islamaumaroc

الاستشراق في أزمة

  دعوة الحق

67 العدد

إن أية محاولة تستهدف دراسة أوضاع الثقافة العربية – ماضيا وحاضرا – لا مناص لها من الاستعانة بأعمال المستشرقين في هذا المجال. وهذا الترابط الوثيق بين الثقافة العربية، وبين حركة الاستشراق هو الذي يبوؤها مكانة خاصة تحتاج إلى كثير من الجهد والتحفظ والدفة. ذلك أن حركة الاستشراق اقترنت بملابسات سياسية ودينية واستهدفت أغراضا متنوعة حسب الحقب، مما يحتم عدة اعتبارات عند الاستفادة من نشاطاتها.
ولعل هذه الأهمية هي التي حدت بالأستاذ أنور عبد المالك إلى كتابة بحثه القيم "الاستشراق في أزمة" المنشور بالعدد الأخير من مجلة ديوجين "1".
والبحث يستغرق أكثر من 40 صفحة، لذلك سأكتفي بتلخيص خطوطه العامة نظرا لأهمية معلوماته.
إن تاريخ حركة الاستشراق قديم، يرجع إلى سنة 1245 م عندما قرر المجمع الكنسي لفيينا تخصيص كراسي لتدريس اللغات الشرقية. ولكن بداية الحركة المنظمة كانت في أواخر القرن التاسع عشر، عندما استعمرت "القارات المنسية" – كما كان الأوربيون يسمونها – فأسست المعاهد المتخصصة في دراسة الثقافات الشرقية، ثم نظمت مؤتمرات المستشرقين. وقد انعقد أول مؤتمر سنة 1873 بباريس..
وحسب ما انتهى إليه الأستاذ يوسف أسعد داغر، فإن هناك ثمانية أنواع من أعمال المستشرقين :
1) دراسات عن الحضارة القديمة
2) تجميع المخطوطات العربية بالمكتبات الأوربية
3) وضع فهارس للمخطوطات
4) نشر كثير من الكتب النفيسة
5) إعطاء دروس في المنهجية لعلماء شرقيين
6) تنظيم مؤتمرات عن الاستشراق
7) كتابة دراسات – وإن كانت مغلوطة من حيث الفهم اللغوي، والتأويلات الدينية – إلا أنها قوية بمنهجها
8) الإسهام في خلق وعي قومي بمختلف أقطار الشرق، وتنشيط النهضة العلمية.
وإلى جانب هذا الاتجاه العلمي لرجال الاستشراق، كان هناك اتجاه آخر يمثله خليط من الجامعيين ورجال الأعمال، والعسكريين، والموظفين الاستعماريين والمبشرين والمغامرين – وكان هدفهم : معرفة البلاد التي سيحتلونها، وفهم عقليات شعوبها لضمان استعبادها من طرف القوات الأوربية.
وهذا الاتجاه الغالب، كان له مفهوم عام يصدر عنه في رؤيته للشرق والشرقيين؛ وهو مفهوم يؤمن بالعنصرية، وبانحطاط السلالة السامية، ويعتقد بوجود جوهر تاريخي لكل أمة لا يمكن للكائن أن يغيره...
أما منهج الدراسة والبحث فإنه يعطي الأسبقية للماضي، ويعتبره أزهر فترة في تاريخ الشرق. وعند دراسة مظاهر الثقافة المختلفة، يقتصر هؤلاء المستشرقون على دراسة اللغة والدين كعنصرين معزولين عن التطور الاجتماعي العام، ومن تم فإن دراساتهم للتاريخ جاءت في مجموعها امتدادا لمفاهيم الماضي. وقد ظلوا – إلى أمد  قريب – يهملون مختلف أعمال العلماء الشرقيين رغم موضوعيتها ودقتها، ويتخذون مراجع لكتاباتهم، تقريرات الإداريين الاستعماريين، والبعثات الكاثوليكية الطافحة بالأحقاد السلالية.
ذلك هو وضع حركة الاستشراق منذ بعض سنوات.. ولكن التغييرات التي عرفها الشرق أشعرتهم بأزمتهم، وتخلفهم عن حركية التاريخ، بعد أن لم تعد بلاد الشرق مجرد "شيء" بل أصبحت "موضوعا" مساويا – تاريخيا وسياسيا – لدول أوربا.
يقول أنور عبد المالك في وصف عناصر هذه الأزمة :
".. إلا أن نهضة أمم وشعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، منذ نهاية القرن التاسع عشر، واطراد تقدمها السريع، نتيجة لانتصارات حركات التحرير الوطني في العالم المستعمر سابقا، وكذلك ظهور الدول الاشتراكية، والتمايز الجوهري بين الأوربيتين. كل ذلك زعزع هيكل الاستشراق التقليدي، وفوض أسسه.. وسرعان ما تنبه الاختصاصيون، والجمهور إلى هذا التخلخل، ليس فحسب بين علم الاستشراق وموضوع الدراسة، ولكن أيضا – وهذا يعتبر عاملا حاسما – بين المفاهيم، والمناهج ووسائل العمل في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وبين مقابلها عند حركة الاستشراق...
لقد وجد الاستشراق التقليدي نفسه متخلفا بالنسبة لتطورات البحث العلمي، وذلك نتيجة للنهضة القومية في الشرق، وتغير تاريخ شعوبه...".
وأمام هذه الأزمة، وجدت ردود فعل مختلفة ولكنها تتمثل في مظهرين جديدين للاستشراق :
1) الاستشراق الجديد في أوربا : وقد لخص مفهومه العام جاك بيرك، في الدرس التدشيني الذي ألقاه بكوليج دي فرانس سنة 1956. ورغم أنه حث المستشرقين على عقد صلات وثيقة بالأقطار الشرقية ولغاتهم، ليتمكنوا من فهم التيارات الجديدة، إلا أنه أكد عجز الشعوب العربية والإسلامية عن إعادة التفكير في حضارتها، ووصفها بأنها غير قادرة على إيجاد الوسائل والمعلومات التي تتيح لها العمل والتقدم.
واضح أن حركة الاستشراق الجديدة في أوربا، لم تستطع التخلص من عقدة "الوصاية" !
2) الاستشراق الجديد في القطاع الاشتراكي : وهو ينطلق من مفهوم عام يقر نهاية التفوق الأوربي سياسيا (كما أثبت ذلك مؤتمر باندونغ، وتقريرات اليونيسكو، وتقرير هايتير، والتقريرات الإيديولوجية لقادة الصين).
وعند انعقاد المؤتمر الخامس والعشرين للمستشرقين في موسكو، جاء في خطاب السيد ميكويان :
"... إن واجب المستشرقين في أعمالهم، هو أن يعكسوا – بموضوعية – التطورات الهامة لأقطار إفريقيا وآسيا، وأن يساعدوا بكيفية خلاقة على طرح المشاكل الأساسية التي تجابه شعوب الشرق في كفاحها من أجل التحرر القومي والمجتمعي، وتدارك التأخر الاقتصادي".
والغالب على دراسات حركة الاستشراق الجديد في القطاع الاشتراكي، اهتمامها بالدراسات الإفريقية الآسيوية المتصلة بالحاضر، مثل : التخلف، وتاريخ التوسع الأمبيريالي، والحركات الوطنية..
ومن الملاحظ أن إمكانيات ووسائل العمل لدى مستشرقي القطاع الاشتراكي قليلة ومحدودة إذا ما قيست بالإمكانيات المتوفرة للمستشرقين الأوربيين.. إلا أن الاهتمام يتزايد يوما عن يوم، كما يشهد بذلك نشاط المطابع والمعاهد في الاتحاد السوفياتي.
إن هذه الأهمية التي تكتسيها حركات الاستشراق لا تعني صلاحيتها المطلقة لرصد وتفسير حضارات الشرق وثقافاته.. ذلك أن فترة "الوصاية" والتفوق السلالي أو السياسي قد انقضت إلى غير رجعة وأبناء الشرق – والعالم الثالث بعامة – قادرون اليوم على تحمل مسؤولياتهم في إعادة دراسة تاريخهم وتوجيه مستقبل ثقافاتهم.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here