islamaumaroc

الإقواء في الشعر العربي القديم

  دعوة الحق

67 العدد

الشعر هو الصورة المعبرة عن عواطف الإنسان وإحساساته بألفاظ رشيقة معتمدة على نغمات وألحان تثير عواطف السامعين المرهقين وتدفعهم إلى التأثر بما يسمعون.
وأهم ما في الشعر العربي قافيته التي تبعث فيه ذلك الإيقاع الموسيقي المهيمن على أوزانه العامة، والتي تخلق فيه ذلك الجرس المتوازي النغمات، إنها الطابع الأصيل الذي يبرز الشعر العربي مرتبطا بالغناء متصلا بالموسيقى، غير ناشز عن الذوق الجميل واللحن المتزن.
ولقد عرف العرب أهمية القافية في الشعر فأطلقوها مجازا عليه من إطلاق الجزء وإرادة الكل، قال شاعرهم :
أعلمة الرماية كل يوم
  فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
  فلما قال قافية هجاني
وإن ارتباط الشعر بقافيته، دفع علماء الأدب إلى الاهتمام بعلمين أساسيين في دراسة الشعر العربي : أما أحدهما فعلم العروض وهو يهتم بدراسة الأنغام الشعرية العامة التي استعملها العرب وبحصر أوزانها في أبحر محدودة أظهر الخليل ابن أحمد أشكالها ليتيسر لمن كان لهم استعداد فطري أن ينهجوا نهج العرب في إنشاء الشعر وصياغته.
وأما العلم الثاني فقد خصص لدراسة القافية وإبراز محاسنها وعيوبها حتى إذا ما اطلع الشعراء على ذلك اهتموا بشعرهم، وعنوا به كثيرا فصاغوه بعيدا عن البذاذة والغموض والتعقيد والتكلف والسذاجة، وأبعدوه عن الاضطراب في توازن حركاته وانسجام مجراه.
ولقد ذكر العلماء أن للقافية عيوبا مختلفة وألزموا الشعراء باجتنابها ليكون شعرهم جذابا خاليا من الاضطراب في لفظه أو معناه.

ومن هاته العيوب أن يأتي الشاعر في قصيدته ببيت شعري لا ينسجم في حركة رويه مع باقي الأبيات، إلا أنهم ذكروا أن الاختلاف إذا وقع برفع بيت وجر آخر سمي إقواء، وإذا وقع الاختلاف من الفتح إلى الكسر أو الضم سمي إصرافا(1).
والإقواء في اللغة من قولهم أقوى الحبل، إذا جعل بعضه أغلظ من بعض، لعدم إحكام قتله وكذلك الشأن بالنسبة إلى القصيدة حين تفقد انسجام سبكها وتختلف حركة رويها لأنها لا تسير على نسق واحد ولا تمتاز بجودة التأليف اللفظي.
ومثال ذلك قول حسان بن ثابت يهجو الحارث بن كعب المجاشعي :
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر
  جسم البغال وأحلام العصافير
          كأنهم قصب جوف أسافله
  مثقب نفخت فيه الأعاصير
وكقول الحارث بن حلزم في معلقته :
ليس ينجى الذي يوائل عنا
        رأس طود أو حرة رجلاء
فملكنا بذلك الناس حتى
  ملك المنذر بن ماء الماء
وليس بخاف أن هذا الانتقال المفاجئ من حركات متوالية إلى حركات أخرى بعيدة عنها في المخرج يثير قلقا في السمع ونشورا في النغمة الشعرية التي ترتكز عليها القصيدة مما دعا كثيرا من الشعراء الإسلاميين إلى أن يفتخروا بتهذيب شعرهم وإبعاده عن هذا الانزلاق بالقافية إلى مظهر ينبو عنه الذوق السليم :
قال ذو الرمة :
وشعر قد أرقت له طريف
  أجنبه المساند والمحالا(2)
وما افتخر ذو الرمة بتقديم شعره سليما من عيوب القافية خاليا من الخلل في توازن حركاته إلا لكونه كان يعرف ما يوجهه النقاد من اللائمة على الذين لم يسايروا هاته الطريقة الجديدة ورضوا بالتقليد المطلق للشعراء الجاهليين في استعمال الإقواء في شعرهم.
ولقد لام المعري في رسالة الغفران شاعرا إسلاميا لأنه استعمل الإقواء في شعره(3) وهذا يدل على ن النقاد لم يكونوا يستسيغونه في الإسلام، ولكن كيف أمكن للجاهليين أن يستعملوه في شعرهم وأن يستسيغونه دون أن يروا في ذلك عيبا، فهل كانت أذواقهم ضعيفة أو كانت صناعتهم للشعر غير ناضجة أو كانوا يستعملونه عمدا للغاية من غايات البيان والإعجاز ؟
يظهر من الدراسات النقدية في الآداب، أن الشعراء الجاهليين لم تكن أذواقهم تستهجن استعماله والدليل على ذلك أن كثيرا من فحول الشعراء قد استعملوه في شعرهم، فقد استعمله امرؤ القيس والحارث بن حلزة وحسان بن ثابت والنابغة الذيباني.
ومن المعروف عند الأدباء أن النابغة كانت تقام له خيمة عظيمة في سوق عكاظ، فيفد عليه الشعراء ينشدونه أشعارهم ويتفاضلون أمامه ليحكم بينهم.
وليس من الظاهر أن يكون الحكم بين الأدباء جاهلا بقواعد الشعر غير عالم بفنونه ولا مطلع على ما يستهجنه الناس ويستحسنونه، إذ لو كان يرى في الإقواء عيبا لتجنبه وجنبه الناس.
ولقد عسر على بعض الرواة أن يروا النقاد الإسلاميين يستنكرون استعمال الإقواء ثم لا يجدون في الجاهليين من يستنكره، لذلك رووا أن النابغة كان إذا أقوى لم يتجاسر أحد عليه لينبهه حتى إذا أقبل يوما إلى مدينة يثرب وأنشد جماعة منها قصيدته التي وصف فيها المتجردة احتالوا عليه فأتوه بجارية فغنته من هاته القصيدة قوله :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
  فتناولته وأتقنتا باليد
يمخضب رخص كأن بنانه
  عنم يكاد من اللطافة يعقد
وتعمدت الجارية إشباع كرة اليد حتى صارت ياء كما تعمدت إشباع ضمة بعقد حتى أصبحت وأوا فتنبه النابغة آنذاك إلى الأثر السيء الذي يحدثه الإقواء في الشعر وتجنبه وتزيد الرواية أنه قال : (دخلت يثرب وفي شعري بعض العاهة فخرجت منها وأنا أشعر الناس).
وإذا كانت هاته الرواية صحيحة فإننا نعتبرها خاطرا جديدا طرأ على الأذواق في الجاهلية في أخريات هذا العصر، لأننا لا نجد من الشعراء قبل ذلك من أنكر استعمال الإقواء، بل إنني أرى الإقواء كان يستعمل قصدا لتأكيد الكلام وتقريره وتنبيه السامعين إلى نقطة معينة يريد الشاعر أن يوجههم إليها، وهذا هو السر في أن كثيرا من الشعراء كانوا يستعملونه في القصائد التي يقدمونها في المنازعات والمرافعات.

فقد اشتهر في الأدب العربي أن أمرئ القيس والأعشى تساجلا، فقدم كل منهما قصيدة إلى أم جذب زوجة امرئ القيس لتحكم بينهما وتختبر شاعريتهما فتفضل أحدهما على الآخر :
كان مطلع قصيدة امرئ القيس :
خليلتي مرا بي علي أم جنذب
  نقض لبانات الفؤاد المعذب
وكان مطلع قصيدة الأعشى :
ذهبت من الهجران في كل مذهب
  ولم يك حقا كل هذا التجنب
ولا شك أن القصيدة التي يريد الشاعر أن يبرز بها خصمه يتعمد في صناعتها ويوجه عنايته إلى معانيها وألفاظها، ولقد كان امرئ القيس من أشهر الشعراء الذين امتازوا بحسن الصنعة وجمال الأسلوب والتنوع في التعبير، ومع ذلك فقد استعمل الإقواء في هاته القصيدة التي حاول أن يبدع فيها وأن يتغلب على خصمه، فلو رأى في استعماله ما يفسد عليه خطته لتجنبه ولأثر الابتعاد عنه بل إنه كان يرى فيه مظهرا من مظاهر الصنعة، ووسيلة من وسائل التنبيه والإغراء.
قال امرئ القيس في هاته القصيدة :
ففننا إلى بيت بعلباء مردح
  سماوته من أتحمي معصب
وقلنا لفتيان كرام إلا أنزلوا
  فعالوا علينا فضل ثوب مطنب
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا
  إلى كل حاري جديد مشطب
نظل لنا يوم لذيذ بنعمة
  فقل في مقبل نحسه متغيب
فهو قد خص الإقواء بهذا البيت لأنه صور فيه يوما من أيام ذكرياته كأن قد أنعم فيه واستراح وخشي أن تمر به دون أن تحس بما يحس وأن لا تشعر بما يشعر به ولذلك استعمل الالتفات أيضا.
وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى الحارث بن حلزة وعمر بن كلثوم.
فقد وقع الخلاف بين البكريين والتغلبيين وكاد أن يدفعهم إلى حرب طاحنة لكنهم التجأوا إلى المحاكمة أمام عمرو بن هند ملك الحيرة وترأس التغلبيين عمرو بن كلثوم فألقى جزءا من معلقته الشهيرة التي أبدع فيها، فكانت تنبعث منها العواطف صاخبة مدوية ترفع قبيلة تغلب على كل القبائل وفي هاته القصيدة يقول :
متى ننقل إلى قوم رحانا
  يكونوا في اللقاء لها طحينا
يكون تفالها شرقي نجد
  ولهوتها فضاعة أجميعنا
وكانت الضرورة تدعو شاعر البكريين الحارث بن حلزة أن يرد مزاعم التغلبيين وأن يصامد شاعرهم ويقاومه بالحجة والدليل فقام أمام الملك وألقى قصيدته الشهيرة :
أذنتنا بينهما أسماء
  رب ثاو يمل منه النواء
وغير خاف أن القصيدة التي ألقاها الحارث بن حلزة كانت عصارة فكره وعاطفته أجهد فيها نفسه ليقدمها صورة رائعة تجمع بين حسن البيان وقوة المعاني وبين سحر الألفاظ وجلال الأفكار، اعتمد في صياغتها على التجربة والممارسة للحياة، لقد كان مثالا للذكاء والدهاء لا ينطق إلا بالحجة ولا يتحدث إلا بالبرهان ولا يستعمل من الأساليب البيانية إلا ما كان قويا وجليلا، ولهذا نعتبر استعمال الإقواء في قصيدته يرمز إلى التوكيد والتقرير وتنبيه السامعين فهو قد انتقل في قصيدته من مدح قبيلته إلى مدح والد الملك المتحاكم عنده ليستمليه وليذكره بأن التغلبيين كانوا قد خذلوا أباه قال :
ليس ينجي الذي يوائل عنا
  رأس طود أو حرة رجلاء
فملكنا بذلك الناس حتى
  ملك المنذر بن ماء السماء
ملك أضرع البرية لا يو
  جد فيها لما لديه كفاء
إن الإقواء في هذا البيت كان مقصودا، لأن الشاعر حينما أراد أن ينتقل إلى مدح والد الملك خشي أن يكون الملك لاهيا عنه، فأحدث في القافية هذا التغيير المفاجئ ليجذبه إليه من جديد ولينبهه إلى ما يكنه من إجلال لملوك الحيرة.
وإن تحوير مجرى القافية يبعث في السامع انطباعا غير منتظر قد يدفعه إلى ترديد البيت المقصود الذي يسعى الشاعر في تقرير معناه.
ولم يكن العرب يستعملون أسلوب التوكيد بتحوير مجرى الحركة في الشعر فقط، وإنما كانوا يستعملونه في النثر أيضا والقرآن وهو الكتاب الذي أنزل بلسان عربي مبين قد خاطب العرب وفق الأساليب التي يفهمونها ويستعملونها، فأكد بتحوير مجرى الإعراب أيضا، قال تعالى(4) : "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".
فإن سباق الكلام يقتضي رفع الصابرين، ولكن الله تعالى حينما أراد أن يظهر فضل الصبر في الشدائد، وأن يوجه إليه عناية المسلمين غير مجرى كلامه حتى نتدبر ذلك ونتسلح بالصبر عند النوائب.
وهكذا رأينا أن تحوير الكلام العادي يشعر بالتأكيد وهذه هي العلة التي كانت تدفع شعراء الجاهلية إلى استعمال الإقواء في شعرهم قبل أن تمجه الأذواق وتعده عيبا من عيوب القافية.

 

(1)  هذا التفصيل لا يوجد في الكتب الحديثة التي تتحدث عن علم القافية وإنما تمسي جميع أنواع الاختلاف بالإقواء، وإذا أردت أمثلة للإصراف فارجع إلى متن الكافي في علمي العروض والقوافي لأبي العباس أحمد بن شعيب القنائي.
(2)  السناد في علم القافية اختلاف ما يراعى قبل الروي من الحروف والحركات ولكن المراد في بيت ذي الرمة كل عيب يلحق القافية.
(3)  رسالة الغفران لأبي العلاء المعري تحقيق وشرح الدكتورة بنت الشاطئ سلسلة ذخائر العرب صفحة 135.
(4)  من سورة البقرة آية 177.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here