islamaumaroc

الثقافة

  دعوة الحق

67 العدد


سبق أن قلنا في مقال عن الثورة الثقافية أن هذه الثورة تحتاج إلى تخطيط، وأن هذا التخطيط يحتاج إلى دراسة تبحث في أصول ثقافتنا وما ألم بها من تطور وتغيير لمعرفة المراحل التاريخية التي مرت بها والتأثيرات التي خضعت لها والتفاعلات التي حدثت لها مع غيرها من ثقافات الأمم والشعوب والخصائص التي تميزها عنها وما إلى ذلك مما تتطلبه مثل هذه الدراسة.
والحديث في موضوع الثقافة وأصولها يقتضي منا بادئ ذي بدء أن نبحث في مفهومها تحديدا لوجهة السير ونقطة الارتكاز، وصونا من فوضى ما أغنانا عن التعثر فيها ونحن ندعو إلى المنهجية والتخطيط.
والواقع أن مفهوم الثقافة Culture يثير كثيرا من الغموض والاختلاف سواء في اللغة العربية أو اللغات الأوربية، على الرغم من أن هذه سارت بعيدا في تحديد معاني ألفاظ المدنية والعلم. وإذا رجعنا إلى معاجم اللغة وقواميسها ألفينا أن Culture تعني في أصلها التربية والزراعة، وأن الثقافة تفيد التسوية والإتقان، فثقف الرمح سواه، وثقف الصنعة أتقنها، وانتهينا إلى أن استعمال اللفظة فيما نحن بصدده في جميع هذه اللغات إنما هو من باب المجاز، وإن هذا الاستعمال عرضها لكثير من الغموض وسوء الفهم، وأخضعها لتلك الفوضى التعبيرية التي يعيشها الناطقون بالعربية في كل مكان، والني تضطرب فيها معاني ألفاظ كثيرة تداولتها ألسنة الناس – عن فهم وعن غير فهم – فحادت بها عما وضعت من أجله أو عما صارت – أو كان مفروضا أن تصير إليه – عبر سنين طويلة من التطور والاحتكاك والاستعمال. والأسف شديد أن نرى بعض المتحدثين والكتاب يسايرون هذه الفوضى ويخطئون في حق كثير من صفات العلم ومصطلحات الحضارة التي لم تحدد بعد مفاهيمها، أو حادت ولكن مازالت تخضع لتيار القلب والتزييف.
والذي يتبين من استعمال الناس – وأعني من يعطون للكلمة بعض القيمة والوزن – إن الثقافة تحددت في الأذهان على ثلاثة معان :
الأول : الحضارة
الثاني : التخصص المهني في أحد العلوم والفنون.
الثالث : المعرفة مكتملة.
أما أنها الحضارة، فرأي لا أظنه يصيب المعنى الصحيح، فالحضارة دون الثقافة يمكن اصطناعها والإسراع بها في سبيل التقدم والازدهار، والحضارة – كما نفهمها – لا يتوقف قيامها على وجود الثقافة مكتملة – ولا أقول الثقافة مجردة -، ولعله يكفي ليلد ما أن يكون فيه عمران وقانون وسلطة وما إلى ذلك لتكون حياته متحضرة إلى حد، ولو لم يكن للأدب مثلا أثر يذكر فيه. ومع هذا فمن الصعب علينا في كثير من الحالات أن نميز بين ما هو ثقافي وما هو حضاري، فبعض حاجات الإنسان التي تستند في وجودها إلى تفسير حضاري تعود أساليب ممارستها ووسائل إشباعها إلى عناصر ثقافية، فما ينتج عن اختراع ما من تغير في الحياة الاجتماعية من حيث الأثر المادي يضطر الإنسان إلى إعادة النظر في معاملته وسلوكه. وليس معنى هذا أن العلاقة بين الميدانيين تقتصر على هذا التفاعل المتبادل، فالذي لا شك فيه أن الحضارة تفسح المجال واسعا أمام الثقافة، وأن بعض عناصرها تعد في باب الثقافة، وأكاد أقول أن الحضارة بكامل مدلولها ليست أكثر من جزء مكمل للثقافة.
 
وأما أنها التخصص المهني في أحد العلوم والفنون، فرأي يظهر عدم توفقه في تحديد مفهوم الثقافة، والسبب أنه ضيق الدائرة وحصر الأفق وجعل المثقف يعمى عن كثير من جوانب العلم والفن والحياة. وأظنني لا أستطيع أن أعتبر العالم الرياضي مثقفا ما لم تتوفر في شعوره وسلوكه صفات تنبع من إحساسه بالفن وإدراكه للقيم الإنسانية الرفيعة. كذلك لا أظنني أستطيع أن اعتبر الموسيقى الموهوب مثقفا ما لم يحط فنه وموهبته بسياج من العلم والعقل. قد نسمي أحدهما رياضيا والثاني موسيقيا ولكنا لن نسميهما مثقفين بأي حال من الأحوال.
وأما أنها مجموع المعرفة الإنسانية فمعنى أراني أميل إليه، ولكن لا على أن أطالب الفرد ليكون مثقفا أن يلم إلماما كاملا بكل ألوان العلوم والفنون والآداب، فهذا ضرب من الاستحالة والتعجيز، وإنما أن يشارك فيها بقدر ما يستطيع. ومثل هذا التداخل أو المجاراة لا يساعد فقط على تكوين المثقف، وإنما يعمل كذلك على تنمية هذه المعارف جميعا. فكل علم أو فن لا يحتاج لكي يعيش وينمو إلى جماعة من المتخصصين فحسب، وإنما يحتاج كذلك إلى من يتجاوب مع علمهم يشجعه ويتذوقه ويفيد منه. وليس اصطلاح المشاركة بشيٍٍِِِء جديد أو غريب، فقد استعمله القدماء، بل لا زال بعض علمائنا يلجأون إليه وصفا علميا يفيد الثقافة كما نفهمها اليوم. فقولهم أن فلانا فقيه أو أديب مشارك معناه أنه بالإضافة إلى تبريزه في الفقه أو الأدب بجاري في فروع المعرفة الأخرى.

ومن الواضح أن المعرفة بمعنى الثقافة – أو الثقافة بمعنى المعرفة- تشمل العلوم والفنون والآداب والقانون والأخلاق والعادات والتقاليد والتجارب والقدرات التي يكتسبها الإنسان في معترك الحياة، وتضم الكيان البشري بماضيه وحاضره ومسقبله، ترتكز على الماضي وتشيد الحاضر وتستشرف على المستقبل توجهه وتؤثر فيه.

فالثقافة اذن هي كل ما يثقف الذهن ويهذب الطبع ويربي العقل ويرهف الإحساس، وكل ما يميز شعبا أو أمة في مختلف مناحي الحياة وفروعها، وكل ما يمكن نقله بالوراثة والممارسة والتربية والتعليم، وكل ما يصلح الافراد والجماعات ويوصل بين الأمم والشعوب، هي مجال العقل والغريزة والروح، ومنطلق الطاقات والامكانيات، ونشاط الإنسان في كل زمان ومكان، تتوارث وتتطور وتثرى جيلا بعد جيل. هي ذلك الشيء الذي يجعلنا نستسيغ الحياة وندرك أننا نحيا وأن في الحياة ما يستحق أن يعيش الإنسان من أجله. هذه هي الثقافة كما أراها وكما آمل أن يراها الآخرون: سبيل الحياة بل الحياة نفسها.
وفي الثقافة جانبان، احدهما واع والآخر غير واع. وأما الجانب الأول فيضم العلوم والفنون والآداب وما إليها مما يمكن أن نسميه مظاهر ثقافية، وأما الثاني فيشمل التراث وما يكمن في باطن الأفراد والجماعات من عادات وتقاليد ومعتقدات وغيرها من الموروثات التي تشكل ما نعني به جذور الثقافة وأصولها. والتجاوب بين هذه الجوانب كلها لازم لقيم التكامل الثقافي الذي ينبغي أن يكون نتيجة انسجام عفوي غير مقصود، سواء بالنسبة لطبيعته أو بالنسبة لمساهمة الناس فيه. وبدون هذا التجاوب ينتج ما يسمى بالتفكك الثقافي الذي هو أخطر ما تصاب به الأمم والشعوب.
ومن حقنا كأناس أن تكون لنا ثقافة وطنية تستمد روحها من جذور كامنة في حياتنا، يرجع تاريخها إلى ذلك اليوم الذي بزغت فيه شمس الحياة على هذه الأرض الطيبة الكريمة وأن نوفر لهذه الثقافة منهجية وانتاجا بميزاتها ويضطران الغير إلى الاعتراف بها والتعاون معها. ولن يتسنى لنا ذلك إلا إذا بعثنا الماضي الذي هو السبيل الوحيد إلى جمع أشلاء كياننا المشتت.
وفي رأي البعض أن احياء الماضي تزمت وتعصب وانهزام أمام تيار التقدم والحضارة، وأنه وطنية متعفنة ونوع من التخدير للعقل والإحساس، وأنه ليس غير  خداع وزيف. وفي رأي غيرهم أنه يتعارض مع ما نرجو لحاضرنا ومستقبلنا من حياة جديدة أساسها قيم ومبادئ غير تلك التي ورثناها عن الآباء والأجداد، وأن هذا الماضي قسمان احدهما ميت أو معطل في المتاحف والخزائن والثاني حي كامن في النفوس، وأن هذا الجزء الحي إنما هو كذلك لأننا نريد له الحياة ونمده بها، فهو ملك للحاضر وجزء منه. ويستنتجون من ذلك أن احياء التراث ليس غير خطوات إلى الوراء وعملية تحكيم الأموات في دنيا الاحياء.

والحقيقة أننا لا نريد أن يكون الماضي عبثا ثقيلا يحول دون سيرنا في مضمار التقدم والحضارة، وإنما قوة تبعث فينا الروح والحرارة وتدفعنا في انطلاق وشجاعة إلى آفاق جديدة. ولا نريد كذلك أن نبعثه لنبكيه أو نفخر به، وإنما لنتمثله ونتأمله ونأخذ منه. فإحياءه ليس كما يتصوره هؤلاء جميعا تأخرا وعرقلة للتطور المادي الحتمي الذي يسير فيه ركب المدنية والعلم، وإنما المقصود منه خلق ثقافة عصرية جديدة أساسها الأصول القديمة. فالتجارب والحقائق تؤكد :
أولا : أن الكائن الحي مدفوع بغريزته إلى المحافظة على وجوده وصون كيانه.
ثانيا : إننا لن نستطيع الإسهام في الثقافة الإنسانية التي يدخل في نطاقها جميع البشر ما لم نعط من عندنا وما لم نضف من إنتاجنا المطبوع بروح وطنيتنا.
ثالثا : من تراثنا نبعث كل مفاهيمنا للحياة.
رابعا إن المهم ليس مستوى ماضي ثقافتنا وإنما المهم إيماننا بهذا الماضي.
حقا إننا نجتاز فترة انتقال تزدحم فيها الأحداث والأزمات، وحقا كذلك أن طبيعة عصرنا الصناعية خلقت لنا ظروفا وأشياء وفنونا لا محيد لنا من الأخذ بها، ولكن ليس معنى هذا أن تصبح مجرد أصداء لغيرنا أو مجرد آلات وأدوات في يد هذه الطبيعة تصوغنا كما تشاء وتسيرنا حسب إرادتها، فالحمد لله أننا استكملنا نضجنا وأصبحنا عارفين بما يصلح لنا وما لا يصلح، قادرين على أن نمارس حرياتنا وحقوقنا كاملة. ومن حقنا أن تكون لنا مبادئ وأهداف وآراء في مشاكلنا ومشاكل هذا العالم الذي نعيش فيه. وكما سبق أن قلت، فإننا حين نبعث الماضي لا نبعثه كما هو، وإنما نقتبس منه ما قد ينفعنا في حاضرنا لتطوره بما يتفق وحياة العصر ونخرج بتقاليد جديدة نضيفها إلى ما نهضم من حضارة الآخرين وثقافتهم لنخلق لجيلنا والأجيال الصاعدة ثقافة وطنية إنسانية وحياة مستقلة واعية.
وإلى حديث آخر.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here