islamaumaroc

دور الحرب العالمية الأولى في تحرير نساء الشرق الأدنى

  دعوة الحق

67 العدد

روت لي فقيدة الأدب "مي" أن قاسم أمين أراد إهداء كتابه "تحرير المرأة" إلى الخديوي عباس فأبى عليه الخديو ذلك خشية أن يساهم معه في إثارة الرأي العام.
فالرأ العام الإسلامي كان وقتئذ حريصا على أن تلزم المرأة خدرها وتحتفظ بحجابها، وأن تبقى متمسكة بتقاليد بلادها وعاداتها.
حقا إن نضوج التمدن الحديث في عهدي إسماعيل باشا (1830 – 1895) وعبد الحميد الثاني (1876 – 1909) وما رافق ذلك من نشاط الحركة النسائية في أوروبا وأمريكا كانا قد حملا هذين العاهلين على مسايرة الزمن في أمور كثيرة، وفي عدادها إدخال تعليم البنات في برامجهما الإصلاحية، إلا أن أحدا منهما لم يفكر في تحرير النساء على نحو ما دعا إليه قاسم أمين وسائر أنصار المرأة.
غير أن انتشار المدارس الأجنبية في الشرق الأدنى، ونزول الأجانب في حواضره على نطاق واسع وما خلف ذلك من إقبال الطلاب والطالبات على هذه المدارس ناهيك باختلاط المواطنين بالأجانب كل ذلك كان له التأثير الكبير على أهل هذا الشرق رغم محاولات السلطان عبد الحميد في بقاء المرأة محافظة على خدرها وعاداتها.
ولما وقع الانقلاب العثماني (1908) واستبدت جمعية الاتحاد والترقي بالحكم في استامبول تطور الموقف بالنسبة للمرأة. فالاتحاديون أصحاب الانقلاب كانوا قد عاشوا في أوروبا، وأبقنوا، من جراء احتكاكهم بأهلها، إن الإصلاح في الشرق يجب أن يبدأ بتحرير المرأة.
غير أن نفوذهم في هذه الناحية الحساسة ظل، في أول الأمر محدودا، حتى إذا ما نشبت الحرب العالمية الأول (1914-1918) وتمتعوا بحرية التصرف المطلق عمدوا إلى تطبيق سياستهم التحريرية، وكان في عدادها تحرير المرأة، ولا سيما في البلاد العربية – العثمانية.
وكان لهم مآرب آخر في هذا التحرير يتصل بسياستهم الرامية إلى تتريك العناصر على اعتبار أن المرأة الأم هي المربية الأولى. وكان بعض الأجانب، عندما نشبت هذه الحرب، قد عمدوا في بلاد الشام إلى إقفال مدارسهم فوجد الاتحاديون بذلك فرصة مواتية لتطبيق برامجهم، فأوفدوا إلى سوريا أديبتهم الكبيرة خالدة أديب وذلك بالاتفاق مع جمال باشا، أحد أركانهم، الذي عين في العام الأول من الحرب، قائدا عاما للجيش الرابع في سوريا مطلق (الصلاحية) في الشؤون الحربية والإدارية. وبعد أن درست هذه السيدة الأمور التي عهد بها إليها عادت إلى إستامبول، ثم لم تلبث إلا قليلا حتى قفلت راجعة إلى بلاد الشام مصحوبة ببعض المعلمات التركيات، وعلى رأسهن شقيقتها الأديبة المعروفة نيكار عثمان خائم.
وكانت الحكومة قد صادرت الكليات والمدارس الأجنبية المقفلة فسلمتها إلى هذه البعثة، وأغدقت عليها الأموال، ومنحت خالدة أديب وشقيقتها نفوذا كبيرا إلى حد أنهما كانتا تستطيعان الحصول على إعفاء من تشاءان من الخدمة العسكرية.
وكان من نصيب البعثة في بيروت احتلال دير الناصرة ومدرسة البنات الفرنسية وقسم من كلية الآباء اليسوعيين المعروفة بالقديس يوسف.

وقد أقبلت الأوساط الشعبية على هذه المدارس التركية أيما إقبال، بيد أن العائلات الأخرى البيروتية، ولا سيما الأرستوقراطية منها، قابلتها بالانكماش، ذلك بأن هذه الأسر كانت، بالإضافة إلى عروبة مبادئها، قليلة العناية باللغة التركية، وترى في الأعمال التجارية المجدية غنى عن الوظائف الحكومية، خلافا لسائر البلاد العربية.
على أن المدارس هذه كانت، في الواقع، مصدر نفع ثقافي مرموق في بلاد الشام. وكانت في نفس الوقت مفيدة للسلطة من حيث نشر اللغة التركية وتأليف القلوب حول الأتراك. بيد أن الناس، على وجه عام، كانوا يأخذون عليها تلك الحرية الواسعة التي انتشرت في رحابها على غير المألوف وقتئذ في بلاد العرب، ولا سيما من حيث إقامة الحفلات المختلطة بين الجنسين، والرقص المشترك، وما كان يرافق ذلك من الإفراط في التبرج والخلاعة، وكانوا يأخذون على طالبات هذه المدارس تصرفات كانت لا تتفق حينئذ مع تقاليد البلاد مردها إلى الانتقال فجأة ودون استعداد من نطاق المحافظة إلى مستوى الحياة البيزنطية الرائجة في عاصمة السلطنة.

أما والناس على دين ملوكهم فإن تأثير الاتحاديين، من حيث انطلاق المرأة، لم يقتصر على هذه المدارس فحسبن بل لم يلبث أن تعداها إلى العائلات المحافظة في بلاد الشام عامة وفي بيروت خاصة حيث انكمشت تلك الأسر عن مدارس الحكومة. فقد أخذت المرأة على وجه عام تقلد مديرات هذه المدارس في الأزياء والتبرج وفي تصفيف الشعر وربطات الرأس. وراجت هذه الربطات، وكان يطلق عليها اسم نيكار نسبة لنيكار خانم المشار إليها. كما أن المسلمات أخذن أزرهن على نمط أزر نساء البعثة التركية.
ومن حسن الحظ أن التطور الذي أصاب بلاد الشام خلال الحرب لم يقف عند حد الأزياء والمظاهر، بل تعداه إلى الجوهر : إلى نواح أخرى مفيدة. وهنا مجال للتنويه بعزمي بك والي ولاية بيروت، تلك الولاية التي كانت تمتد من تخوم اسكندرونة إلى متصرفية القدس. فقد كانت هذا الوالي مخلصا في تحرير المرأة المسلمة رغابا في رفعها إلى مستوى غيرها من المواطنات. وكان إلى جانب حرصه على توثيق الصداقات مع أعيان البلاد لا يفتر يثير حماس هؤلاء لإشراك المرأة في الأعمال الاجتماعية. وقد أصاب نجاحا مرموقا حينما حملهم في بيروت على إنشاء ناد للفتاة المسلمة، وكان أول ناد من نوعه. فإذا بفتياتنا اللواتي كن بالأمس على عزلة تامة عن الهيئة الاجتماعية يبرزن إلى الميدان : يعقدن الاجتماعات في النادي، ويحيين فيه الحفلات الأدبية لسماع مشاهير الأدباء والعلماء، وإذا بنشاطهن يتعدى النادي إلى نطاق إنشاء مدرسة مجانية لتعليم الفقيرات. وكان أعضاء النادي يتولين بأنفسهن إدارتها وإعطاء الدروس فيهاز
وأكثر من ذلك فإن عزمي بك استطاع إقناع الأسر الكبرى من كل الطوائف بوجوب مبادرة سيدات البلد إلى العمل لتخفيف حدة الضائقة التي اشتدت بسبب الحرب فإذا بنا نراهن، يخففن نشيطات إلى إدارة المؤسسات الخيرية ويشرفن على دور الصنائع، وعلى المطاعم المجانية، وعلى المياتم وغيرها، ويرعين بصورة خاصة نساء المجندين. وفي السنة الثالثة من الحرب عين القائد فالكنهاين الألماني قائدا للجيش الرابع مكان جمال باشا، فما راق له ذلك التبذير والبطر اللذين انغمس فيهما القيمات على مدارس البعثة النسائية التركية في بلاد الشام فأمر بأعادتهن إلى إستامبول، وأغلق تلك المدارس.
وكان مرد استبدال فالكنهاين بجمال باشا يرجع إلى فشل سياسة الاتحاديين في البلاد العربية سواء أكان ذلك في الناحية العسكرية، أم في الناحية الاجتماعية، ذلك لأن جمال باشا كان قد أضاف إلى الموالين للسلطنة من العرب من جراء إعدام بعض أحرارهم وتجويع لبنان. غير أن الاتحاديين استطاعوا أن يتركوا مأثرة واحدة في بلاد الشام، وأعني بها فتحهم الباب على مصراعيه أمام المرأة للتحرر من التقاليد الاجتماعية البالية التي كانت تحول بينها وبين ممارسة واجباتها الإنسانية. هذا  فضلا عن تنشيطهم الفتيات إلى المزيد من الإقبال على طلب العلم.
حقا إن الرغبة في تعليم الفتيات قبل تلك الحرب كانت قد برزت في أكثر البلاد العربية. على درجات بينها، ولكن المحاولات التي قام بها الاتحاديون خلال الحرب في صدد تحرير المرأة كانت قد زودت هذه الرغبة بكثير من النشاط، ولا سيما عند المسلمين. فقد طغت على فتياتنا وقتئذ موجة من حب العلم رافقتها نزعة تباه به حتى صرن إذا خرجن من بيوتهن يتأبطن الكتب المدرسية وهن رافعات الرأس بها، ويجرين أن يعرضن بها أمام الأنظار.

ورافق هذا الإقبال على طلب العلم عند الفتيات تطور في الأفكار والتقاليد، واعتماد كثير على النفس : فالفتاة المسلمة التي لم يكن يسمح لها من قبل مبارحة دارها وحيدة، ولا يطلب منها الاشتراك مع والديها في أداء الواجبات الاجتماعية انقلبت، من بعد، إلى فتاة جريئة تشعر بوجودها، وتشعر بالتالي بالتبعات الاجتماعية الملقاة على عاتقها. فإذا بنا نراها تعمل لحاضرها وتعمل لمستقبلها، وتزور رفيقاتها وتستقبل، وتهنئ وتعزي، وتشهد الحفلات، وتشترك في الجمعيات، وتعتلي المنابر، وتساهم في تحرير الصحف.

ولأول مرة في التاريخ الحديث رأينا، خلال تلك الحرب، فتاة مسلمة تشغل وظيفة في الحكومة. كانت موظفة في دائرة البريد لاستقبال الرسائل محتفظة بحجابها. وكانت هذه الفتاة ترفع البرقع وتلقيه على رأسها خلال ممارسة عملها في الإدارة، ولكنها كانت تعود إلى ستر وجهها حينما تخرج إلى الطريق العام.
ولأول مرة في التاريخ الحديث صرنا نشاهد بعض النساء، خصوصا اللواتي تجند رجالهن، يعتمدون على أنفسهن لتأمين معاش عيلهن. وكان بعضهن، إبان المجاعة التي تفاقمت في لبنان، يتحملن مشقات السفر إلى داخل البلاد لجلب كميات صغيرة من الحبوب يتاجرن بها ويستعن بأرباحها على مغالبة الموت.
ثم انتهت الحرب العالمية الأولى، ولن تأثيرها على المرأة لم ينته. فإذا بها من بعد، فتاة ومتزوجة، تخرج من سجنها إلى معترك الحياة معتمدة على نفسها شاعرة بشخصيتها فتشارك المجتمع في الواجبات، وتؤلف الجمعيات، وتنشئ النوادي، وتقيم المعارض. وتصدر المجلات، وتخدم المياتم، وهي إلى ذلك تطالب بحقوقها وتباشر الأعمال بنفسها فكانت الحرب بذلك نقطة الانطلاق للمرأة.
وكانت، دون غيرها من الحروب السابقة، حجرا أساسيا لما شيدته المرأة العربية في الشرق الأدنى من مكانة اجتماعية على قدم المساواة مع الرجل.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here