islamaumaroc

الحضارة الإسلامية حضارة عربية

  دعوة الحق

67 العدد


لم يتح لأي دين من الأديان السماوية من الدرس والتمحيص والاستجلاء مثلما أتيح للدين الإسلامي على الرغم من حداثته وفتوته. والسر في ذلك يرجع إلى سبب رئيسي وهو أنه لم يكن دين تعبد وأخلاق وحسب، ولكنه كان علاوة على ذلك دين نظم وإدارة وبعبارة أدق كان نقطة انطلاق عميقة في مكاسب البشرية وتقدمها، وكان بعثا حقيقيا لطاقات عربية لم تكن دفينة ولكنها كانت مهملة معزولة.

وحضارة الإسلام قد تكون شيئا مختلفا عن تاريخه السياسي، إذا ما عمدنا إلى تجريد هذا التاريخ من طابع الاتصال والتمازج والاحتكاك، فليس مما يعني البحث في الجانب الحضاري أن تسير الأحوال السياسية حسب هذا الطريق أو ذاك، وليس مما يهمه أن يختلف علي ومعاوية أو بتجني الأوس على الخزرج أو يناوئ القيسون مضرا ويلاحق العباسيون الطالبيين أو يفر الشعبة الأدارسة والأمويون إلى المغرب أو تنازع الطوائف المذهبية والعنصرية بعضها البعض، ليس يهمه شيء في ذلك إلا ما يمكن أن ينتج عنه من دفع في حياة المجموعة البشرية، فالاتجاه عنده هو اتجاه الجماعة لا سلوك شخص أو جيش.

والتاريخ حسب الفكر الحضاري هو فهم نظام التطور المعقد للبشرية، والإطلال على المجتمعات في إطار احتكاكها بعضها مع البعض الآخر وإيجاد القوانين التي سيرت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والفنية، حتى كونت حاضرنا الذي نعيش فيه حسب الترتيب الزمني والتأقلم الجغرافي، وحسب مساهمة كل شعب من شعوب الكرة الأرضية في صنعه.

إن اسم الحضارة يشير بكيفية مدققة إلى مدلولها الاجتماعي، وهو يعني الحضر أي سكنى الحاضرة، والمدنية التي هي مراد لذلك الاسم مشتقة أيضا من سكنى المدينة، وكل إنسان هو جزء من حضارة قامت حيث انتهى الخوف وانقطع الاضطراب وعم السلام، وازدهرت حيث أمكن للإنتاج الفكري والذوق أن يترعرعا وينموا، وأينعت عندما أمكنها الاستفادة من تجارب الآخرين ومن إيصال تجاربها لهم سواء بسواء. والإسلام زكى الأهداف البشرية والغايات المشتركة بين القوميات والشعوب الأخرى التي يقدس الحرية، ويدعو للمساواة ويرسم المثل الأعلى للمؤمن الحقيقي وهذا ما أتاح لحضارته فرصا للذيوع أكثر مما أقيم لحضارات أخرى.

وإن أية قومية مهما كانت، ومهما خطت في ميدان الرقي والنمو والتألق، لا تكون فعالة في إيصال إنجازاتها للآخرين وخدمة التطور البشري، ما لم تكن ذات نظام قار يحمي الجماعة ويؤمنها من الخوف والهلع ويند بها بالتالي إلى الاستقرار والإنتاج والتفتح وما لم تكن ذات لغة مكتوبة، إذ هي الوسيلة الفعالة في التبادل الفكري.
والعرب حتى قبل الإسلام لم يكونوا متوفرين على ذلك فقط بل كانوا أيضا أصحاب أخلاق وتسامح وتربية وحب للغريب، وهذه أصول ضرورية لا في قيام حضارة طبعا ولكن في استمرارها وتلقينها للأجيال والأقوام الأخرى.
والعرب سواء كانوا في جزيرتهم القاحلة التي لا سبيل فيها للكد من أجل العيش والبحث عن الماء والعشب أو في جبال المغرب حيث كانوا يهربون بأنفسهم من تسلط الغزاة الفنيقيين والرومان والبزنطيين والوندال أو في بوادي الشام والعراق حيث تعرضوا لآفات اضطراب العلاقات بين الفرس والبزنطيين وكانوا وقودا لحروبهم. وقد أقاموا الدليل جميعا على نبوغهم وقدرتهم في التغلب على الطبيعة، والتغلب على الطبيعة هو المقياس الذي تقاس به درجة نزوع شعب نحو التحضر والرقي. وهم بذلك قد هدموا الفكرة القائلة بأن (الحضارة هي التي تكون الشعب والشروط الطبيعية ضرورية في ذلك التكوين).
وليس صحيحا كذلك ما يقال أن الحضارة الإسلامية هي نسخة جديدة من حضارات كانت توجد في البلاد التي فتحت منذ ولاية الخلفاء الراشدين، ومن الطبيعي ألا ينكر المرء أن تلك الشعوب كانت ذات حضارة متألقة قبل دخولها الإسلام ولكن تتمثل فيها وحدها المقومات الرئيسية للحضارة الإسلامية.
والعرب سواء كانوا في المشرق أو في المغرب قد ضربوا بسهم وافر في ميدان التطور قبل مئات السنين من ظهور الديانة الإسلامية.

فالدول التي قامت في اليمن وهي الدولة المعينية والسيائية والحمرية قد عاشت من عام 1300 إلى عام 525 بعد الميلاد أي أنها دامت زهاء ألفي سنة.

وكان لتلك الدول على التتباع نظام سياسي واجتماعي ثابتين وكان الملوك يشجعون بأنفسهم الحركة الثقافية والعلمية والتجارة مع جنوب الجزيرة وشمالها ومع شرق إفريقيا. وبلاد اليمن اعتبرت من أكثر البلاد تطورا في القديم، فهي كانت تعرف تقاليد الزراعة والري وأنشأت سد مأرب الذي كانت له جنتان عن يمين وشمال واشتهرت بمعادن الذهب والماس والفضة والحديد التي كانت تستخرج من أراضها وتعالج قبل أن تصدر إلى الخارج برا حتى بصرى والبتراء بسوريا وظفار وعمان بالشرق أو بواسطة المراكب التي حضرت الموانئ الاصطناعية لإيوائها. ولم يكن يضاهي الفن المعماري باليمن القديمة أي فن آخر سواء في هندسته أو أسلوبه الفني.
ولم تنقص الحضارة النبطية تألقا وإبداعا، فدولة الأنباط التي سكنت أقصى الجنوب من الأردن الحالي حول مدينة البتراء من القرن السادس قبل الميلاد إلى أوائل القرن الثاني بعده كانت ذات أهمية تجارية عظيمة وكانت منتوجات الهند واليمن والفرس تتبادل في نطاق هذه الدولة التي امتدت حتى دمشق. وقامت المؤسست العمرانية من بيوت ومعابد وقبور وهياكل وأقواض للنصر تزخرف بالنقوش التي لا يضاهيها في جمالها حتى الفن البزنطي الذي كان يجاورها.

وبعد انتشار البتراء ظهرت مملكة أخرى في تدمر وشهدت توسعها على عهد الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي، وقد عملت تلك الملكة العظيمة على توسيع مجال التجارة وأنشأت مجلسا للشيوخ وسكت النقوذ الذهبية، فعمت الثروة والرخاء في بلادها وظهرت الهيئة الاجتماعية الشرقية الملامح والأسس، وقد انتقلت تأثيرات هذه الدويلة إلى الهند التي كانت تربط بها بواسطة طريق برية مرصوفة، ولا تزال آثار الرواق التدمري الذي كان طوله 1100 م والذي كانت الأعمدة الكورفنية العريضة تحف به يمنة ويسرة. وظهر التصوير والرسم بالزيت والأصباغ وكانت اللغة والكتابة عربية وبهما كتب (قانون تدمر المالي) الذي يعتبر من أقدم الميزانيات في تاريخ البشر وكان إلاه المدينة وحاميها هو (اللات) المذكور في القرآن الكريم.
وحضارة الغساسنة التي قامت حول دمشق واللخميين التي ظهرت في بداية العراق لم تكونا بيزنطية أو فارسية في شيء فالآثار العربية فيهما كانت أقوى من غيرها، والصلات مع بزنطة وفارس التي حملت على التصور المضاد كانت سياسية ولم تؤثر في الطابع العربي القائم على اللغة والآداب والعادات وغير ذلك مما احتفظ به العرب حتى في هذه الجهات البعيدة عن موطنهم الأول.


وحتى إذا ابتعدنا من الأطراف نحو داخل جزيرة العرب تطالعنا حضارة الحجاز المزدهرة ولم تستطع الكتابات والشواهد التي بقيت من العنصرين الأموي والعباسي والتي حاولت أن تضفي على العصر الجاهلي ما شاءت من صفات القصور والتأخر لم تستطع أن تطمس معالم حضارة العرب الأولى التي هذبها الإسلام وزكاها وزودها بالآداب والأخلاق الجديدة.

وفي المغرب لم يكن الشأن مختلفا، فالمغاربة لم يتأثروا بحضارة الأجانب الذين أتوا إلى بلادهم في فترات ابتدأت منذ ألف سنة قبل الميلاد وانتهت بوصول طلائع الفتح الإسلامي، وذلك لأنهم لم يقبلوا احتلالا مهما كانت الوسائل المتوسل بها، وبقطع النظر عن بعض المدن، (كوليلي وشالة) التي كان الطابع الأجنبي ظاهرا فيها فقد شقت الحضارة المغربية القديمة الخاصة طريقها وهناك صور للمظاهر الأدبية والعمرانية والإدارية والفنية والاجتماعية يحفل بها تاريخ المغرب القديم وهي تظهر أصالة المدنية في هذا الصفع الذي فتح كغيره ذراعيه للجانب الروحي من حضارة الإسلام.
ومن الحيف مع ذلك أن ننسب إلى العرب الذين حملوا راية الدين الجديد كل فضائل الحضارة التي رافقت أدواره التاريخية إلى يومنا هذا، فذلك ما ساهمت فيه كل الأجناس التي خضعت للحكم الإسلامي ورعتها الإدارة الإسلامية من بربر وآرليين وطورانيين وفرس وأتراك ... الخ.
فقد قدمت تلك الشعوب عناصر منعشة ورافدة للحضارة الإسلامية في العلم والفلسفة والأدب والفن والعمارة والاقتصاد.

ولكن هؤلاء (المسلمين) يمكن أن نسميهم عربا جميعا، طالما أن الأداة التي استعملت في النقل الحضاري هي اللغة العربية.
والعربية لم تكن لغة الدواوين والعلم والأدب والفن فحسب ولكنها كانت قبل ذلك وبعده لغة القرآن.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here