islamaumaroc

الإسلام والاستعمار

  دعوة الحق

67 العدد


ليس من شك أن الرابطة الأولى التي تجمع بين قلوب أهل الإسلام، وتجعل من شعوبه شعبا متواطئا ومتآخذا في الباساء والضراء، وفي العزاء والنكراء، هي رابطة العقيدة، والشريعة الإسلامية التي ينبغي أن نتخذها أصلا أصيلا لكل سبب ينبعث من قادتنا وحكوماتنا، ونعتمدها كأساس متين للحقوق المشتركة، والعقود المبرمة، والأنظمة القائمة، وتنمي أصولها وفروعها كلما طرأت الحياة، وهجمت الأحداث، ونحمي جذور قوتها، ونجدد مأثور دعوتها في مواطن إفريقيا وآسيا، وفي سائر بلدان العالم التي يوجد بها جماعات تبشيرية، ومراكز إسلامية.
ولا خفاء أن رابطة كهذه من شأنها أن تشكل قوة جبارة هائلة، تطوح بكل شر وعتاد، وتلقح مجموع الأطر الضرورية والمشاريع المادية التي يطمح إليها المجتمع الناهض المتجدد، وتقوم وجوده وحياته من اقتصاد وثقافة، ومن دفاع وسياسة، لأن الإسلام الذي تستند إليه هذه الجامعة، وتسير على صوبه وأوبه دين الحياة على الإطلاق، ودين العزة والنصرة والوفاق.
وقد يطرأ على مجتمعه ما يؤثر من سوء الفهم، وسوء التفاهم، وقد تنوبه عوامل أخرى فتصدع وحدته، وتهدم بنايته، وهو أمر طبيعي يمر بالإنسان عبر مراحل التاريخ.
إلا أن المرجع الحاسم فيما إذا عرضت مثل هذه النوائب هو كتاب المسلمين، ووحي الرسول صلى الله عليه وسلم، ففيهما العلاج لكل مخيل ومشكل والنجاء من كل مطبق ومعضل، وفيهما إثارة السبيل وهداية العقل.
على العناية بجامعة الإسلام يراد منها العناية بأسباب وحدتها، وسلامة كيانها، والمطابقة لمقتضى الحياة في كل ناحية من نواحيها، وفي كل مطلب من مطالبها ليستوي هذا المحيط الوسط على كرسي النباهة والمناعة، وليساهم مع الآخرين في أسرار السياسة العامة التي يموج بعضها في بعض، ويروج حكمها في واقع العالم الضعيف – يساهم من أجل طاقة عتيدة لها وحدة متكاملة، وسياسة متواصلة تتوفر على إمكانيات ضخمة، واختصاصات واسعة.
والإسلام الذي هو مصدر حياة المسلمين، وتطورهم العام، قائم في كل عصر، وعامل في كل ميدان، لا يجمد مع الجامدين، ولا يجحد مع الجاحدين، ولكنه يلاقي الأسباب والمصالح بصدر رحب، ويقيم اللوازم والأحكام التي تلائم العادة والحاجة طبق الإطار الصحيح، والنظام السليم.
وأما عدالته فتغشى المجتمع كله، وتستكمل القيم المعنوية والقيم المادية، على كثرة صورها وتعدد محالها، وبذلك فلا خلاء ولا شذوذ، وهيهات أن ينال من هيبته الساقطون والحاسدون، وإن بذلوا ما في جهودهم، ونزعوا إلى شر عروقهم.
وأيم الله لقد تهيأ في هذه العوالم ما لم يتهيأ لغيرهم من شرائع الأمور، وقواعد العلوم، وآيات الفضل، وطاقات الفكر، مما لو وقفوا إلى خدمته والتصرف فيه بعقل حكيم، واستمدوا الحياة من أصله بقلب سليم، لكانوا مشفين على غيرهم، وسابقين في وسائل التقدم، وأسباب الرفاهية ولأخذوا بزمام النفوذ، ومفاتيح الحياة، وذلك ما يحقق مفهومها، ويتمم منطوقها، ويطبعها بطابع الجدة والرفاهية، ولكان العالم يغبطهم على حياتهم، ويستتبعوه من ورائهم، ولكن أمر الله واقع غالب، وقدره سابق ونافذ "وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم".
وإذا كانت شعوب الإسلام تتداعى في الحرب، وتتهادى في السلم، فلأن روابط الدين، وعهود الإسلام – قاضية بمثل هذا التعامل، ولأن التقارب في الأنساب يوجب التقارب في الأسباب، إلا أنه في مثل هذه الفترة الغامضة التي تسفر عن حرب، ولا عن سلم – يتحتم على أئمة المسلمين وقادتهم وزعمائهم أن يتسلحوا بسلاح الجد والعمل، ويترادفوا على أسباب القوة والعدة، ويتقلدوا الأمر والسيف، متعصبين محتشدين، حتى يتهيأوا لمعاركة العداء، ويتجنبوا سياسة المكر التي ضجت منها كائنات الأرض.
ولا مراء أن الله ندب عباده المومنين أن يأخذوا بمبدأ العزة والكرامة في حياتهم إعلاء لكلمة الحق، ودفاعا عن حرمة الإنسان "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".
فأمرنا بمقاتلة من قاتلنا في ديننا وعقيدتنا، وبمهاجمة من هاجمنا في بلادنا ومصالحنا، ونهانا عن مصافاته في الداخل والخارج، وفي الظاهر والباطن، وذلك ما نسميه في هذا العصر : بكفر الاستعمار، وهو الكفر الذي أراد الإسلام أن يحاربه المسلمون كافة، ويقاطعوه عامة، سواء علينا أتراءى هذا الشبح المخيف من الضفة الشرقية، أمن من الضفة الغربية، ففي كل منهما فتنة وفساد كبير، وصدق قول الله العظيم في توجيه المسلمين إلى التناصر "إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
ولا سبيل إلى مدافعته، إلا إذا وضعنا الصف في الميزان، ووقفنا جميعا في المعمعان، وحملنا سلاحا كسلاحه، وأخذنا نظاما كنظامه "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب".
والإسلام إذ يوجب على المسلمين عبادة الله، ومعرفة ما يعبد به لألوهيته وربوبيته يوجب عليهم في ذات الوقت أن يشتغلوا بسائر المهن والفنون التي تفيد مصالحهم، وتصون أمنهم، وتمد اقتصادهم فالدفاع عن أراضي المسلمين، وعن حياتهم واستقلالهم أمر واجب لا هوادة فيه، وما يتوقف عليه هذا الواجب من استخراج المواد الأولية، واستعمال الأدوات اللازمة، وإقامة المصانع الميكانيكية، والمدارس التطبيقية، واجب كذلك وجوبا أوليا، وقد تكون له الأهمية والأسبقية على كل شيء، إذا استفحل الأمر واعصوصب الشر.
ومن قواعد التشريع الإسلامي أن الوسائل لها حكم المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما أساليب الصراع فمنوطة بظروف الزمان والمكان التابعة للأحداث المحيطة بالإنسان، ومن المعقول أن القوة لا ترد إلا بمثلها، ولا تدفع إلا بجنسها، ويقول المثل العربي : أن الحديد بالحديد يفلح.
وأما الكفر الهادئ المسالم الذي لا يحاربنا، ولا يناوئنا، فقد أمرنا بحسن معاملته وببره وأقساطه، وهذا ما يدعونه اليوم بالتعايش السلمي، فهو مذهب الإسلام من قبل، وهو شعار المسلمين من بعد، فهم حرصاء على الدخول في الإسلام والوئام "وأن اجنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم" "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين" "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".
والمسلمون سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، وهذه هي سياسة الحياد الإيجابي التي تسلكها الدول المحبة للسلام، وتتحالف من أجلها لتستطيع أن تنجب أضواء السياسة المتناكرة، وتتباعد عن أهواء القوة المتعارضة.
بيد أن هذا الاستعمار الذي تشابهت مناكبه في المرض، وتضامنت شياطنه في الأرض، بعد ما أحس بما يحيط به من خطر موجة التحرير المباركة، أخذ يبحث عن ظل جديد، ولقب جديد لتركيز وجوده، وتثبيت قواعده، وذلك بالبراعة في صوغ الأساليب الشيطانية، والمناورات العدوانية، وعرض الثقافة المغشوشة بالكفر والإلحاد، والحضارة الملوثة بأنواع الفساد، ومنه من لا يزال يتمرغ في مراغات الأرض، ويتجول في مناطق خيرها، ويوقع العداوة والبغضاء بين أهلها، بمعونة من ذوي رحمه، وبنصرة من الخلطاء والشركاء الموجودين في صفوف المنتظم الدولي، ذلك المنتظم الذي أجمع بمقتضى قانونه على استنكار وجود الاستعمار وتصرفاته المخزية، ولكنه بكل أسف كان ذلك بمجرد القول واللفظ، ولذلك نرى الآراء تتضارب، والشياطين تتلاعب ضاربين بتوصية الأمم المتحدة عرض الحائط، ومتحدين قرارها وقانونها، وهذه ملكة سبأ عبرت من قديم عن مخاطر الاستعمار، كما أخبر الله عنها في الكتاب العزيز : "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" فما دخل الاستعمار بلدة من بلاد الله إلا ومسخ قلوبها، وزلزل عقولها بما يروج فيها من موازين وقيم مصنوعة، وأخلاق وأفكار مشبوهة تباعد ما بين الإسلام والمسلم، وتفسخ أخلاقه، وتهدد عقائده، وتضلل أفكاره، بينما البلاد التي حماها الله من عره وشره ما زالت تنعم بإيمانها، وتتمتع بأخلاقها، وتتقيد بأحكامها، فلا عداء يظهر، ولا منكر يجهر، ولا نعار بنعر، والفضل في ذلك يعود إلى تحكيم الإسلام الطاهر في حياة المسلمين، وإقامة حدوده وأحكامه بينهم من دون الثبات على أمورهم، فلا يوضع الخصم موضع السيطرة والتنفيذ، ولا يمكن من إثبات سلطته ونفوذه على الناس، كما هو الواقع والجاري عند بعض الشعوب الإسلامية التي استقلت، واحتفظت بنظام (الفنيين والمستشارين) فأصبحت البلاد بحكم ذلك عرضة للخطر، وقرية للشرر.
ولا يعقل أن يحكم الإسلام عدوا في مصالحه، ويعتمده كمستشار في أموره، ولا يمكن أن يقر ذلك بوجه عن الوجوه في حكم من الأحكام إلا في ضرورة خاصة، وحالة شاذة على أنهم كانوا في أول الإسلام يتحرون في ولاية المسلمين، فلا يولون إلا من يوثق به من الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف يتأتى أن يولوا غيرهم عليهم، وإن كانت هناك واسطة "ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا"
كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن نصرانيا بالبصرة لا يحسن ضبط خراجها إلا هو، وقصد ولايته على جباية الخراج لضرورة تعذر غيره فكتب إليه عمر رضي الله عنه ينهاه عن ذلك، وقال له في الكتاب مات النصراني والسلام أي أفرضه مات، ما ذا كنت تصنع حينئذ فأصنعه الآن.
ومما وقع لأبي بكر الطرطوشي رحمه الله أنه لما أتى الخليفة بمصر وجده في حالة غضب، ووجد عنده نصرانيا قد سلم إليه قياده، وأخذ يسمع رأيه، وينفذ كلامه في المسلمين أنشده :
يا أيها الملك الذي جوده
  يطلبه القاصد والراغب
إن الذي شرفت من أجله
  يزعم هذا أنه كاذب
فغضب الخليفة وأمر بالنصراني فسحبه، وأقبل على الشيخ فأكرمه وعظمه.
وما يقال عن القاضي إسماعيل العراني في وزير المعتضد عبدون بن صاعد النصراني فهو من باب مداراة الناس، ومجاراة السياسة – نسأل الله أن يوفق المسلمين لإتيان ما فيه خيرهم، وتجنب ما فيه ضررهم والله قدير.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here