islamaumaroc

مشروع جريمة

  دعوة الحق

67 العدد

صاحت "حسنا" في ربيبها من خلف السياج الشوكي ..
- "فضول" .. آراس الغول .. أين أنت ؟؟
ووقف الغلام على باب السياج ينظر إليها بعينين كبيرتين فيهما بلاهة ظاهرة، وقد فتح فمه كأنه يريد أن يقول شيئا نسيه .. قالت حين رأته ..
- أنت هناك، وأنا أسلخ حناجري. انزل البغلة للعين لتشرب، وقل للراعي أنك ستأخذ له عشاءه إلى هناك .. لا حاجة له إلى الصعود إلى هنا ..
وأمسكت بطفيرة الشعر الأسود النابثة على جانب رأسه وصاحت ..
- إذا نسبت ما قلت لك فسأعلقك من هنا ..
وخلص "فضول" ظفيرته من يدها بصعوبة وذهب حيث تقف البغلة، فأمسك بلجامها وقادها خارجا بها من السياج ..
ونفضت هي يدها كأنما كانت ماسكة بشيء مترب قدر، ودخلت الغرفة البحرية كما كان يسميها زوجها الميت تشبيها لها بصالات طنجة المواجهة للبحر ..
كان "عبد الصمد" أخوها المزعوم، ينتظرها هناك وقد أخرج من جيبه طرف ورق مبطنا بكيس من البلاستيك الشفاف، ووضعه أمامه على جانب صينية الشاي ..
رفع عينيه إليها متسائلا فقالت ..
- لقد صرفته .. لن يعود إلا بعد ساعة ..
وجلست إلى جانب الصينية تنتظر تعليماته، ونظر هو إلى الظروف وكأنه يفكر ويحك ظهر يده اليسرى محاولا التركيز .. ويعد لحظة بدأ بصوت خافت ..
- في هذا الظرف "غيرة" بيضاء كمسحوق الأطفال .. إنها مادة سامة جدا، ولكنها مخففة لدرجة أنها لا تقتل من يتناول قليلا منها .. لقد أضفت إليها مادة تجعل طعمها مقبولا في الفم ومع الطعام إلى جانب أنها تجعلها خفية في المعدة والأمعاء حتى على أذكى الأطباء.
قالت هي ..
- هل تعتقد أنهم سيفتحون بطنه ليبحثوا عن سبب موته ؟
- إنني أفعل هذا مبالغة في الاحتياط .. لقد قضيت الشهر الفارط كله أقرأ عن السموم في دائرة المعارف الطبية .. وهذا هو المسحوق الوحيد الذي أعجز الأطباء اكتشافه داخل أمعاء الأدميين .. وحتى لو فرضنا أنهم شرحوا جثته بعد الموت فسوف يجدون أن موته كان لضعف شديد في القلب.
- لا أعتقد أن أحدا سيشك في هذه القرية الضائعة على قرون الجبال في هذه البقعة المهجورة من العالم .. حتى ولو قتلته بسم الفيران .. إنهم يذهبون في الجنازات دون السؤال عن الميت، وهل هو رجل أو امرأة ..
- الاحتياط ضروري .. وخصوصا وأن موت الطفل له نتائج حسنة بالنسبة إليك .. الثروة الطائلة التي ترك والداه سوف تؤول إليك أنت .. فإذا بقي حيا فسوف لن تحصلي إلا على خمسها ..
قالت وقد وضعت يدها على يده ..
- ألم تقل لي أنك ستكتب لي الثلث ؟
- لقد كتبته فعلا ووقعته بتوقيع عدلين غير معروفين وهو عندي تحت عملية "إبلاء" ممتازة، حتى يظهر أنه قديم ..
وابتسمت هي، قال هو :
- المهم، هو أنك ينبغي أن تستمع إلي بانتباه .. هذه "الغيرة" ينبغي أن يوضع منها ربع ملعقة شاي صغيرة في كل وجبة يأكلها "فضول" – بعد شهر سيصاب بضعف شديد وبعد ذلك سيلازم الفراش مدة أسبوع قبل أن يموت. عليك في هذه الفترة أن تكوني ممثلة بارعة للغاية ..
- اعرف .. البكاء وزيارة الأولياء والصالحين، وشعل الشمع وإعطاء الصدقات للفقيه والطلبة، واستشارة الجيران والمعارف.
وأضاف هو ..
- وأخيرا تستكتبين الفقيه رسالة إلي في "طنجة" بعنوان المكتبة التي اشتغل فيها وتخبريني بمرض ربيبك حبيبك "فضول" وإنك تريدنني حالا للوصول إلى هنا وأخذه معي إلى "طنجة" للعلاج .. وسوف أصل في ليلة الوفاة ..
ونظر إليها فإذا هي تنظر إلى الأرض وقد كنا حزن خفيف وجهها ..
قال ..
- ايه .. ايه .. المفروض أن تفرحي .. أنها الوسيلة الوحيدة للخلاص .. لقد انتظرت هذه الفرصة منذ سنتين أليس كذلك ؟
وحركت "حسنا" رأسها موافقة، فتحرك "عبد الصمد" ليجلس إلى جانبها، ووضع يده على كتفها وجذبها نحوه وقبل خدها في حنان كبير فمالت نحوه ..
قال ..
- أنا أعرف أنها عملية قاسية .. ولكن تذكري هذا .. "البقاء للأصلح" هكذا تقول الكتب .. وهل تعتقدين أن "فضول" ذلك الغلام الذي حشر بين البشر خطأ، هل تعتقدين أنه أصلح منا ؟
وأمسك بوجهها بين يديه ..
- انظري إلى هذا الوجه .. يقول للشمس اشرقي أو اشرق .. وهاتين العينين، وهذا الأنف، وهذا الفم ..
وانحنى فقبلها بحرارة وقال ..
- أختي .. يا ترى لو كنت أختى حقيقة، كما ادعيت لأهل هذه القرية البليدة وصدقوني.
- هل كنت سأعيش بدونك ؟
ونظرت هي إليه وقد زادت وجنتاها إحمرارا وقالت ..
- وماذا كنت تفعل ؟
- كنت أفعل ما فعل "قابيل" بهابيل أخيه .. أو كنت أخطفك وأفر بك إلى أرض بعيدة حيث لا يعرفنا أحد، ونعيش في ثبات ونبات مدى الحياة ..
وضمها إلى صدره مرة أخرى وقبلها .. وقال ..
- أتعرفين أنني حين عدت من تلك العطلة البليدة التي قضيتها في قريتي "بيتي عروس" إلى طنجة، وسألت عنك في البيت فقيل لي أنك تزوجت، كدت أحرق نفسي ؟ .. لقد كنت على حافة الجنون .. ونعتك بجميع ألوان الخيانة .. ولكن في النهاية عقدت العزم على أن أسترجعك .. مهما كان الثمن ..
وضمته إلى صدرها وقالت ..
- لم يكن ذنبي .. تعرف الحاج الذي كنت أعيش في بيته .. رجل طيب القلب، وقد أحبني وأراد لي أن أعيش سعيدة .. لذلك نصح صديقه "عبد الحفيظ" بالزواج مني حين أخبره هذا أن زوجته توفيت .. وناداني الحاج بنفسه وقال لي أنه اختار لي زوجا ممتازا توقت زوجته، وبقي وحيدا حزينا لا أهل له إلا ولده الصغير "فضول" .. وهو غني للغاية ولم أستطع الرفض .. كنت أتمنى لو جئت أنت وخطبتني.
- ما كان باستطاعتي أن أفعل ذلك .. لقد كنت في سنتي قبل الأخيرة في المعهد، وما كانت لي وسيلة للزواج ولا حتى الخطبة. أنت تعرفين أنني أعيش عالة على عمي حين أعود لقريتنا، وعالة على الحاج حين أجيء للدراسة بطنجة ..
- كنت أظن أنك لن تعود بعد العطلة .. وقد كتبت لك رسالة بأسلوبي الخاص من هنا ..
- أذكر يا عزيزتي .. كانت أجمل رسالة تسلمتها في حياتي .. ورقة بيضاء بطابع شفتيك عليها وتوقيعك الذي علمتك إياه ..
- كنت أريد أن أقول لك أنني ما زلت أحبك .. المال والزواج لم يغيرا من طبيعتي شيئا ..
- الحب الأول "يا حسنا" هو أجمل حب وأبقاه على الزمن .. وسوف تبقى في حب دائم ونعيش في تلك الأرض الغريبة التي أنوي أن أخطفك إليها بعد انتهائنا من هذه المهمة الثقيلة ..
ونظر إلى ساعته ..
- المغرب على وشك الآذان .. سأذهب للصلاة مع الجماعة .. لقد استطعت أن أترك أثرا جميلا جدا بين جميع شيوخ القرية وكبارها .. إنهم لا يشكون في أننا إخوان .. حتى أن سيرة قالت لي .. أن لي عينيك، وبشرتك الفاتحة الصبوحة ..
ومد لها "الظرف المسموم" ..
- ضعي هذا في مكان بعيد .. وشيء آخر، من الآن فصاعدا أظهري عطفا على الولد ليس غير عادي .. قد تثيرين الشك بالانقلاب المفاجئ .. المعاملة التي يلقى منك تثير الحجارة ..
- ولكنه أبلد من حائط ..
وقام فلبس جلبابه، وتعم، ونظر إلى وجهه في مرآت صغيرة معلقة تحت مصباح الغاز وعلق ..
- أعتقد أنني بدأت أحب لحيتي .. إنها جعلت الجماعة هنا تحترمني وتقدرني ..
- وكذلك جعلت النساء يجدنك أكثر رجولة وجاذبية .. أنا لا أريد أن أقسمك ...
- لا تقلقي من تلك الناحية يا عزيزتي .. ليست في الدنيا امرأة تملأ من قلبي ما تملأه نظرة واحدة منك ..
وخرج فوقف على عتبة الغرفة حيث كان في إمكانه أن يرى السحب الخفيفة السابحة في الأفق الشمالي على شاطئ البحر .. كانت حمرة الشفق منعكسة على رؤوس بعض التلال الشرقية تخترق بأشعتها الذهبية الضباب الخفيف كغبار الفضة .. وتحت البيت كان الانحدار الذي قامت عليه القرية بين الصخور العالية البيضاء.
وسمع خوار الأبقار والعجول، ونحنحة الخيل وهي عائدة من الحقول إلى زرائبها للمبيت وأصوات الرعاة توجهها.
وتنفس بعمق رائحة الأرض والحيوانات فأحس بالرضا .. هذه البيئة البسيطة السعيدة دائما ترجعه إلى مزرعة عمه حيث نشأ قبل أن ينزل إلى طنجة للدراسة .. وما يزال يعود إليها كل عطلة. وقد مرت عليه أعوام منذ أن زار قرية عمه للمرة الأخيرة .. شغله كبائع في تلك المكتبة الكبيرة لا يترك له فسحة من الوقت للسفر والاستمتاع بالحياة ..
وفرك يديه بعيدا بأن أحلامه كلها سوف تتحقق قريبا .. سيتزوج "حسنا" ويذهب بها إلى الدار البيضاء حيث يفتح مكتبة خاصة به هناك. إنه يعرف بالضبط أين. أما رأس المال فلن يقلق بعد اليوم بالتفكير فيه .. أسرار المهنة كلها عنده، وعلاقاته بالناشرين معروفة، وثقهم به كبيرة ..
وأحس مرورا خفيا حين فكر في أنه سيودع مشغله بدون أسف، وسيرتاح من نظراته المسمومة وهمهماته غير المفهومة .. العالم الآن انفتح أمامه ..
ووقفت "حسنا" خلفه ترتب ثنايا "قبه" وتقول ..
- لا تتأخر بعد صلاة العشاء .. سيكون الجو باردا .. ربما أتلجت الليلة. رائحة الثلج ثقيلة في الريح ..
- من أين كسبت هذه الخبرة الكبيرة بجو القرية ؟
وابتسمت ..
- سأقول لك مصدر علومي .. الجارة العجوز .. تذكر أنك مسافر غدا صباحا .. وعليك أن تستريح ما يكفي .. الطريق من هنا إلى موقف السيارات طويلة ..
وخرج وهو يتمتم لها مطمئنا ..
وبعد صلاة العشاء عاد إلى البيت حيث وجد "حسنا" على الباب تودع بعض الزائرات.
وانحنى عليه بضعهن بالسلام فرد عليهن بكلمات لطيفة ودخل الغرفة ..
وحين عادت "حسنا" إليه وجدته يخلع جلبابه ويبتسم ..
- لماذا الابتسامة العريضة ؟
- لقد هيأت لك الجو تماما ..
- كيف ..
وجلس فأمسك بيديها ونظر إلى عينيها ، وبدأ ..
- في حديثي مع الفقيه كنت أنت الموضوع الأول .. سألني هل سآخذك معي إلى المدينة، فقلت .. أنط ألفت هذه القرية وطيبة أهلها، ثم أن واجبك نحو ذكرى زوجك الراحل والتي تتمثل في ولده الغالي "فضول" تتطلب منك العناية به والبقاء إلى جانبه هنا حتى يتم حفظ القرآن الشريف، وإنك سوف لن تتزوجي أبدا حفظا لذكرى العزيز الراحل.
ووضعت هي يدها على قلبها في جد مازح وقالت ..
- أيها السادة .. لننشد السلام الوطني ..
وبدأت تعزفه بصوتها .. ثم انفجرت ضاحكة فضمها "عبد الصمد" إلى صدره وقبلها في مرح ..
وفي نفس اللحظة انسحبت هي بسرعة من بين ذراعيه، ونظرت نحو الباب .. تغير أشعة الضوء الداخلة من الباب نبهها إلى أن أحدا ما يقف على العتبة .. والتفتت فإذا رأس "فضول" يطل عليهما في بلادة وثقل ..
وكادت تصيح فيه بندائها العادي فضغط على ذراعها وقال ..
- تذكري .. ذكرى العزيز الراحل ..
فضغطت على شفتها السفلى ووضعت على وجهها ابتسامة مغتصبة ثم قالت نحوه ..
- هل فعلت كل ما قلت لك ؟
وحرك رأسه بالإيجاب دون أن يتكلم ثم انحنى فمسح أنفه السائل في كم جلبابه ..
وقاومت هي شعورا حارقا بصفعة على خده، ولكنها قالت بدلا من ذلك ..
- فضول .. كم مرة قلت لك أن تستعمل المنديل ؟ .. إنه في جيبك ..
ونظر هو إليها مستغربا عدم صفعها له كما هي عادتها في مثل هذه الظروف .. ولكن الموضوع سرعان ما غاب في الضوضاء الدائمة داخل رأسه الغبي .. فبدأ ينظر إليها بعينين فارغتين ..
قالت ..
- اذهب إلى غرفتك وهيئ المجامير. وللمرة الألف .. لا تأتي بها للغرفة الكبيرة حتى تتأكد من أن الفحم كله قد صار جمرا .. جمرا أحمر تماما .. لا بقعة سوداء عليه .. فهمت ؟
وفكرت في "تهريب" صفعة مسومة على خده حتى لا ينسى، ولكنها تذكرت، فقاومت رغبتها بإمساك يدها، ورسم ابتسامة مريضة على شفتيها ..
وغسل "عبد الصمد" يديه، ومسح عن لحيته السوداء بقايا الطعام، وأخذ الفوطة من فوق كتف "حسنا" التي كانت تصب له الماء فمسح يديه وشفتيه الحمراوين لسخونة الطعام، وقام ليلبس بيجامته ويستعد للنوم ..
وأخرجت هي المائدة والأطباق والطاس إلى الغرفة الصغيرة المجاورة، ولم تنس أن تصيح في فضول الذي كان يهيئ المجامر ..
وعادت هي إلى الغرفة حيث استبدلت ملابسها ووقفت تفسخ شعرها استعدادا للنوم.
كان "عبد الصمد" قد استلقى في الفراش وأخذ كتابا صغيرا في يده يحاول أن يميز الأسطر فيه على ضوء سراح زيتي خافت.
ودارت هي وسط الغرفة تتأكد من أن جميع "الشماسات" والنوافذ والشقوق مقفلة.
- البرد بالخارج يكاد يجمد الدم ..
ورد هو ..
- لا أدري كيف يحتمل أهل هذه القرية الملعونة هذا الجو السموم ..
ولدوا فيه .. لذلك هم أبرد من الجليد .. ثم تنهدت ووضعت يدها على صدرها الناهد، وقالت ..
- كم أنا فرحانة لأنني سأفارق هذه المقبرة الباردة بعد شهر ..
- شهر وأسبوع ..
- لا فرق ..
وقال وهو يفتح ذراعيه لها ..
- أسبوع بالنسبة لي بدونك .. دهر طويل ..
وجرت نحوه فارتمت بين ذراعيه ..
ودخل "فضول" بالمجمر الأول فوضعه في ركن الغرفة وخرج منحني الرأس دون أن ينظر حواليه .. وابتعدت هي عن "عبد الصمد" وجلست على حافة السرير تنتظر أن يأتي بالمجمر الثاني ..
وعاد "فضول" يحمل المجمر الثاني.
وقعدت هي على أعصابها تنتظر .. ودخل فضول بالمجمر الثالث .. فصاحت فيه وهي تحاول ألا تفقد أعصابها .
- اقفل الباب خلفك بشدة حتى لا تفتحها الريح .. واذهب إلى غرفتك ..
- وسمعت "فضول" يصفق الباب خلفه، فبدأت تخلع قميصها ..
وبعد بضع دقائق سمعت الباب ينفتح بقوة، فقعدت على السرير وأمسكت باللحاف مغطية صدرها وقد ارتسم الرعب على وجهها وهي تنظر نحو الباب .. وحين رأت رأس "فضول" يطل من ورائه لم تتمالك أن تصيح فيه ..
- اخرج .. اخرج يا حمار .. سأقطعك أطرافا .. انتظر حتى الصبح .. وأمسك بها "عبد الصمد" ليهدئ أعصابها .. اقفل "فضول" الباب وراءه وذهب يتمتم لنفسه بشيء ..
وفي صباح الغد فتح الجيران الغرفة الكبيرة ليجدوا "عبد الصمد" و"حسنا" جثتين هامدتين على سرير واحد.
وجاء الفقيه باختبر الجثتين وأعلن أن سبب الوفاة كان الاختناق بثاني أكسد الكربون.
وحاول "فضول" أن يقول شيئا فلم يدر كيف يشرح أنه فتح عليهما الباب ليخرج المجمر الذي كان الفحم فيه ما يزال أسود فنهرته زوجة أبيه ..

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here