنه الحرية والانطلاق واستطاع الإكراه الإيديولوجي والضغط الفكري أن يترعرع في بقاع شاسعة من العالم ذاقت السعادة المادية ولكنها فقدت الكثير من حريتها.
وطبيعة الكون تقضي بأن لا يفرق المرء بين الخبز والحرية فالإنسان لا يحتمل الجوع ولكنه لا يحتمل كذلك فقدان الحرية وهو يتلذذ النعيم المادي ولكنه يستبشر وينشد دوما النعيم الروحي والفكري.
وقد تجلى نبوغ سورين كيير ككارد عندما أخذ يقاوم أفكار معاصريه كما كان حدسه صادقا عندما أخذ يصيح بملء فيه وينافح بكل قوة وفي آن واحد ضد طغيان المسيحية وضد تكوين مجتمع كان يخشى عليه من عواقب التطورات المهولة والهزات العنيفة التي تنتظره.
حقا !! لقد كان سورين كيير ككارد بورجوازيا من أصله وكان لا يريد اضمحلال الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها لتحل محلها طبقة أخرى، ولكنه كان إلى جانب ذلك يدعو لتآخي المواطنين واتحاد الطبقات أو اتفاقها على نوع من النظام يضمن لكل منها مصالحه المادية والمعنوية.
لقد كان سكان كوبنهاج يلتقون في الشارع بهذا الرجل الغني، المتعصب، الظريف اللباس القصير القامة. وكانوا كثيرا ما يشاهدونه يتحدث مع هذا المار متحمسا لنظريته مقتنعا بفكرته باذلا الجهد لإقناع محدثه وكان سكان العاصمة الدانمركية يرونه كثيرا في المسرح ! وكان في كثير من الأحيان يأخذ سيارته ويتوجه صوب البادية للتمتع بمناظرها الخلابة ومفاتنها البديعة. وكانت هذه الشخصية تلوح بعبقريتها الساخرة وسلوكها اللامبالي سكان العاصمة الهادئة كما كان سقراط فيما قبل يقلق راحة سكان أثينا الجميلة الهادئة ويشغل بالهم بطبيعته ونوع الحياة التي كان يعيشها.
كان سورين كيير ككارد يثير الإعجاب في نفوس معاصريه ولكنه كان يبعث فيهم الرعب والفزع في الوقت نفسه لأنه كان يريد أن يكون مخالفا لهم في كل شيء كان يضجر من كل ما قد يقدمه كرجل عادي وسط الجماهير البشرية كما كان يسأم من كل فكرة فلسفية تعم العالم وتكتسح بقاع المعمور.
وكان أبوه رجلا قويا عظيما ينزعج لفكرة الجريمة الأولى مكلوما بسبب خطأ كبير ارتكبه قديما، وعندما علم سورين كيير ككارد بالخطأ الذي ارتكبه أبوه أخذ يبتعد عنه فكان هذا سبب عزلته ولزومه الصمت والكتمان في حياته وسلوكه.
وقد عززت خطبته بروخين أوليسين هذا الأثر في نفسه فكان فشل هذا الزواج نهاية الاتصال بالمجتمع وبداية حياة الانعزال والوحدة والانفصال.
وفي هذه الحقبة بالذات تفتح ذهنه وتفتق فكره وتفجر براعه حتى أصبحت سنوات 1843 و1844 و1845 و1846 أخصب حقبة في حياته الفلسفية ! ففي ظرف سنوات لا تتعدى الخمس أصدر سورين كيير ككارد عددا من الكتب الفلسفية المتناقضة والقصص والخطب الدينية والمحاضر الإيديولوجية نذكر منها الكتب التالية :
"أما .. وإما .." "وخشية .. وارتعاش" ومراحل في طريق الحياة و... فتأنت فلسفية .. الخ.
كان سورين كيير ككارد يرى أن مراحل الحياة ثلاثة :
أولا : مرحلة الرجل الفاتن المعجب بالفن والجمال والمغرم باللذات والشهوات والباحث عن سعادة لن يجدها أبدا.
ثانيا : مرحلة الرجل المثالي في الأخلاق والراغب في سلوك حياة هادئة معقولة متوفرة على زوجة وأولاد وشغل وهذا الرجل يمثل الوفاء والعقل والحياة المقبولة.
ثالثا : ولكن من الممكن أن يعترض هذا الرجل في يوم من الأيام حادث فوق المعقول والمنقول يجعل معلوماته هباء منثورا ومجهودات سدى. أوليس الأمر هكذا عندما يقف الرجل مشدوها أمام أمر الإله لإبراهيم يذبح ابنه والقضاء على حكمة دنيوية وقانون أرضي حتى يصبح الإنسان ذا ثقة مطلقة بتعاليم الله وأوامره ؟
لقد تخطى هذا الرجل المسافة اللانهائية التي تفصل بين ظرف العقل وسبل الإيمان.
إن المفكر الدانيماركي أصبح منذ هذه المرحلة يعيش طورا آخر فقد اتصل بالفرد الحق أن صح هذا التعبير الفلسفية وأضحى هدفه معرفة الحقيقة الأزلية.

وهنا تبدأ حملات سورين كيير ككارد على فلاسفة العصر الذين ينادون بالتجرد الكامل لمعرفة الحقيقة، فهو يعتبر هؤلاء الفلاسفة الذين يدعون إلى التجرد والنزاهة وفي مقدمتهم هيغل عدوه الأكبر بسطاء وهو يقدم أمام حقيقة هيغل المعجزة التي تعتبر فوق الفكر وأعظم من الحقيقة.
وقد قدر لكيير ككارد أن يدخل في هذه الحقبة من حياته في معركة كبيرة مع أحد الصحافيين بكوبنهاج هو أرون كولد شميدت الذي أراد أن يستهزئ به في جريدة هزلية.
وقد كان لهذه المعركة أثر كبير في تقوية إيمانه بشخصيته واعتزازه بذاتيته كما دخل في هذه الفترة بالذات في معركة أقوى من الأولى مع كبار رجال الكنيسة في الدانيمارك.
فقد بدا سورين كيير ككارد يصدر مجلة "الوقت" ويحمل في أعدادها الأولى على فقر الكنيسة الرسمية وتزوير الدين المسيحي من طرف رجال كان من الواجب أن يقوموا بحمايته وتقويته ولكنهم خوفا من التعرض للانتقاد فضلوا أن يسايروا تيار التطور ولو على حساب المسيحية.
وقد شاءت الأقدار أن يعيش في هذا العهد الذي كان يدعو فيه كيير ككارد إلى مطلبه المطلق القاضي بإيجاد حياة مثلى للإنسان كارل ماركس الذي كان يشغل العالم بآرائه المتفجرة ويبسط على المفكرين نظريته الثورية.
وقد كان الفيلسوفان معا يفكران مع هيغل وضده وكان هيجل يمثل في الوقت نفسه آخر الفلاسفة الكلاسيكيين وأول الموجهين للفلسفة الحديثة ! ولكن بينما كان ماركس يدعو مع هيغل وضده إلى ضرورة صعود القوات الحية التي ستقلب الأوضاع وتفرض على العقل تبرير المصير الذي سيؤول إليه العالم، كان كيير ككارد يعارض فكرة استيلاء الطبقة العاملة على الحكم متحملا في ذلك اتهامه من طرف خصومه بمعارضة سير التاريخ ومحاولة إيقاف عجلة تطوره.
ومن الغريب أن كيير ككارد لم يكن يعرف كارل ماركس حتى يعارض أفكاره ويقوم نهجه ولكنه كان يجهله وإنما كان يدافع عن فكرة يومن بها ويقاوم فلسفة أخذت في ذلك العهد تنتشر بسرعة انتشار الصناعة وتطور البشرية في القرن التاسع عشر.
وخلاصة القول فإن هيغل وماركس وكيير ككارد لازالوا أحياء بيننا بأفكارهم وفلسفتهم وإذا كان قدر للأولين أن يعرفا ويشتهرا في العالم بسرعة فائقة فإن الزمن لم يهمل فلسفة كيير ككارد إذ سرعان ما تجلى صدق رأيه فما كان على المفكرين والفلاسفة إلا أن يحبوا تراته ويعكفوا على ترجمة آثاره حتى أصبح اليوم هيغل وماركس وسورين كيير ككارد مرجع أهم تيارات الفكر المعاصر.
ومما لا شك فيه أنه لولا فضل هؤلاء العباقرة الثلاثة لما استطعنا اليوم أن نحاول التفكير والعمل في مجتمعنا الإنساني خارج هذا الثالوث : العقل والجماهيل والإلاه.
ولو لم تكن لآراء كيير ككارد قوة ومتانة لما استطاع أن يثبت وجوده رغم الإهمال الذي لقيه من المؤرخين والإعراض الذي وجده بعد مماته من المفكرين والفلاسفة.
ولكن الآراء الصائبة والأفكار الثاقبة لا تموت مع أصحابها ولا يعفى عليها الدهر لأنها أخلد من الدهر وأبقى من الزمان.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here