islamaumaroc

كاموينش، شاعر الفتوحات البرتغالية

  دعوة الحق

67 العدد

نشرنا في العدد الفائت بحثا بعنوان "تاريخ حملة البرتغال على المغرب في المصادر البرتغالية". ونظرا لما كان بين هذه البلاد ووطننا من الاتصال الوثيق خلال قرون متعددة وإحاطة شاعرها الفذ بهذا التاريخ فقد رأينا من الفائدة التاريخية والأدبية من جميع جوانبها. ولعله يكفي أن يكون الشاعر الفحل قد حارب بلادنا حتى فقئت عينه اليمنى ضمن الحامية البرتغالية بسبتة وذاع اسمه في مختلف أطراف الأرض لينال حظا موفورا من اهتمامنا التاريخي والأدبي معا.

مرت أربعة قرون على قيام مملكة البرتغال عندما شرعت في النصف الأول من القرن السادس عشر تسير بخطوات واسعات نحو السيطرة على العالم بفضل كشوفها وفتوحاتها. فلقد أخذت هذه الدولة التي لم يكن مجموع سكانها يزيد على مليون ونصف تبسط سيطرتها على أقطار متباعدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا على السواء فأصبحت في حاجة إلى أديب يشيد بمفاخرها ويخلد أمجادها كما كانت القبائل العربية تحرص من قبل على أن يكون لها خطيب وشاعر ينشران أعمالها في الناس. وفي هذه الأثناء ظهر "لويس دي كاموينش" Luis de Camoens فكتب قصيدة مطولة خالدة في تاريخ الآداب العالمية واقترن اسمه بتاريخ وطنه ولغته معا.
ونحن لا نشك في أن مكانة (دانتي) و(شيكسبير) و(ثيرفانطيس) عظيمة للغاية في الآداب الإيطالية والإنجليزية والاسبانية، ومع ذلك فنحن لا نشك أيضا في أنه لم يكتب لأحد من هؤلاء العمالقة الثلاثة أن ارتقى إلى مكانة الشاعر "كاموينش" في البرتغال. ذلك أنه كان شاعرا قوميا وقف قصيدته كلها على تمجييد وطنه وزوده بلغة حديثة حية وأدب حماسي أخاذ رائع فضمن لنفسه الخلود في كل الأقطار الناطقة باللغة البرتغالية.

من هو "كاموينش" ؟

ينحدر الشاعر من بيت نزح من ناحية جليقية بالشمال الغربي لاسبانيا إلى البرتغال في السنة السبعين من القرن الرابع عشر على عهد "أنريكي الثاني" ملك قشتالة. وإذا كان الرواة قد أثبتوا أنه ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة وألف فقد اختلفوا في مكان ولادته حيث قال بعضهم إنه ولد بمدينة "كويميرة" وأكد معظمهم أن ولادته كانت بلشبونة. وهناك من قال إنه ولد بمدينة "سانطارم" أو بغيرها أيضا. إلا أن القرائن المختلفة ترجح ولادته بالعاصمة. ومثل هذا الخلاف قد وقع حول مكان ولادة "هوميروس" و"كولومبوس" وغيرهما من عظماء التاريخ على ما لاحظه بعض كبار المؤرخين.
غير أنه من المؤكد أن "كاموينش" قد استقر بمدينة "كويمبرة" منذ شبابه الأول طلبا للعلم، فدرس الفلسفة واللغات الفرنسية والاسبانية والإيطالية دراسة عميقة، كما ألم بعض الإلمام باللغة اليونانية قبل أن ينهي دراسته ويعود إلى لشبونة وعمره لا يزيد على ثمانية عشر عاما ...
وكان من الطبيعي في هذه السن أن يصاب الشاعر الشاب بسهام الحب، فما كاد يعود إلى العاصمة حتى وقع في حب سيدة نبيلة لها علاقة بالقصر، وتبين بعد البحث الطويل أنها "دونيا كاطالينا دي أطايدي" فكان اكتشاف علاقته بها بداية سلسلة آلامه وأحزانه، فسرعان ما صدر الأمر بنفيه من لشبونة، فأصبح يتسلى عن وحدته وحياته التائهة بمقارنة حالته بما جرى للشاعر "أوفيديو" لنفس السبب، ويظهر أنه شرع يفكر في وضع قصيدته العصماء "Os Lusiadas" أثناء هذه الفترة. وقد صدر الأمر بتحريره فلم يرعو، إذ لم يرجع إلى لشبونة حتى عاد إلى الاتصال بمحبوبته فعوقب بإبعاده إلى سبتة سنة 1546 حيث عمل جنديا مع الحامية المرابطة بها والمكلفة بصد الهجمات المغربية المتواصلة بغية استرجاعها منذ أن اغتصبها البرتغال قبل مائة وإحدى وثلاثين سنة. وقد شارك الشاعر في بعض الاشتباكات التي دارت عند حصون المدينة وأسوارها المنيعة ففقئت عينه اليمنى(1).
وإذا كان شاعر البرتغال الفحل قد فقد عينه اليمنى في مقاتلة المغاربة الجادين في العمل على استرداد مدينتهم الأسيرة فعلينا أن نلاحظ أن أديب اسبانيا الأكبر قد شلت يده اليسرى في محاربة الأتراك. ويقول المؤرخون الاسبانيون والبرتغاليون على السواء إن هذه "المصادفة العجيبة" برهان على الرباط المتين الذي يجمع بين السيف والقلم عند الدولتين المتجاورتين، متمثلا في أديبيهما الكبيرين. وقد قضى الشاعر أربعة أعوام في سبتة، قبل أن يعود لما انتصف القرن إلى لشبونة ليبحر منها إلى الهند بعد مدة لم تزد على ثلاث سنين قضى بعضها في السجن لكونه خف إلى نجدة بعض أصدقائه فأصاب أحد خصومهم بجروح بليغة.
ركب "كاموينش" البحر يوم 24 مارس 1553 وقلبه يفيض ألما للجحود الذي لقيه من وطنه حتى قال بعض الرواة أنه أقسم صارخا أن لا ينخر تراب البرتغال عظامه لما غاب عنه منظر لشبونة. ولم يكد الأسطول يقترب من رأس الرجاء الصالح حتى هب عليه إعصار شديد أهلك معظم سفنه. وكان حظ الشاعر في هذه المرة سعيدا إذ كتبت له النجاة وإن كان لم يصل إلى الهند إلى بعد أن شارك في أعمال عسكرية وتقلب بين مغامرات عديدة منها مساهمته في الهجوم على بوغاز "باب المندب" بجنوب البحر الأحمر وعلى بعض السواحل الغربية للمحيط الهندي. وقد وصل إلى مدينة "غوا" التي كانت عاصمة المستعمرات البرتغالية في الهند بعد احتلال "البولكيركي" لها بأربعين سنة.
وإذا كان الشاعر في طليعة أنصار حملة الفتح والتدويخ التي كانت أساس سياسة دولته فإنه قد التزم مع ذلك موقفا متزنا يشهد به كتابه "متناقضات في الهند" حيث ينتقد بشدة تصرفات بعض الفاتحين والولاة، وكان ذلك النقد مما أثار عليه غضب المسؤولين في تلك المستعمرة فغادرها سعيا في التخلص من مضايقاتهم ومكرهم، حيث وصل إلى جاوة قبل أن يستقر بجزيرة "ماكاو" الصينية التي لا تزال في حكم البرتغال إلى اليوم. وكانت بهذه الجزيرة مغارة كان الشاعر يأوي إليها لكتابة قصيدته العصماء الخالدة فقضى بها سنتين قبل أن يغادرها مكرها. وغرقت السفينة على مقربة من سواحل الهند الصينية لما هب عليها إعصار شديد فلم ينج إلا سابحا وهو يحمل بإحدى يديه مخطوط قصيدته. وبعد أهوال عديدة وصل إلى "جووا" حيث جاءه خبر وفاة محبوبته فرثاها بقصائد رائعة عبر فيها عن عظيم حزنه. وزار "كاموينش" بعض جزر المحيط الهادي، وهناك من يقول إنه وصل إلى اليابان. وقد عظم شوق الشاعر إلى وطنه فغادر "جاووا" متوجها تحت رعاية نائب الملك إلى مستعمرة موزمبيق التي صرف فيها بعض الوقت في كتابة كتاب "منتدى الأدب" الذي كان عبارة عن دراسات أخلاقية وعملية، إلا أن هذا الكتاب قد سرق منه بمجرد إنهاء تأليفه فضاع ولم يعثر له على أثر.
ولما عاد "كاموينش" في شهر أبريل سنة سبعين وخمسمائة وألف إلى لشبونة وجد الطاعون متفشيا فيها ورأى "سيباستيان" يعد حملته المشهورة التي لقي فيها حتفه فكان بداية النهاية لعظمة البرتغال. وفي هذه الأثناء سعد الشاعر بنشر قصيدته ومشاهدة نجاحها وإقبال القراء عليها حتى أعيد طبعها قبل مرور سنة واحدة. وقد أمر الملك بصلة سنوية للشاعر. ولما كانت هذه الصلة المتواضعة لا تدفع إليه بانتظام فقد وقع في العسر والحاجة. ويقول بعض الرواة إن "كاموينش" كان قد استصحب عبدا له من جزيرة جاوة وأن هذا العبد قد أخلص له إخلاصا كبيرا حتى أنه كان يخرج في بعض الليالي إلى شوارع لشبونة للاستجداء لييسر على سيده بعض الشيء، إلا أن هذا العبد الصديق قد توفي في الأيام التي علمت فيها البرتغال بهزيمتها وهلاك ملكها بضواحي مدينة القصر الكبير. وقد حزن الشاعر للمصيبة القومية والمصيبة الشخصية حزنا كبيرا فمات قبل أن يدور الحول عام ثمانين وخمسمائة وألف وعمره يقارب ستا وخمسين سنة. ولم يكتب للشاعر أن تزوج أبدا، وربما لم يكتب لأحد من أعلام الأدب القدماء أن سار في الأرض كما سار شاعر البرتغال، إذ تنقل بين سبتة وجزيرة "ماكاو" بسواحل الصين، وبين موزمبيق والهند وجاوة. ولما حلت الذكرى المئوية الثالثة لوفاة الشاعر أقامت الحكومة البرتغالية حفلا مشهودا ونقلت جثمانه إلى كنيسة "بيت لحم" بالعاصمة حيث يرقد مع زمرة الخالدين. ولعل البرتغال هي الدولة الوحيدة التي خلدت يوم ميلاد شاعرها القومي الفحل بأن اتخذته عيدا قوميا لها.

القصيدة

لم يكن الشاعر مقلدا بأي حال، فقد برز في الابتكار والإبداع مستعينا على إتقان إنتاجه التلقائي الرائع برسوخه في العلوم والآداب، بالإضافة إلى تضلعه في اللغات الفرنسية والإسبانية والإيطالية واللاتينية وإلمامه باللغة اليونانية أيضا كما أسلفنا. ومع ذلك فهو لم ينكر أبدا أنه اتخذ موضوع "اينيد" للشاعر "فيرجيليو" نموذجا لقصيدته، فإذا كان الشاعر الروماني يصف رحلة "ايني" من طراودة إلى روما فإن الشاعر البرتغالي العظيم يصف رحلة الكشاف "فاسكو دا غاما" من البرتغال إلى الهند وعودته المظفرة إلى وطنه. إلا أنه لم يقتصر على وصف هذه الرحلة كما فعل "فيرجيليو" في وصف الرحلة إلى روما، وإنما جعل موضوع قصيدته المطولة سجلا جامعا لتاريخ بلاده مشيدا بمفاخر شعبه التي بلغت أوجها باكتشاف الهند. وقد جعل لها عنوان "أوس لوسياداس" نسبة إلى "لوسو" مؤسس البرتغال وإشراكا لجميع مواطنيه في مفخرة الاكتشاف والفتح. وقد كان اسم "لوسيطانيا" يطلق على غرب شبه الجزيرة أثناء الاحتلال الروماني للأندلس.

لقد نشرت الملحمة لأول مرة سنة 1572 فأصبحت في وقت غير طويل جدا في طليعة روائع الآداب العالمية. وكان التوسع الاستعماري البرتغالي قد بلغ غايته آنذاك فجاءت هذه المطولة تقييما له وإشادة به، وقد زادها روعة عمق التفكير الفلسفي فيها وصحة المعلومات التاريخية والجغرافية والفلكية التي تضمنها، حتى أن بعض العلماء الفلكيين في هذا القرن العشرين قد أثبتوا صحة المعلومات ودفنها فيما أورد الشاعر في هذا العلم منذ ما يقارب أربعة قرون.
وتتألف القصيدة المقفاة وذات الأسلوب الجزل من عشرة أناشيد بلغ الشاعر ذروة الإعجاز على قول كبار النقاد بالإجماع في وصفه لاستشهاد "اينيس دي كاسترو" ضحية الحب، وفي تصويره لقوة الأعاصير التي هبت على الأسطول البرتغالي الذي كان يركب إحدى سفنه عندما اقترب من رأس الرجاء الصالح متجها إلى الهند.

وتبدأ القصيدة بمدخل رائع يستلهم فيه الشاعر ملك البلاد وآلهة الخيال قبل أن يذكر اجتماع الآلهة للتذاكر في مستقبل البرتغال ويصف رحلة فاسكوا دا غاما" واختلاف آراء الآلهة في محاولته الجبارة بين مؤيدين ومعترضين. هذا هو موضوع النشيدين الأولين، أما النشيد الثالث فيصف لنا ما سماه بحملة استرجاع البرتغال من أيدي الفاتحين المسلمين. ويتعرض النشيد الرابع لذكر المعارك التي دارت بين مملكة البرتغال وممكلة قشتالة وكذلك لأعمال الفتح الأولى في إفريقيا. ثم يعود الشاعر في النشيد الخامس إلى وصف رحلة الاكتشاف حيث يصور الإعصار الشديد الذي تقدمت الإشارة إليه. أما النشيد السادس فوصف لقصر "نبتون" بينما يتناول النشيدان التاليان وصف الفتوحات البرتغالية في الهند. وقد قصر النشيد التاسع على وصف "فينوس" باعتبارها حامية الأسطول البرتغالي وهي تسوقه في بحار هادئة. أما النشيد العاشر فيتناول تراجم نواب الملوك والحكام البرتغاليين في الهند المحتلة قبل أن تختتم الملحمة الجامعة باستلهام الملك "دون سيباستيان" وتمجيده والدعاء له بالنصر والتمكين.

هذا وصف موجز للغاية لهذه القصيدة العصماء التي جمعت بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه وصفا دقيقا لأوربا ولأقطارها وشعوبها المختلفة قبل الوصول إلى شبه الجزيرة باعتبارها "رأس أوربا" ليتفرغ لتاريخ وطنه بالتفصيل حيث بدأه بعهد "ألغونو الأول" الذي حكم البلاد قرابة ستين سنة توسطت القرن الثاني عشر. ولعل حياة الشاعر قد اقترنت بفترة العظمة والقوة في تاريخ بلاده، إذ توفي في شهر يونيه سنة ثمانين وخمسمائة وألف، وذلك قبل بضعة أيام من قيام الحوادث التي ذهبت باستقلال البرتغال وأخضعتها للسيطرة الاسبانية خلال ستين عاما. وتزعم الكتب الاسبانية التي أوردت ترجمة الشاعر العظيم أن ملك اإسبانيا "فيليبي الثاني" قد أقر لما آل إليه حكم البرتغال مواصلة دفع الجراية السنوية لوالدة الشاعر فظلت تستلمها سنوات عديدة إلى أن توفيت.

لقد كانت لهذا الشاعر الفحل ميزة التبريز على جميع أدباء عصر النهضة بفضل اهتدائه إلى سلوك هذا النهج وتوفيقه البعيد في إثبات تاريخ وطنه وإحاطته بتاريخ فترة هامة فاصلة في حياة العالم أجمع. وهنا تكمن قيمة هذه القصيدة العصماء الشاملة بالإضافة إلى قيمتها الأدبية الكبرى. فمن حق "كاموينش" علينا أن ننظر في تفكيره وإنتاجه بمنظار العصر الذي وجد فيه وباعتبار المقاييس الدينية والقومية التي كانت سائدة آنذاك. ومن حقه علينا أن نكبر له عمله الذي يعتبر بحق في طليعة الأعمال الأدبية العالمية الرائعة، وأن نثبت فضله على الثقافة بإسهامه الكبير في إنشاء لغة حية حديثة يتكلم بها اليوم ما يقارب تسعين مليون نسمة في البرتغال وأقطار أخرى هي بسبيل التطور والانعتاق. 

 

(1) أطلقت السلطات الاسبانية بسبتة اسم الشاعر على أحد الشوارع الرئيسية في المدينة ونقشت بجدار ناديها رخامة باسمه وصورته وقد فقئت عينه، إبرازا لتضحيته واستبساله في رد هجماتنا. وقد كان الحكام الاسبان على عهد حمايتهم بمنطقة الشمال يعملون بنفس هذا الشعور فيقيمون في الأسبوع الأول لشهر أغسطس من كل عام صلاة المترجم على "دون سيباستيان" عند "وادي المخازن" بمحضر وفد رسمي من الحجاج البرتغاليين حيث كانوا يشيدون بتلك الحملة الصليبية على بلادنا يوم ذكرى مصرع ملكهم الشاب في رابع أغسطس          

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here