islamaumaroc

أدب الطير عند الجاحظ

  دعوة الحق

67 العدد


لم أحمل شيئا معي من كتب أبي عثمان الجاحظ إلى أوربا حين زرتها صيف سنة 1961، لكني وجدته لي رفيقا حيثما كنت أحل. فلقد عاش سائحا، لكن في مكانه، على نحو ما ساح الكاتب الفرنسي "ستاندال" في كتابه (سباحة حول غرفتي). وعرف الجاحظ من عالمه الشيء الكثير، حتى وصل في معرفته إلى حدود الإعجاز. ونحن على حضارة عصرنا العشرين، لا نجد فينا محيطا بالعلم من الأفذاذ أحدا، كما أحاط الجاحظ.

لقد ذكرته في صحن المعبد الكبير يحدق به البحر في مدينة فينيسيا، فقلت يالله، أيمضي معي شيخ أدباء العرب في القرن الثاني والثالث للهجرة وفي سائر القرون، إلى مدينة الأنهار البحرية، ويركب الفوندول، ويسمع القيتار من المغني، الذي كان ينساب بنا في مركب أرق من "سميريات" بغداد، على عهد الرشيد، حين كانت تنساب بدجلة تحت ليالي القمر.
لقد أخذت أخاطب أبا عثمان في سري، وأقول له :
ما جاء بك إلى هنا ؟ .
لكن بعد الشقة حملني على الخروج من الغندول الصغير إلى سفينة كبيرة متواترة المسير ورفيقاتها تنقل القوم كما تصنع في بلادنا حافلات الترامواي. فركب معي خيال أبي عثمان وأبي الرجعة إلى بغداد ما كنت أعلم مراده، حتى حللت به ساحة معبد سان ماركوس ذي الأعمدة الشاهقة الذي يعلو الجبهة العليا على بابه جودان مطهمان من خالص النحاس بردهما عتق القرون إلى الرومان، فأخذت هنالك أقتعد حافة من حفافي عمود ضخم توسط صحن المعبد، وقد علا تاجه القورنتي طيور كادت تغطيه، وازدحمت علينا في الصحن طيور لا يحصى لها عديد، فأخذت أنادم الجاحظ وأنا أداري هذه الطيور، وأنثر لها حبا اشتريته من صغير يبيعه للسائحين، فجعلت تلتقطه بمناقيرها، وهي تركب منكبي وراسي، وتقف على كتفي وساعدي، مؤنسة هادئة، تمنيت أن أعكف على مناقيرها، لو استطعت، بالتقبيل.

وكان الجاحظ قد زرع في نفسي الشوق إليها من طول ما مارست كلامه عليها، في كتابه الذي سماه "كتاب الحيوان" وقد وجدته يؤثر الطير ويحبه أكثر من كل حيوان ذكره في كتابه، ولو أني اصطفيت كلامه عليه، لاستخرجت منه علما جديدا في تاريخ علوم البشر في عصرنا، وهو (علم نفس الطير)،  فلقد حلل حركات الطير ووصف شبابه وألوانه وأحواله، وصور لنا صفته، ورهافة حسه، ودقة شمه، وانسيابه وراء قوته نحو الآفاق البعيدة، ومعرفته الدقيقة بالجهات التي يمر بها فيعود منها. وكيف كان رسولا أمينا في سوالف العصور وفي عصره، يحمل بأيديه وتحت أجنحته الرسالات الدقاق إلى أقاصي الأرض.
وقد أدهشني زمنا وأنا أعاين في سطوره حركات الطير، وشوق الحمام وحبه لأنثاه، وعزله، والتماسه التقرب منها، بعفة وصدق.
كل هذا مع إيراد النوادر والأحاديث الشيقة، والغريب من حكايات وأخبار تتعلق بالحمام والطير.

وقد كنت في دمشق أضيق بجانب داري برجل يكس الحمام فوق سطح بيته العالي، فيتخذ عصا طويلة على رأسها نتف من القماش، يرفعها بكلتا يديه، ويلوح بها في الجو، لسرب من الحمام كان يطير في الغدوات والعشايا، وكنت أعاين بملل وتضجر صنيعه حتى قرأت الجاحظ وأعجبت بكلامه الرائع على الطيور والحمائم، فصار شاغلي في راحتي وخلوتي أن أشاهد كناش الحمام في جوارنا، وأعد طيوره، وأرى كيف تحط وكيف تقوم، وكم كان يشوقني حتى الآن منها الطيور البيض، فأتمنى لو مسحت طويلا براحة يدي، على أجنحتها البضة التقية.

كل هذا مر بخاطري وخيال الجاحظ حيالي في ساحة كنيسة سان مارك بفينيسيا.
كان الجاحظ يقول في كتابه الحيوان (ولا نعرف شيئا من الحيوان أشرف من الخيل والطير). وكانت طريقة الجاحظ في دعم شواهده وأخباره في كثير من منهجه في التأليف استعمال الشعر والقول المأثور يدل به على وجهات قوله ومرام أفكاره، أو يجد أبعد دعما لموضوعه في آيات القرآن الكريم. ولما أخذ يمعن في البحث من أجل الحمام والطيور أورد آيات في الطير تتعلق بإبداعه وخلقه، حتى بلغ حكاية أصحاب الفيل، فذكر قول القرآن الكريم "فأرسل عليهم طيرا أبابيل" ثم ذكر الآية : "وورث سليمان داود" وقال "يا أيها الناس علمنا منطق الطير" ثم استمر أبو عثمان حتى أورد في أمر سليمان الآية "وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين" وقوله "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير" ويتعلق أبو عثمان بكلمة (منطق الطير) فينشرح خاطره في شرحها على أوجه من ظواهر الدلالة اللفظية والمجازات.

ثم يمضي إلى مطعم الطير ومحشره فيعدد الآيات :
"ولحم طير مما يشتهون" "والطير محشورة كل له أواب".
وقد وقفت طويلا عند الآية الأخيرة، لأرى محشر الطير في مكان آخر، أحفل بالناس من كل نوع وذلك في ميدان الطرف الأغر بلندن، حيث يجلس الناس على مدارج الحجارة، ينظرون إلى مطفرة الميدان، وقد علا رزازها وقفزت في عمود مائي إلى الجو، ثم جعلت ترتد إلى البركة الواسعة ذات التماثيل. والطيور دواكن الألوان تملأ الساحة، ويحار المارة والقاعدون، إذ يمشون، وأين يجلسون، من ازدحامها عليهم، وهي تطلب كرمهم المنساب حبا متناثرا من أيديهم، وقد فكرت آنذاك بالخيال العربي الذي مدح به الشعراء كرماءهم بمثل أقوالهم "تمطر يده، وتسيل كفه" وأكثر أولئك السائحين، كانوا يتزاحمون في الميدان الوسيع، أمام كنيسة القديس بطرس بروما، حيث الطير يؤلف أسرابا.

ولم أخل الخاطر في طيور المعابد، من بلادي : فإن في مسجدنا الأعظم بدمشق، مسجد بني أمية طيرا تعلو شرفاته وقبابه، لكنها قليلة مجفلة، لم يعودها أحد من الناس الإيناس، فيرمي لها الحب تلقطه، فهي أبدا نافرة معتزلة. وفي مساجدنا من ديار العرب طيور كثيرة، وقد دلنا الأدب العربي القديم على وجودها في البيت الحرام بمكة حين قال الشاعر مشبها العبد الرعابيب بالحمائم المكية المحرم صيدها إذ يقول : "كحمام مكة صيدهن حرام"ز
لقد لزمت أبا عثمان هذه الأيام، ولي إليه عود كلما تركته، وكان سبب عودتي إليه الآن إطلالة أطللت بها على حديقة جاري المباحة لنظري، والتي ترتمي عليها شرفتي الكبيرة، وعنده ستة طيور بيض، أسمع هديلها كموسيقى إلاهية ملهمة، أطرب لها، وأذكر كيف كان "وبول كلوديل" و"بييربينوا" مولعين بالطيور البيض، لكل واحد منهما طير كان يمسك به ويناغيه.

  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here