islamaumaroc

أبو البقاء الرندي

  دعوة الحق

64 العدد

ليس هناك كتاب يتناول تاريخ الأندلس السياسي أو الأدبي إلا ونجد مؤلفه يثبت نص قصيدة أبي البقاء الرندي الشهيرة في رثاء قواعد الأندلس التي تساقطت في يد الأسبان الواحدة تلو الأخرى، أو يشير إلى بعض أجزاء منها...وهي:
لكل شيء إذا ما تم نقصــان           فلا يغـر بطيب العيـش إنسان
هي الأمور كما شاهدتـها دول        من سره زمـن ساءتـه أزمـان
وهذه الدار لا تبقى علـى احد          ولا يدوم على حـال لـها شـأن
فاسأل بلنسيه ما شان مرسيـة        وأين شاطبـة أم أيـن جيـــــــان
وأين قرطبة دار العلـوم فكـم           من عالم قد سما فيها له شــان
وأين حمص وما تحويه من نزه       ونهرها العذب فياض ومــلآن

فهذه القصيدة التي خلدها أبو البقاء سند قوي للمؤرخ السياسي الذي يريد إبراز اثر الفواجع الأندلسية في نفوس الشعب الأندلسي وفي نفوس مفكريه ولا سيما حملة الأقلام من كتاب وشعراء..وهي للمؤرخ الأدبي صورة حية للوزن من ألوان الأدب الأندلسي في رثاء الأمصار الإسلامية التي عصفت بها فواجع الزمان فسقطت صريعة في يد الغزاة الصليبين.. وهي قبل هذا وذاك مثال لأدب العاطفة المكلومة المصدومة بتيار الأحداث والفواجع.

ولعل ذلك هو السبب الذي يحدو أساتذتنا إلى دفعنا لنحفظ نونية أبي البقاء الرندي بتمامها، واذكر فيما اذكر أنني حفظتها اثر درس حضرته في تاريخ الأندلس..وكان من جملة مواده قطعة من هذه القصيدة..وما لبثت أن أصبحت أترنم بها..وكأنني أترنم بأنشودة هي أنشودة الشعور المتدفق.. والوجدان الكسير..والتعبير الرقراق..
ومنذ ذلك الحين وأنا اعرف القصيدة جيدا وأحفظها جيدا، ولكنني لا اعرف عن صاحبها شيئا لا قليلا ولا كثيرا، وكم كنت اشعر بفراغ في ذهني حينما أحاول البحث عنه في المعاجم وكتب التاريخ وكأنني ابحث عن مجهول أو نكرة من النكرات.

فالرجل قد خلد المأساة وكأنه لم يخلد، بل لم تشتهر حتى ترجمته الشخصية، وما ذلك إلا لان تيار الأحداث قد سدل ستارا كثيفا عن الرجال الذين عاشوا في العصر الذي عاش فيه أبو البقاء..كما أن الكتب التي ذكرتهم أو ترجمتهم نالت هي الأخرى حظها من الفاجعة، فدخلت في خبر كان، أو رقدت في زاوية من زوايا النسيان...وكنت في كل مرة اقرأ القصيدة، أسائل نفسي:
-من هو أبو البقاء الرندي..؟
- وفي أي عصر ختمت أنفاسه..؟
- وهل له شعر آخر غير هذه القصيدة..؟
- ولماذا يمر عليه جامعو تراث الأندلس مر الكرام..؟

ولكن هذه الأسئلة كانت لا تظفر بجواب، لا سيما وأبو العباس المقري في( نفح الطيب)، و(أزهار الرياض) قد ذكر الشاعر في عبارات غامضة يدل فحواها دلالة واضحة على أن المقري نفسه كان لا يملك شيئا زائدا عما سطره من معلومات حول أبي البقاء..إذ لو كان يعلم شيئا زائدا لجاد به على عادته وهو الحافظ المتبحر المتضلع من الأخبار والآثار.
ومرت أيام شغلت فيها عن أبي البقاء ونونيته واكتفيت بفتح(ملف) خاص به أدون فيه ما سوف اعثر عليه من معلومات حوله من خلال المطالعات، أو أشعار منسوبة إليه، وانتظرت حكم الزمان الذي لا يحتفظ بسر ولا يبقى عليه.

وكانت المعلومات الأولى عن صاحبنا هي ما شار إليه ابن خلدون في الفصل الثالث والأربعين من المقدمة حين كان يتحدث عن شعراء الأندلس فذكره قائلا(وكان من آخرهم صالح بن شريف ومالك بن مرحل).

ولم أتردد في أن صالح بن شريف عند أبي خلدون هو أبو البقاء صالح بن شريف المذكور في النفح، وهو أبو الطيب المذكور في أزهار الرياض...
فالشاعر له كنيتان:أبو البقاء، وأبو الطيب.. وسنجد له كنية ثالثة فيما بعد..
وكانت المعلومات الثانية التي رايتها هي قول الحافظ محمد بن عبد الملك المراكشي في كتابه الذيل والتكلمة: ( وحدثني صالح بن شريف..وقال صالح بن شريف...)
فاستفدت من ذلك أن صاحبنا من أشياخ الحافظ بن عبد الملك، ومعلوم أن ابن عبد الملك توفي سنة 703هـ.

وتركت أبا البقاء بعد أن اطمأننت إلى انه من أشياخ ابن عبد الملك ولهذا فهو لا محالة من الشعراء الذين عاشوا في القرن السابع الهجري وشاهدوا مصرع القواعد الأندلسية الأولى..كما شاهدوا قيام دولة بين الأحمر الفتية في غرناطة...

وكم كانت دهشتي عظيمة حينما وجدت أثناء البحث الشهاب الخفاجي في كتابه_الريحانة) يبعد النجعة فينسب قصيدة أبي البقاء الرندي إلى من يسميه _يحيى القرطبي) الذي وقع أسيرا في يد النصارى فنظم هذه القصيدة يستنجد بها العثمانيين(ملوك الروم) كما يسميهم الشهاب.

ثم يروي القصيدة وهي عنده 61 بيتا، بينما يرويها المقري في (نفح الطيب) وهي 42 بيتا ويرويها في (أزهار الرياض) وهي 43 بيتا بزيادة بيت واحد وهو البيت رقم 28:
يا أيها الملك البيضاء رايته    أدرك بخيلك أهل الكفر لا كانوا
أما صاحب(الذخيرة السنية) فانه ينسب القصيدة(للفقيه ابن محمد صالح بن شريف الرندي) وهذه كنية ثالثة..ثم ذكر القصيدة وهي عنده 43 بيتا، توافق ما في أزهار الرياض في العدد ولكنها تخالفها في كثير من الأبيات مخالفة تامة...
وقد تفطن أبو العباس إلى ما يزيد في قصيدة أبي البقاء من أبيات، فيها ذكر غرناطة وبسطة وغيرهما مع أن مصرعها لم يكن إلا بعد موت أبي البقاء بمدة طويلة..ولا شك أن المقري يعني بذلك الأبيات التي رواها كثير من المؤلفين قبل الشهاب الخفاجي ونقلها هو نفسه في (الريحانة) وعددها 18 بيتا..حشرت حشرا فيها بعد قول صالح بن شريف:
وأين حمص وما تحويه من نزل      ونهرها العذب فياض وملآن
وهي أبيات مهلهلة النسج باردة الأنفاس..كل هذا ونحن نتحدث عن صالح بن شريف من خلال هذه المرثية الخالدة وما جرت من إشارات عند المؤرخين وزيادات وحقائق وأوهام..
أما عن شخصية صاحبها فقد ظل قابعا في زاوية من زوايا الإهمال والنسيان لا تزيده الأيام إلا إمعانا في الخفاء والغموض ولا تزيد الباحثين إلا انصرافا عنه بعد يأس من العثور على ترجمة في كتاب ما.

ومن الإنصاف أن نعترف أن الأستاذ عبد الله عنان كان أول باحث رفع الأحجار والأشواك عن شخصية صالح بن شريف بما كتبه في مؤلفه(نهاية الأندلس)، فقد استنتج في الطبعة الأولى من كتابه سنة 1949 م انه عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجري..ولكنه عاد في الطبعة الثانية سنة 1958 فأشار إلى الترجمة التي عثر عليها في مخطوط0الاحاطة) المحفوظ بدار الاسكوريال..
وبسبب ذلك توجهنا إلى البحث في مخطوط الإحاطة حيث وجدنا لسان الدين بن الخطيب ترجم شاعرنا ترجمة حافلة شفت بعض الغليل وزالت كثيرا من الفروض والاحتمالات..وقد نقل ابن الخطيب عن ابن الزبير كثيرا من المعلومات المتعلقة بصالح بن شريف لكون هذا الأخير كان من الذين يلازمون مجلس ابن الزبير في مالقة ويستفيدون من وقد كان الأستاذ عبد الله كنون أول من نشر بعضا من نص الإحاطة في دراسته القيمة التي نشرها عن كتاب(الوافي في نظم القوافي)...
وبذلك يصح لنا آن نقول عن خبرة واقتناع انه لولا مخطوط الإحاطة ما عرفنا صالح بن شريف..ولا سمعنا عن حياته شيئا.
ومجمل هذه الترجمة انه ولد سنة 601 هـ وانه عكف منذ صباه على الدراسة العلمية والأدبية اتصل بدولة بني الأحمر فكان حظيا عند ملوكها يتردد عليهم وينال جوائزهم..وانه ألف عدة كتب في العروض والفرائض والتاريخ بالإضافة إلى شعره الذي يظهر انه كان غزير المادة رقراق الديباجة متين الأسلوب.

والباقي من آثار أبي البقاء يحتاج إلى مزيد من العناية والدراسة لنعرف الرجل على حقيقته ونخلده كما خلد مأساة الفردوس المفقود..
فصاحبنا له مقامات أدبية..وله شعر أودع كتابه الوافي كثيرا من مقطعاته الرقيقة..كما احتفظت بعض المصادر بقليل منه هنا وهناك..وقد رأينا الزبير فيما نقله عنه ابن الخطيب يروي قصائد لصاحبنا ويقول:
(وأنشدني كثيرا من شعره)
كما رأينا ابن عبد الملك يقول فيه:
(كان خاتمة الأدباء بالأندلس)
وناهيك بهذه القولة من الحافظ ابن عبد الله في حق شيخه صالح بن شريف.
وقد أبقت الأيام على بعض آثار صالح بن شريف منها:
1)كتاب الفرائض.
2)الوافي في القوافي يوجد في عدة خزائن
3)روض الأنس ونزهة النفس في الأدب والتاريخ يوجد منه جزء في إحدى الخزائن الخاصة.

وقبل أن نودع أبا البقاء في هذه النظرة السريعة التي ألقيناها على شخصيته وآثاره وأسهمنا في رفع بعض الأحجار(المتراكمة منذ قرون) عنها نرجو أن نوفق إلى نشر معلومات أخرى مقتبسة من بعض المخطوطات مع منتخبات من شعره..كهذه الأبيات التي احتفظ لنا بها أبو العباس ابن القاضي في(جذوة الاقتباس):

برزت من الحمام تمسح وجهها        عن مثل ماء الـورد بالعناب
والماء يقطر من ذوائب شرعها        كالطل يسقط من جناح غراب
فكأنما الشمس المنيرة بالضحى         طلعت علينا من خلال سحاب

وسنجدد اللقاء..بابي البقاء...في فرصة أخرى بحول الله.

 


 

 

 
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here