islamaumaroc

أنا الموقع أدناه

  دعوة الحق

67 العدد


كلما حاول أن يمسك القلم، ليبدأ بكتابة الجملة المألوفة : أنا الموقع أدناه، حتى يرتسم أمام عينيه الماضي بصورته القاتمة وبأحداثه السوداء.
هذا عام آخر يمر، ولم يزل عاطلا عن العمل، يعيش في فراغ هائل، وتكل قدماه من المشي على أرصفة الشوارع، يكاد يعرف كل حي، كل زقاق، كل شارع .. جيبه أكثر الأحيان فارغة من النقود، يرضى أي عمل، إلا أنه لم يجد أي عمل، وأبوه عامل فقير لا يتجاوز أجره اليومي ست ليرات، وفي عنقه حياة عائلة وأجر سكن .. كان يتمنى أن يرى ابنه موظفا لا يقل مرتبه عن مائة وخمسين ليرة.
ما كان يتوقع أبدا أن يصاب بهذا العرض الذي منعه عن متابعة الدراسة، وأبوه المؤمن بالله وبالقدر، لم يعتب، ولم ييأس فهذا أمر الله، ولله في كل أمر حكمة.
هذا هو العام الرابع.
وخلال عامين، كان يقاسي آلم المرض، وكان مرضه من نوع عصبي مزمن، فبمجرد أن يثيره شخص ما أو يكثر من القراءة والكتابة يسقط إلى الأرض مغمي عليه.
ذهب إلى أطباء كثيرين، وأدرك أن الطبيب إنسان يأخذ الدواء من المريض نفسه إذا كان ذكيا، أما إذا لم يكن فسرعان ما يكون تخمين الطبيب فاشلا.
انتقل إلى طبيب آخر، حتى خيل إليه أنه أصبح محورا لتجارب الأطباء، أو أن جسده أصبح صيدلية يحمل شتى أنواع الأدوية، قاسى وتألم، الحقن مزقت جسده، والأدوية عطبت معدته، والأب المسكين دفع آخر قرش من دراهم الوقف الذي خلفه له أجداده، وبدا يستدين وهو صابر على ما يريد الله، والابن كفر بكل شيء.. ما ذنبه ليفعل الله به كل هذه الأمور.
كان في دراسته يسير سيرا طبيعيا، لم يرسب، لم يفشل، وكان يضع نصب عينيه، أنه سيصبح في المستقبل القريب محاميا .. وسينتج من تجاربه في الحياة قصصا رائعة يكتبها للناس، وهو يعرف أن الذي يمتهن المحاماة ألصق الناس بالناس، يعرف حفاياهم وظواهرهم، يصرحون له بأشياء كثيرة لا يمكن أن يصرحوا بها لغيره، ومنهم سيكتب قصصا جميلة وحلوة فتذيع شهرته، وسيساعد الناس ويتفهم قضاياهم برحابة صدر ويدافع عن الفقراء، أبدا، لن يحاول أن يكون ماديا تدفعه النقود إلى بيع وشراء الضمائر.. سيكون نصير الحق ومساعد المظلوم، آه .. ما أجمل حياته عندما تصل به إلى هذه المرتبة ؟ وما كان يعلم ما تخبئه له الأيام، يذكر أنه دافع عن كرامته ضد شلة من الموتورين حاولوا التحرش بأخته، فضربه أحدهم على رأسه بقضيب من الحديد، أغمي عليه إثر ذلك، ولكنه عندما استيقظ لم يجد نقطة دم واحدة على الرغم من قسوة الضربة، وقد حسب أن الألم قد انتهى عند هذا الحد .. بعض الآلام، ثم سرعان ما يشفى ويعود على المضي في الحياة. إلا أنه بعد أسبوعين، بدأ يشعر بأعراض جديدة راحت تنتابه كلما أتعب نفسه، فتأخذه دوامة هائلة، ويغطي عينيه غيش يشوه ما يراه تشويها قاسيا ويشعر كأن مطرقة كبيرة على رأسه، ويحاول الهروب من ألمه، فيمسك رأسه بكلتا يديه ويهصره يود أن يطرد الألم .. ويعارك .. ويعارك .. حتى إذا بلغ الألم مبلغا حطمه، أخذ يشعر بالاضمحلال رويدا رويدا كأنه يتلاشى، وتظل الدنيا تغيب والحذر ينسرب إلى جسمه .. ثم لا شيء بعد ذلك .. لا شيء أبدا.
خاف، وانتابته الظنون، ما سمع بمثل هذه العوارض تهاجم إنسانا ما .. فيما ذا يستطيع أن يفسر ذلك.
كتم الأمر عن أهله بادئ ذي بدء، لعل ما لم به يزول في مستقبل قريب، إلا أنه استمر من سيء إلى أسوأ، وانتبه زملاؤه إلى ذلك.. ثم أساتذته، فنصحوه بأن لا يهمل نفسه، فالمرض على ما يظهر خطير وعليه أن يستشير طبيبا بسرعة، وإلا فقد تكون العاقبة وخيمة، وهنا .. وجد من الضروري إخبار أهله.
وجم أبوه وتكدرت أمه إلا أن الأب المؤمن قال : كله من ربنا .. لا بأس يا بني .. غدا تنفرج.
أحب في أبيه هذا التفاؤل الذي يدفع الإيمان إلى صدره، وكانت أول نصيحة لأول طبيب أن يتوقف عن الدراسة، كان يتوقع كل شيء إلا هذا الأمر .. ترى .. حتى متى يجب أن يتوقف عن الدراسة .. وظل هذا السؤال معلقا بين شفتيه .. إلى متى يظل هكذا .. ؟
لم يكن من جواب، وساءت حالته، حتى خيل إليه أنه ماض في طريقه إلى الجنون، وحزن جدا لجهاد أبيه .. كان يلمح في عينيه الألم والمرارة، على الرغم من محاولته إخفاءهما، ويعرف كم يحبه، ويذكر كم تألم عندما حدثه أبوه : بأنه بينما كان يعمل في مصنعه تخيله مارا في شارع بغداد من رصيف إلى رصيف وهو مرتد بذلته البنية الوحيدة، فسقط فجأة في عرض الشارع، ودهسته سيارة مسرعة وتركته كتلة مختلطة بالدم واللحم الممزق، فقفز دو الاستئذان من أصحاب المصنع، واستأجر دراجة ليعدو صوب شارع بغداد، لم يجد أحدا فأسرع إلى البيت متلهفا .. وتخطى عتبة غرفته ليجد ابنه نائما في سريره .. فارتمى عليه وقبله والدمع يطفيء كل معاني الخوف والفزع في وجهه.

استغرب هو الأمر وسأل أباه عما حصل، فقص عليه وهو يحاول أن يغتصب الابتسامة من بين شفتيه.
ومرت الأيام، سريعة بقسوة لم يعهدها، أعتقد في لحظة من اللحظات أنه الإنسان الوحيد الذي يعاني ما يعاني، وظل الأب مؤمنا أنه لا بد من فرج قريب، وأصبحت أمنيته أن يرى ابنه معافى، ليسمعه يقول له بحماس : غدا أو بعد غد .. سأنقذك يا أبي من جحيم الاستعباد الذي تعيش فيه، غدا أو بعد غد سأحاول أن أعمل من أجلك أنت .. آه يا أبي .. غدا ستفخر بأن لك إبنا له هدفه العظيم الذي يسعى من أجل تحقيقه.
ابن هذه الكلمات الحلوة، الممتلئة تفاؤلا وجمالا ؟ أتموت كل هذه الأمنيات فجأة .. وتسطو على رأسه أفكار قاتمة لا بصيص للنور فيها .. حتى متى عليه أن يعاني هذا الألم.
وذهب إلى بيروت وحلب، ولم يترك طبيبا إلا واستشاره ومع ذلك، فإنه لم يلق الدواء الناجع، فانقلب فجأة مستسلما للأقدار إلى حد البلاهة، وصار يحمل جسده المنهوك، فمن مقهى رخيص إلى مقهى آخر، وابتعد عن الناس .. الناس الطيبين الذين أحبهم من قلبه وتمنى لو يهب نفسه لخدمتهم.
ظل مترويا .. فارغا .. خاويا .. حتى خيل إليه أنه مات وإن كان ما يزال كتلة من اللحم والدم تسير على الأرض، كأنها مدفوعة بقوة أخرى لا صلة له بها، وصارت هوايته أن يشاهد الناس، وأن يتعمق ملامحهم وأمانيهم، أصبح يشعر بلذة ما بعدها لذة عندما يكتشف أن ظنه لم يخب في أمر ما.
وبدأ يخفي على أبيه ما يحدث له من تطورات في مرضه، وعندما كان يسأله يقول له : (إنني أتحسن يا أبي .. إن شاء الله فرج قريب) كان يريد أن يقنع أباه بأن صحته بدأت تتحسن، فقد لاح له أن الأب المسكين بدأ يستسلم مثله بشكل مريع، خاف منه أن يؤثر ذلك في صحته، فتصاب العائلة كلها بصدمة مؤلمة، صارت مهمته أن يبعث الأمل إلى قلبه : (يا أبي الحمد لله .. الصحة في تحسن ..) وبنفس الوقت راح يحاول أن يقنع نفسه بأن الصحة في تحسن فعلا، وعندما استشار الطبيب في أحد الأيام قال له : عليك أن ترتاح فكريا .. وأن تدع الدنيا وراء ظهرك .. لا تأخذ منها إلا كل ما يدخل السرور إلى قلبك.
وحقق ما أراد الطبيب حتى خيل إليه فعلا أن ذلك بدا يفيده، وعاد ليسأله مرة ثانية، هل يمكن أن يعود إلى الدراسة .. وهنا رفع الطبيب يده ليقول مؤكدا : لا تفعل ذلك .. إنك تهدم كل ما بنيته .. لم يعد لك أمل في الدراسة .. أبحث لك عن عمل لا يرهقك .. وإلا فستندم.
صدمه قول الطبيب، وأدرك أنه لا فائدة من متابعة الدراسة، والأطباء بقدر ما يجهلون أمور الطب، بقدر ما يجيدون النصائح، إنهم يعرفون النتيجة، ولكنهم لن يعرفوا الدواء أبدا إلا بالتخمين والمصادفة.
وهنا بدأت المشكلة.
يجب أن يبحث عن عمل .. عن وظيفة.
وانطلق يطرق باب كل دائرة، وكل شركة، كان يريد أي عمل، يتعبه أو لا يتعبه، فالحالة المادية منهارة بالنسبة لأبيه، ويجب أن يساعده وأن ينتشله من الهوة المنزلق فيها.
ولكنه ظل يفشل ويفشل، كان بالأمس يبحث عن بعض الدراهم ليأخذها إلى طبيب، واليوم صار يبحث عن دراهم ليستطيع أن يخرج أوراقة الثبوتية، وظل يفتش حتى كاد ييأس لولا أبوه الذي كان ينفخ روح الأمل فيه.
لم يترك واسطة إلا جربها، لم يترك بابا إلا طرقه .. لم يترك يدا إلى قبلها .. امتهن كرامته في سبيل الحصول على عمل، عرف كل دائرة بلون بنائها، بعدد درجاتها، ووجوه موظفيها، ولكنه ظل بلا عمل.
كان كلما تناول القلم، ليبدأ الجملة التي ألف كتابتها : أنا الموقع أدناه، يرتسم الأمل أمام عينيه من جديد، لابد من النجاح .. لا بد من النجاح .. وفي النهاية يجد أن لا بد من الفشل .. لا يوجد شاغر، إذا لم يكن واسطة .. وزير .. نائب .. موظف كبير .. فلن تجد عملا.
كلما سمعها كثيرا، ولكن من أين له الواسطة، لا يعرف أحدا .. وليس هناك مال ليرشي به من يرتشي .. فما العمل يا إلهي .. ما العمل .. أهكذا تقسو على الناس البائسين ؟ .
ظل يحملق في اللوحات المعلقة على جدران الدوائر الحكومية والشركات .. يحاول أن يلتقط إعلانا عن مسابقة أو طلب وظيفة وكلما وجد مبتغاه، أسرع ليخرج أوراقه الثبوتية للمرة الخمسين، الواحدة والخمسين، الثانية والخمسين، لا يذكر .. وعندما يدخل المسابقة تنتهي برسوبه، وكان يؤلمه أن ينجح واحد آخر دونه، كان قد ساعده هو في الامتحان.
وأحيانا، كانوا يقولون له بكل بساطة، اكتفينا بموظفين دون مسابقة، أو يصدمه يوم المسابقة بالذات، بعد أن تأهب وطالع ودرس : أن المسابقة قد ألغيت، فيشتم الناس، ويعلن الزمان .. ومع ذلك ظل بلا عمل، وظل يجوب الشوارع وحيدا.
وفجأة تبدل كل شيء في وطنه الصغير .. وبرزت بين عشية وضحاها قيم جديدة وآمال أمة وشعب .. وأحس أن الشمس أشرقت هذه المرة دون أن تحجبها غيوم .. وشعر أن قوة جديدة قد انبعثت من أعماقه .. فأخذ القلم بروح متفائلة وشرع يكتب : أنا الموقع أدناه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here