islamaumaroc

ديبلوماسية بيسمارك (تر. عبد الحق بنيس)-1-

  دعوة الحق

64 العدد

يشكل تطاحن العواطف القومية واصطدام التوسيعات الاستعمارية بعضها بالبعض الآخر، النسيج الأساسي الذي ارتسمت عليه المصاعب السياسية في أوربا، ومع ذلك فلا ينبغي أن نبالغ في أهمية«الأزمات الدبلوماسية»، باعتبار أن الدول العظمى لم تكن راغبة في الحرب. إلا أن الكل كان مقتنعا بإمكانية حدوث نزاع عام، وعليه كانت كالدولة تسعى في إنشاء وضع خاص أما لتجنب النزاع أو لمواجهته في أحسن الظروف والأحوال. كان بيسمارك وسط هذا الخضم من النشاط السياسي يمسك بزمام الموقف. وقد عرف كيف يستغل تناقض المصالح واختلافها لتظل السيادة في القارة مضمونة للدولة الألمانية. لكن كثيرا ما كان يزعجه هذا التناقض في المصالح ولا سيما في البلقان حيث النزاع على أشده بين روسيا، والنمسا-وهنغاريا.

فكيف استطاع المستشار الإمبراطوري(الوزير الأول) أن يقود سفينته بنجاح إلى أن غادر الحكم سنة 1890(1)وكيف استطاع أن يجمع من حوله نظاما من تحالفات واتفاقات ضمنت له هيمنة ألمانيا؟ أن العمل الدبلوماسي هنا لم يكن مجرد مساومة بل عبارة عن بناء«جهاز»ظل بقاؤه يحتل الدرجة الأولى في شواغل الحكومات والشعوب. ولذلك خصصنا له بحثا منفردا: أننا لو ضربنا صفحا عن هذا النشاط الدبلوماسي، أو على الأقل لو جهلنا خطوطه العامة لأصبح من المستحيل علينا إدراك المخاوف التي استولت على الأوساط السياسية وأوساط الرأي العام سواء بسواء.

وضع مستشار الإمبراطورية أول قطعة في«جهازه»خلال شهري مايو ويونيه 1873، ويتعلق
الأمر«بوفاق الأباطرة الثلاثة».(2)يستند هذا الحلف على نصين: الأول وهو عبارة عن اتفاق ألماني- روسي وقع عليه في 6 مايو 1873، يقول هذا الاتفاق:«إذا هوجمت إحدى الإمبراطوريتين من دولة أوربية قدمت لها في اقرب اجل ممكن نجدة في حدود مائتي ألف رجل من الجنود العاملين(3).ليس هذا الاتفاق بمعاهدة من حيث الشكل، وهو لا يحمل إلا توقيع العاهلين، ناهيكم عنانه ابرم إلى اجل غير محدود. ولكن كان في الإمكان فسخه بعد تقديم إعلام سابق بسنتين، إذن فلهذا الاتفاق صبغة حلف دفاعي. والنص الثاني عبارة عن اتفاق نمساوي-روسي وقع عليه بتاريخ 6 يونيه 1873. وليس هو بمعاهدة تحالف، بل هو فقط وفاق شخصي بين الإمبراطور فرانسوا جوزيف والقيصر الاسكندر، الذين تعاهدا على   «التشاور» فيما بينهما كلما وقع خلاف بين دولهما المعنية أو أصبح الأمن مهددا«بعدوان آت من دولة ثالثة». وقد انتسب الإمبراطور الألماني إلى هذا الاتفاق بواسطة ميثاق 22 أكتوبر 1873.

أن تأويل السياسة الألمانية يبدو سهلا من أول وهلة.وهوان بيسمارك، باتفاق مع النمسا- هو وهنغاريا ومع روسيا، أراد أن يقيم حصنا منيعا في وجه التحول الذي وقع على الحكومة الفرنسية في 24 مايو 1873: اعني سقوط تييرTHIERS ومجيء ماكماهونMAC-MAHON إلى الحكم. أن هذا الإيضاح يتداعى أمام تحري الوثائق، لان ممهدات السياسة البيسماركية ترجع إلى صيف 1872 وهي الفترة التي اظهر فيها تيير رغبته في دفع غرامة الحرب بأسرع مما قررته معاهدة فرانكفورت(4).وفي 8و9 شتنبر 1872 كان الأباطرة الثلاثة قد اجتمعوا في برلين لتبادل وجهات النظر الأولى التي تقدمت إبرام اتفاقات 1873. ثم أن الاتفاق الألماني-الروسي قد وقع في 6 مايو 1873 أي قبل تير بثلاثة أسابيع تقريبا، وعليه ففي الوقت الذي كان يصرح بيسمارك بأنه ارض عن السياسة الفرنسية وانه مطمئن من التنفيذ« الحرفي»لمعاهدة فرانكفورث، في هذا الوقت بالذات كان يعمل على عزل فرنسا. وبالفعل كانت سياسة الضمانات الدبلوماسية هذه ضرورية في نظر المستشار الألماني، بعد ما رأى نجاح القرض«من اجل تحرير الأرض الفرنسية»، والتصويت على القانون العسكري ليونيه 1872(5). نعم رأى في هذا وذاك دليلين على نهضة سريعة في فرنسا، كما رأى أن ألمانيا ستفقد بعد عهد قصير ذلك الأمن الذي يضمنه لها وجود جيوش احتلالها فوق الأرض الفرنسية.

بل أن بيسمارك كان يرمي من وراء لعبة هذه الاتفاقات إلى«مراقبة» السياسة الروسية والسياسة النمساوية-الهنغارية، كان يقول أنني استطيع أن احتفظ بالجارين«مشدودين برباط واحد». إلا أن التسويات سكتت عن القضايا التي كانت أعوص، القضايا التي من شأنها أن تجعل مصالح روسيا والنمسا-وهنغاريا في البلقان على طرفي نقيض. والواقع أن الحكومات الثلاث خضعت لعوامل متباينة، فألمانيا سعت في السند الروسي بقصد إحباط كل محاولة فرنسية للأخذ بالثأر(6) وروسيا لم توقع الاتفاق مع ألمانيا إلا لتفادي كل تقارب وثيق بين الإمبراطوريتين المركزيتين، والنمسا-هنغاريا لم ترفي«وفاق الأباطرة الثلاثة» إلا امتيازا خولته لبيسمارك لكي يعمل على إصلاح المستقبل. إذن«فالجهاز» ضعيف البنيان. ولم يلبث بيسمارك أن أدرك ذلك، حيث أن الأزمة التي اندلعت في سماء العلاقات الفرنسية الألمانية في ربيع 1875 كانت بمثابة امتحان للاتفاق الألماني-الروسي، وقد أتى هذا الامتحان مخيبا لسياسة المستشار.

أن وفاق الأباطرة الثلاثة الذي تضعضع أولا«بغارة»1875(7)، لم يستطع أن يصمد أمام الأزمة البلقانية التي وقعت سنتي 1877و 1878: ففي نهاية سنة 1878 انهار«الجهاز»الذي أنشأه بيسمارك سنة 1873. بيد أن المستشار بعد قليل سوف يحاول إعادة إنشائه على أسس جديدة تقريبا. لاشك انه في سنة 1879 لو اضطر إلى الاختيار بين روسيا والنمسا-وهنغاريا لفضل هذه الأخيرة. ومع ذلك فقد نجح في إقامة علاقة من جديد مع روسيا. فعل هذا في الوقت الذي استطاع أن يكتسب بواسطة التحالف مع ايطاليا وسيلة«لكبح جماع»فرنسا(1822).أن أجزاء«الجهاز البيسماركي»الجديد هي التحالف النمساوي-الألماني ومعاهدة الأباطرة الثلاثة والتحالف الثلاثي.

كانت الحكومة النمساوية- الهنغارية تأمل منذ سنة 1871 في تحالف مع ألمانيا. وعند ما تبنى بيسمارك هذه الرغبة في سنة 1879 كان قد أعطى بطبيعة الحال لسياسته اتجاها«مناوئا للروس»، وهذا ما يطابق أهدافه العامة. فلماذا قرر اتخاذ هذه السياسة؟ كان يخشى أن تعمد النمسا-وهنغاريا لو ظلت منفردة إلى إقامة تحالف مع فرنسا أو بأحرى إلى السعي في اتفاق مع روسيا دون ألمانيا. ومنذ شهر يونيه 1879 صرح لسفير فرنسا بقوله،«أن الصداقة مع النمسا-وهنغاريا ستصبح يوما بعد يوم أساسا للسياسة الألمانية»وأما الحادث الذي طرأ في شهر غشت 1879-رسالة وجهها القيصر إلى غليوم الأول اشتكى فيها بلهجة شديدة من موقف بيسمارك، وبها إشارة إلى«العواقب الخطيرة» التي قد تترتب عن ذلك- فلم يكن سوى فرصة اغتنما المستشار لاتخاذ المبادرة التي ظل يحلم بها منذ شهور. ففي 27 غشت 1879 اقترح على اندراسي(رئيس الوزراء في النمسا-وهنغاريا) إبرام حلف دفاعي.

وقد قبل المبدأ بسهولة إلا أن صعوبات اعترضت طريقة حينما وضعت مسالة تحديد الجبهة التي سيبرم الحلف ضدا عليها. قل بيسمارك انه حلف عام. أما اندراسي فلم يقبل أن يساند ألمانيا في حالة ما إذا هوجمت من قبل فرنسا وإنما كان يريد أن يوجه الحلف فقط ضد روسيا. وقبل بيسمارك ذلك إلا انه اصطدم بمقاومة الإمبراطور غليوم الأول الذي كان يعتقد أن النمسا-وهنغاريا سوف لن تنسى حرب 1866(8) وإنها بالتالي سوف لا تكون حليفا مخلصا، ثم كان يرغب في الأخذ بخاطر روسيا التي على حد تعبيره لا تكون  «نوايا عدوانية»لألمانيا. وهكذا كتب الإمبراطور في 10 شتنبر إلى بيسمارك يقول له:«أنني لا اسمح لك بإبرام اتفاق أو حلف مع النمسا وهنغاريا». وعندما هدد المستشار بتقديم استقالته لم يجد غليوم الأول بدا من إعطاء موافقته شريطة أن لا يرد اسم روسيا في المعاهدة. وبما أن اندراسي لم يقبل هذا الشرط(لأنه لم يكن يريد أن يوقع على نص قد يكون موجها ضد فرنسا أو انجلترا) فقد تعدى بيسمارك حدود التعليمات الرسمية التي أعطاها الإمبراطور. وغشب غليوم الأول عندما قدمت له صيغة المعاهدة وقد ذكرت فيها روسيا بوصفها الخصم الوحيد ثم قال:«من المستحيل على أن أصادق على هذه المعاهدة لان ذلك مخالف لعقيدتي ولشيمتي ولشرفي». ولكن كان من اللازم أن يوافق عليها لان بيسمارك هدده باستقالة جماعية للوزراء، فانتفخت أوداج الإمبراطور وقال:«إن الذين يرغمونني على هذا القرار سيتحملون مسؤوليته أمام البارئ الأعلى».
في 7 أكتوبر 1879 أبرمت معاهدة التحالف النمساوية الألمانية. وتقول هذه المعاهدة:إذا هوجمت إحدى الدولتين من قبل روسيان فان الدولتين ستضعان كافة قواتهما ضدا على هذه الدولة المهاجمة، وفيما إذا وقع هجوم من قبل دولة أخرى فان الدولتيني تتعاهدان فقط على الوقوف موقف«الحياد المشفوع بحسن الالتفات».

إذن فقد التقى بيسمارك في الميزان بسلطته كلها لكي يفرض على الإمبراطور الحلف النمساوي-الألماني الموجه ضد روسيا وبذلك يكون فيما يظهر قد عدل عن الفكرة التي استوحى منها سياسته في سنة 1873 ومع ذلك ففي 14 شتنبر-أي في نفس الوقت الذي وصلت فيه المفاوضات النمساوية-الألمانية إلى المرحلة الحرجة-كان قد شرح في رسالة له إلى السفير الألماني في فيينا المقصود من هدفه الجديد. قال له: أن روسيا في اليوم الذي ستلاحظ فيه وجود حلف بين النمسا-وهنغاريا وألمانيا ستشعر بخطر عزلتها وستطلب من تلقاء نفسها إعادة إقامة«الجهاز القديم للأباطرة الثلاثة»، وستكون ألمانيا مستعدة لتلبية هذا الطلب. وفي نظر المستشار أن إبرام المعاهدة النمساوية-الألمانية ينبغي أن يكون وسيلة للضغط على الحكومة القيصرية لحملها على الدوران في الفلك البيسماركي. ليس من شك في أن الإمبراطورية الروسية سوف لا تستطيع أن تجد من جديد في هذا الوفاق الجديد الأباطرة الثلاثة تلكم المكانة التي احتلتها سنة 1873 اعني أنها سوف لن تكون الجزء الهام في«الجهاز» ما دام بيسمارك قد التزم بتعهدات إزاء النمسا-وهنغاريا. ولكن بما أن هذه التعهدات تكتسي فقط صبغة دفاعية فان روسيا تستطيع أن تعتمد أيضا على ألمانيا في الوقوف موقف الحياد النبيل، على شرط ألا تقدم روسيا على مهاجمة النمسا-وهنغاريا. فالمهم أن يتصرف المستشار بكيفية تجعل روسيا تقدر وتتمنى هذا الموقف النبيل. ولحلم القيصر على نسيان المرارة التي خلفتها في نفسه حوادث البلقان كان من الكافي ولاشك إشعاره بخطر العزلة، ذلكم كان موضوع المناورة. ولكن كان من اللازم كذلك تصور ما إذا لم ينجح هذا العمل، وما يجب اتخاذه من احتياطات لوقوف في وجه العداء الذي قد تعلنه الحكومة الروسية يوم تعلم بوجود التحالف النمساوي-الألماني.

ولعل الدور القيصر الذي لعبته محادثات انجليزية-ألمانية كان يقصد منها الوصول إلى هذا الهدف المزدوج. ففي 16 شتنبر-أي بعد مرور يومين فقط على الرسالة التي وجهها إلى سفيره في فيينا معبرا عن رغبته في استيناف التفاوض مع روسيا-كلف بيسمارك سفيره في لندن بان يستوضح نوايا بريطانيا العظمى في حالة وقوع نزاع ألماني-روسي. وأجاب ذزرائيلي(9) بان انجلترا في حالة كهذه، سوف تكون مستعدة تمام الاستعداد لإبرام حلف مع ألمانيا موجه ضد روسيا. أما فيما يخص فرنسا فان الحكومة الانجليزية ستتكلف«بمراقبتها»وإجبارها على«الوقوف موقف الحياد» في حالة ما إذا أرادت أن تتدخل في النزاع. واظهر بيسمارك خيبة أمله. «مراقبة فرنسا فقط، لا زائد على ذلك؟. ثم أعطى لسفيره الأمر بقطع المحادثة. هل كان المستشار عندما قام بضربة السبر هذه، يفكر حقا في الحصول على سنند من بريطانيا العظمى في حالة حدوث قطيعة بينه وبين روسيا؟ لعله كان يقصد من وراء ذلك إلى هدف آخر: فقد كان يعلم انم مساعيه في لندن سوف لا تظل- من غير شك-مجهولة من قبل الروس وأنها سوف تثير في نفوسهم بعض المخاوف. إذن حق له أن يفتخر بالنجاح لان الدبلوماسي الروسي سابوروفSABOUROFيأتي في 29 شتنبر إلى برلين ويطلب مقابلة. قال في هذا الصدد:«أنني كنت اعلم جيدا أن الروسي قد يأتينا من جديد بمجرد ما نصير مرتبطين بالنمساوي». وبمجرد ما رأى بوادر نجاحه لم يعد يعلق أدنى أهمية على الاتصال ببريطانيا العظمى.
وستبتدئ عما قريب المحادثات الألمانية-الروسية. وأعرب بيسمارك عن استعداده-دون التخلي بطبيعة الحال عن الاتفاق النمساوي-الألماني- لإعادة إنشاء وفاق الأباطرة الثلاثة. وقبل القيصر بهذا الاحتمال لأنه كان يأمل عن طريق اشتراكه في الجهاز البيسماركي الجديد أن يضمن على الأقل حياد ألمانيا والنمسا-وهنغاريا في حالة حدوث نزاع انجليزي روسي. ولكن الذي عاق سير المفاوضة إنما هو موقف النمسا-وهنغاريا، فمنذ حصولها على التحالف مع ألمانيا وهي تتمنى لان لا يعاد إنشاء جهاز لم تكن لتقبله في البدء الأعلى مضض: فما هي الفائدة التي ستجنيها من وراء التحالف مع روسيا بل إن التحالف معها تحديد حرية عملها في البلقان ؟ ولكن عبثا ظل هيميرلي(HAYMERIE) الذي خلف اندراسي، يكثر من الاعتراضات ويماطل في المحادثات. وأدى الأمر في النهاية بيسمارك إلى وضع الحكومة النمساوية-الهنغارية في مأزق. قال بيسمارك:«إذا رفضت النمسا-وهنغاريا معاهدة مع روسيا فإنها ستفعل ويجب عليها أن تقبل كذلك بإخطار هذا العمل وشروره». كان التهديد بإفساد الحلف النمساوي-الألماني كافيا لحمل هيميرلي على الاستسلام.

أبرمت المعاهدة الجديدة للأباطرة الثلاثة في 18 يونيه 1881. فهل هي تحالف؟ كلا، أنها ليست سوى«وفاق. فلم تتعاهد الدول الثلاث على أي عون مسلح ولكن على«حياد نبيل» فقط في حالة«وجود إحدى الدول المتعاقدة في حرب مع دولة رابعة»أجل في حالة وقوع حرب فرنسية-ألمانية فان روسيا تتعهد بالبقاء على الحياد ولو كانت ألمانيا هي المبادرة بالهجوم. وكذا الشأن فيما يرجع لألمانيا والنمسا- وهنغاريا، غذ على هاتين الدولتين أن تظلا على الحياد في حالة حدوث حرب انجليزية-روسية ولو كانت روسيا هي المثيرة للحرب. إلا أن الشرط الأساسي لدوام هذا الوفاق هو بطبيعة الحال تفادي استيقاظ المصاعب بالبلقان. ولذلك التزمت الدول الثلاث«بأخذ مصالح كل واحدة منها في البلقان بعين الاعتبار»كما تعهدت كل واحدة بان لا تقبل-إلا عن طريق الاتفاق الجماعي-بأي تعديل ارضي قد يحدث على الخريطة القانونية للدولة العثمانية. وبواسطة برتوكول منفصل سمح للنمسا- وهنغاريا بإلحاق البوسنة والهرسك في اجل غير محدود، وكانت تملك منذ سنة 1878 حق الإدارة في هاتين المقاطعتين. وبالمقابل أصبح بوسع روسيا أن تضم الرومالي إلى بلغاريا. وأبرمت المعاهدة من اجل ثلاث سنوات، وكانت سرية.

والآن ما هي الفائدة التي جنتها من هذه المعاهدة كل دولة من الدول الثلاث؟ لقد حصلت ألمانيا على وعد بحياد روسيا في حالة حدوث حرب فرنسية- ألمانية وأخذت روسيا ضمانة من الإمبراطوريتين المركزيتين بعدم التدخل في نزاع انجليزي-روسي وتلكم ضمانات هامة بالنسبة لألمانيا وروسيا. أما النمسا-وهنغاريا، فعلى العكس لم تكسب ما يرضيها لان معاهدة الأباطرة الثلاثة، وان كانت لا تمس إطلاقا بالحفل الدفاعي المبرم سنة 1879، إلا أنها تلزم الحكومة النمساوية-الهنغارية باحترام مصالح الروس في البلقان وبالتالي تحدد المنافع التي توختها من الحلف. وهذا بالضبط ما أراده بيسمارك: فقد غدا في وسعه«أن يلجم»بواسطة معاهدة الأباطرة الثلاثة، السياسة البلقانية التي تنهجها حليفته النمسا-وهنغاريا، ثم يصبح بعدها حكما في الخلافات بين النمسا-وهنغاريا وروسيا ثم متحكما في الجارين«مشدودين برباط واحد».

ومع ذلك لم تقف السياسة الألمانية عند هذا النجاح، فقد أضافت إلى التحالف مع النمسا- وهنغاريا والى الوفاق مع روسيا حلفا مع ايطاليا(1882).

أما وان الحكومة الايطالية ترغب في الدخول إلى«الجهاز البيسماركي»فهذا ما يبعث على الاندهاش. كانت ايطاليا بلادا ضعيفة، وكانت بحاجة إلى التأكيدات الخارجية لتظهر بمظهر الدولة العظيمة. وقد فكرت حكومتها سنة 1873، في تقارب من ألمانيا. وما كان من خيبة الأمل التي منيت بها سنة 1881 في المسالة التونسية إلا أن قوت في نفسها هذه الرغبة. لكن، منذ إبرام التحالف مع النمسا-وهنغاريا، أصبحت الحكومة الايطالية، فيما لو أردت الحصول على اتفاق مع الإمبراطورية الألمانية، ملتزمة كذلك بالاتفاق مع النمسا-وهنغاريا التي ما فتئت تملك أراضي يتكلم سكانها اللغة الايطالية. فهل ينبغي التضحية بالعواطف أمام المصالح؟ كان الملك ووزراؤه مقتنعين بذلك، بل قد يجد التقارب مع النمسا-وهنغاريا أصداء حميدة في بعض الجهات فتتحسن بذلك الأحوال الداخلية للملكة:
نعم كان من شأن النزاع الذي ظل ناشئا بين الدولة الايطالية والكرسي المقدس أن يدفع بالبابا إلى مغادرة روما بدعوى أن حريته أصبحت مقيدة، وكان من شأن هذا الحادث أن يثير في الرأي العام الايطالي اهتزازة عنيفة.وبما أن الحبر الأعظم(البابا) لا يستطيع أن يقدم على اتخاذ خطوة من هذا القبيل إلا بعد أن يحصل بالطبع على موافقة الدولة العظيمة الوحيدة التي ظلت سلالتها كاثوليكية، أعني النمسا-وهنغاريا، فان التحالف معها أصبح بالنسبة للحكومة الايطالية بمثابة تدبير لتفادي حدوث هذا الاحتمال.
لكن أي فائدة كانت لدولتين المركزيتين في قبول تحالف مع ايطاليا؟ لم يكن في استطاعة النمسا-وهنغاريا نسيان حوادث 1866(10)، وكانت تشعر إزاء ايطاليا بحقد وكراهية،بيد أنها كانت تريد إخماد الدعاية الاسترجاعية حتى لا تواجه خصمين في حالة حدوث نزاع أوربي، وأعني بالخصمين روسيا وايطاليا.
أما الحكومة الألمانية فلم تكن تنظر لايطاليا إلا بعين الازدراء. وقد وصف بيسمارك الايطاليين سنة 1880 بقوله:«أنهم يشبهون الغربان الذين يتعيشون من الميتة ويقفون وراء ميادين الوغي علهم يعثرون على شيء يأكلونه». وكان يحترز أيضا من النظام السياسي للملكة-كان يعتقد أن النظام البرلماني ليس بقادر على سرية التفاوض. بيد أن ايطاليا في إمكانها أن تصبح حليفا مألبا على فرنسا، فإذا ما حدثت حرب فرنسية-ألمانية فان ألمانيا لا تستطيع أن تعتمد على عون مسلح من النمسا-وهنغاريا أو من روسيا، في حين أن التدخل الايطالي قد يجبر فرنسا على إقامة جبهة دفاعية في الألب الأمر الذي من شأنه أن يضعف المقاومة المسلحة الفرنسية على الحدود الألمانية. بيد أن بيسمارك كان يهدف إلى غاية مباشرة إلا وهي إراحة النمسا- وهنغاريا من الهموم التي تسببها لها الحركة الاسترجاعية الايطالية.
أن معاهدة 20 مايو لسنة 1882 هي التي أسست الحلف الثلاثي. لقد حددت هذه المعاهدة حالة العلاقات بين ايطاليا والدولتين المركزيتين بينما احتفظ بمعاهدة 1879 كأساس للعلاقات الألمانية- النمساوية. وقد ابرم هذا الحلف في الأساس من اجل خمس سنوات من تمديد إلى تمديد استمر إلى غاية شهر مايو لسنة 1915.
والبند الأهم في الحلف الثلاثي هو ما ورد في المادة الثانية. تقول هذه المادة:«لو هوجمت ايطاليا، لأي سبب كان، من قبل فرنسا، وإذا لم تكن ايطاليا المهاجمة(بفتح الجيم) هي التي أثارت الهجوم بكيفية مباشرة، فان الطرفين المتعاقدين الآخرين ملزمان بتقديم العون والمساعدة إلى الطرف المهجوم عليه. ونفس الالتزام يقع على كاهل ايطاليا في حالة حدوث عدوان على ألمانيا من قبل فرنسا بشرط أن لا تكون ألمانيا هي المثيرة للعدوان».
ولئن كانت الالتزامات التي أبرمت بين ايطاليا وألمانيا قد بينت على أساس من التماثل فالأمر على خلاف ذلك بالنسبة للتعهدات المبرمة بين النمسا- وهنغاريا وايطاليا:إذ بالرغم من أن الحكومة النمساوية-الهنغارية تعهدت بتقديم معونتها لايطاليا في حالة حدوث هجوم فرنسي عليها، فان الحكومة الايطالية لم تتعهد بشيء من هذا القبيل في حالة ما إذا هاجمت روسيا النمسا-وهنغاريا(11).
ففي هذا التاريخ اكتست معاهدة الحلف الثلاثي التي كانت نصوصها سرية صبغة حلف دفاعي صرف. فما هي الفوائد التي ضمنتها هذه المعاهدة لكل واحدة من الدول الثلاث؟ لقد حصلت ايطاليا على حماية ألمانيا والنمسا-وهنغاريا فيما لو حدث هجوم عليها من فرنسا، زد على ذلك أنها أصبحت مرتاحة البال من حكومة فيينا التي كانت تخشاها لتقديم سند للبابا«المسالة الرومانية». وبالمقابل أعطت ضمانة بتقديم العون المسلح إلى ألمانيا دون النمسا-وهنغاريا.
أما ايطاليا فبالرغم من أنها هي التي طلبت إبرام الحلف فقد حصلت منه على فوائد جمة. بيد أنها غدت ملزمة بالعدول عن الدعاية«الاستراجاعية» وبالتالي أصبح عليها أن تنفض يدها، ما دام الحلف ساري المفعول، من الايطاليين الذين ظلوا رعايا للنمسا- وهنغاريا. وحصلت ألمانيا على سند حليف في حالة حدوث حرب أثارتها فرنسا-وهذه الحالة لم تتعرض لها المعاهدة النمساوية-الألمانية لسنة 1879. يضاف إلى ذلك أن ألمانيا عززت حالة شريكتها النمسا-وهنغاريا: كان بيسامرك يعتقد:«أن ايطاليا والنمسا- وهنغاريا لا يمكنهما إلا أن يكونا حليفين أو متعاديين».
وأخيرا فان النمسا-وهنغاريا لم يعد لها ما تخشاه في حالة ما إذا دخلت في حرب مع روسيا اعني أن تأتي ايطاليا«وتطعنها من الخلف». فقد تعهدت ايطاليا صراحة طبقا للمادة الرابعة بان تبقى على الحياد في حالة كهذه.
وهنا أصبح بيسمارك راضيا فبعدها أصابه سنة 1879 ما أصابه من نوبات عصبية أضحى الآن أكثر هدوءا.قال بهذا الصدد:أن الآلة من كثرة ما أحكمت«أصبحت تسير من تلقاء نفسها». إلا أن الصعوبات سوف لا تلبث أن تعود إلى الظهور عما قريب.

 

(1) ولد اتوفون بيسمارك سنة 1815 ونشأ في وسط نبيل إذا كانت عائلته من طبقة نبيلة ولج أولا سلك الوظيفة ثم تخلى عنها ليعمل في ميدان الفلاحة. وبعدها انتخب عضوا في الجمعية التأسيسية سنة 1848 وظل يتقلب في وظائف سامية إلى أن حانت سنة 1862 سنة تكليفه من طرف العاهل غيلوم الأول برئاسة الوزارة، واهم شيء سجله له التاريخ هو تحقيقه للوحدة الألمانية  إلى جانب حذاقته في الحقل الديبلوماسي0المترجم).
(2) هم إمبراطورية ألمانيا، وقيصر روسيا، وإمبراطور النمس-وهنغاريا(المترجم).
(3) كتب النص الأصلي للاتفاق باللغة الفرنسية(المؤلف).
(4) هي المعاهدة التي وضعت حدا لحرب السبعين بين ألمانيا وفرنسا نابليون وكان من نتائجها فصل الالزاس والورين عن فرنسا وضمها إلى ألمانيا مع دفع غرامة الحرب على أقساط.(المترجم)
(5) جعل هذا القانون الخدمة العسكرية إجبارية وحددها بخمس سنوات(المترجم).
(6) الثأر لهزيمة حرب السبعين(المترجم).
(7) في مارس 1875 صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية على قانون إطارات الجيش، أي الزيادة في عدد الضباط وضباط الصف دون عدد الجنود. وقد أقدمت فرنسيا على هذه الخطوة لمعالجة أزمة الترقيات في الجيش، بينما اعتبرت ألمانيا ذلك دليلا على أن فرنسا تنوي القيام بالحرب، فصرحت للسفير الفرنسي أنها سوف لا تتورع عن القيام بحرب وقائية فتأزمت العلاقات بين البلدين وأخذت صبغة دولية وتوجه القيصر الروسي بنفسه إلى برلين للتحادث في هذا الموضوع وأعربت بريطانيا العظمى عن قلقها ثم قالت ألمانيا أنني لا انوي القيام بالحرب الوقائية،وعندما اطمأن بال الحكومة وهدأت العاصفة(المترجم).
(8) في قضايا تخطيط الحدود بين دول البلقان(المؤلف).
(9) الوزير الأول البريطاني آنذاك(المترجم)
(10) كانت ايطاليا قبل هذا التاريخ تابعة سياسيا للإمبراطورية النمساوية ولما انفصلت ايطاليا عنها ترك ذلك حزازة في نفوس المسؤولين النمساويين(المترجم).
(11) لقد نصت المادة الثالث، مع ذلك على انه يجب على ايطاليا ان تقدم عونا مسلحا للنمسا-وهنغاريا إذا هوجمت هذه من قبل روسيا وفرنسا. ولا يمكن تصور هذا التدخل إلا في حالة حدوث حرب تشترك فيها ألمانيا-وهذا ما يعود بنا إلى المادة الثانية(المؤلف).

                                  

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here