islamaumaroc

الهجرة ومستلزمات توازن المجتمعات الحديثة

  دعوة الحق

67 العدد


كانت الأرض وما زالت مرتعا فسيحا تنتقل الشعوب عليه، فالإنسان بطبيعتته تواق إلى الحركة والتنقل، وهذه الحاجة ليست مقصورة عليه وحده بل هي موجودة كذلك لدى الحيوان كالطيور التي تهاجر من بلد إلى آخر حسب الفصول والأسماك التي تبدل أعشاشها عبر المحيطات والنحل والجراد الخ ... وقد استطاع المؤرخون أن يثبتوا وجود هجرات قامت بها الشعوب البدائية قبل العصور التاريخية، ونستطعيع بدورنا أن نقول بأن الهجرة قديمة قدم الإنسان على البسيطة ابتدأت مع ظهوره عليها، واستمرت مع الحقب التي عاشتها البشرية إلى اليوم، إن الحركة هي قبل كل شيء واقع أصيل وطبيعي في الإنسان.
وبفضل اكتشاف الكتابة تمكن المؤرخون والعلماء من تتبع تلك الحركات وضبطها وتدوينها ودراسة أسبابها ومعرفة فوائدها ومضارها، والحقيقة أن آراء العلماء متضاربة فيما يخص الهجرة. هنالك من يحاربها ويعزو إليها أفقار البلاد المهاجر منها إذ كل مهاجر هو ذرة تضيع من حيوية الأمة وديناميتها فنجد مونشكير والفزيوقراطيين في القرن الثامن عشر ينددون بالهجرة ويبينون مضارها ومساوئها، فهم يرون أن عدد السكان الضخم هو من أسباب القوة الاقتصادية والسياسية والحربية لمختلف البلاد. وهنالك فريق ثاني وقف من الهجرة موقف الحياد فمالتوس في كتابه لم يهاجمها وإنما وجدها علاجا غير كاف لتضخم السكان وهو يذهب إلى أن على الدولة في مثل هذه الحالة أن تلزم الحياد وهنالك فريق أخير حبذ الهجرة ورحب بها كهوبزن وهوم وجورج رونار الذي قال بمناسبة الهجرة (أن البلاد التي تدفع بالفائض من سكانها إلى المهجر تجني فوائد جمة، أهمها أن الهجرة تحول دون المنازعات الاجتماعية وتشغل الناس عن التناحر تضمن دائرة ضيقة كما تقضي على التظاهرات التي يقوم بها العمال العاطلون عن العمل، وتفسح أمام من بقي المجال واسعا للمطالبة برفع الأجور وفي نفس الوقت تدفع بأصحاب العمل على تجديد آلات معاملهم وتحسينها لزيادة الإنتاج. هذا فضلا عن الأموال التي يرسلها المهاجرون إلى أهلهم وذويهم أو التي يعودون بها إلى بلادهم ليصرفونها في تحسين أراضيهم وتجميل بيوتهم وقراهم وكثيرا ما تكون المستعمرات في الهجرة أسواقا رائجة لمصنوعات بلادهم وإنتاجها).
وبعد هذا العرض لآراء بعض العلماء الاجتماعيين في موضوع الهجرة يتعين علينا أن نتساءل عن أسباب الهجرة وأشكالها.
فالهجرة في الواقع هي تحقيق لقانون التوازن الطبيعي في توزيع البشر على المناطق المختلفة من سطح الأرض من تم يمكن إرجاع أسباب الهجرة إلى :
1) سبب طبيعي : أي تلبية لدافع الحركة كدافع الجوع ودافع العطش ودافع الجنس الخ ...
2) سبب اجتماعي : وهو متعدد المظاهر متنوع الجوانب فالحروب والانغزالات الدينية والهرب من الاضطهاد كلها مظاهر اجتماعية تنشأ عنها هجرات منتظمة أو مبعثرة، فالفتوحات الإسلامية الأولى كانت بمثابة تغيير للوضع الديمغرافي الذي عرفه الشرق الأدنى والأوسط في القرن السادس الميلادي إذ أعقبها ورافقها تنقلات هامة للقبائل والجماعات الجنسية. ونحن هنا في المغرب عرفنا منذ ذلك الوقت تغييرا جذريا ابتدأ مع الفتح العربي واستمر مع هجرة القبائل العربية في القرن الرابع عشر (بنو سليم وبنو هلال) وإن الشرق الأوسط يعطينا أحسن الأمثلة عن الهجرات التي تقع تحت دوافع دينية محضة. فهذ المنطقة التي عرفت ظهور مختلف الديانات والمذاهب والطوائف والنزعات يتضح فيها التنازع منذ أقدم العصور بين مذهب قوي جديد ومذهب قديم مخالف له.
3) سبب سياسي : وهو ناتج عن الخلافات بين الأمم أو عن سوء الأوضاع الداخلية والاضطهاد السياسي والعنصري وأخيرا عن اتفاق بين بلد وآخر على تبادل الأجناس والأقليات (هجرة الروس البيض)، تبادل السكان بين دول البلقان وهجرة الجزائريين إلى المغرب ثم عودتهم إلى الجزائر.
4) سبب اقتصادي : وهذا السبب يختلف عن سابقيه بأن الهجرة الناشئة عنه تكون بصفة عامة حرة مؤقتة ومضبوطة في الغالب من طرف الدول المهاجر منها وإليها وعادة فإن العمال الذين هم قوام هذه الهجرة تغريهم نسبة الأجور المرتفعة طبقا للمبادئ الميركانتيلية.
إن هذه الأسباب الأربعة تسمح لنا باستخلاص شكلي الهجرة، الشكل الأول هو الهجرة الحرة وذلك عندما يكون الإنسان غير راض عن وضعه ومركزه الاجتماعي أو له رأي يغاير رأي المجتمع الذي يعيش فيه أو يضع أمامه تحقيق أمنية ما الخ ... والشكل الثاني هو الهجرة القشرية التي يمكن أن نجد مثالا عليها في عمليات جلب العبيد من إفريقيا.
وإذا كان السؤال الموضوع هو : هل الهجرة مفيدة أو مضرة ؟ فلا شك أن الأمر يقتضي قبل كل شيء توضيح شيء هام وهو ديمومة الهجرة أي هل هي مؤقتة أو دائمة ؟
فالهجرة الدائمة هي عادة وخيمة النتائج إذ تفقد البلاد المهاجر منها عنصر الشباب المنتج الفعال وبذلك تزيد نسبة الشيوخ والنساء فيها. أما فيما يخص الهجرة القصيرة الأمد والحديثة فهذا النوع أصبح بمثابة عملية تجارية تقدم عليها الدول المتخلفة أو الضعيفة التصنيع وفق تصميمات واتفاقيات تعقد مع البلد الذي سيستقبل المهاجرين. وهكذا أصبحنا نرى بلدا كإيطاليا أو إسبانيا يعقد اتفاقيات مع بلدان أخرى كأمريكا الجنوبية وفرنسا لتصدير اليد العاملة بصفة مؤقتة قصد العمل في مواسم قطف العنب وحصاد القمح مثلا. ولو كانت الهجرة على غير هذا المستوى من المنفعة لما رأينا بلدانا تتزاحم وتتنافس على تشغيل أبنائها في الخارج ولما رأينا بلدانا أخرى تحد وتمنع الهجرة إليها كالولايات المتحدة ونيوزلندا وجنوب إفريقيا لكي تحمي عمالها من المنافسة الخارجية.

فالهجرة المؤقتة كما رأينا تنظمها مختلف الدول للفوائد المتعددة التي نذكر بعضها :
1) التخفيف من وطأة البطالة وخصوصا في بلد فتي تزداد فيه نسبة المحتاجين إلى العمل سنة بعد سنة بشكل متزايد.
2) تلافي المشاكل الاجتماعية الناتجة عن تزايد عدد العاطلين التناحر، البؤس، ضعف القوة الشرائية، تزايد الجرائم (قيل إن الفراغ يجعل الإنسان يرتكب كل شيء).
3) إدخال العملات الأجنبية إلى البلاد المهاجر منها وذلك لأن هؤلاء يرسلون الإعانات والأموال إلى عائلاتهم (نصف ميزانية لبنان يرسلها المهاجرون اللبنانيون إلى ذويهم).
4) حصول المهاجرون على الخبرة الفنية لأنهم ينخرطون في أعمال يتعلمون فيها ويتدربون ويمكن أن تستفيد منهم الصناعات الوطنية بعد رجوعهم إلى مساقط رأسهم.
5) تقوية الثقافة التي يحملها المهاجرون إلى البلدان التي يهاجرون إليها، (هجرة الأروبيين إلى إفريقيا مثلا جعلت بعض الدول في إفريقيا تقتبس كثيرا من حضارات تلك الأقلية الراقية، وهذا العامل في الحقيقة نسبي كما حصل بالنسبة للرومان عندما احتلوا بلاد اليونان.

فجميع هذه المحاسن للهجرة قد جلبت أنظار كثير من الشعوب المتخلفة إلى فوائد تصدير اليد العاملة ولكنها مع ذلك كانت تقابل تلك الفوائد بالمحاذير التي يمكن أن تنشأ عن عزل مجموعة وطنية عن مجتمعها وجعلها في نطاق تأثيرات أجنبية بصفة مباشرة. ولذلك حرصت شيئا فشيئا على تمكين مواطنيها في مهاجرهم من الاتصال الدائم بثقافتهم القومية وشعورهم الوطني عن طريق القنصليات والنوادي والتزاور وتأسيس المدارس التي تعلم أبناء العمال واستقبالهم أثناء عطلهم الصيفية وكل ذلك يجعل الهجرة الاقتصادية المؤقتة في خدمة البلاد لا وبالا عليها ويجعل المهاجرين على استعداد للاندماج في مجتمعهم مرة أخرى.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here