islamaumaroc

جائزة نوبل... والقنبلة الذرية

  دعوة الحق

64 العدد

جائزة نوبل تزور اليونان

مرة كل عام تتطلع الأنظار إلى ستوكهلم لتعلم من هو الأديب الذي سيحظى بجائزة نوبل ذات المقياس العالمي..ومعظم الذين أحرزوا عليها يمثلون مستوى إبداعيا إنسانيا، ويتوفرون على قدرة الخروج بنتاجهم من النطاق الإقليمي إلى الصعيد الشمولي، في إطار مستوحى من الإيمان بالإنسان وبقيم السلام والتضامن.إلا أن اختيارات المجمع السويدي كثيرا ما تعرضت للانتقادات، ووصفت بالتحيز وإدخال بعض الاعتبارات السياسية. ولعل نفس الانتقادات توجه من جديد إلى المجمع السويدي لأنه حرم جان بول ساتر من الجائزة وأعطاها لشاعر يوناني هو «جورج سيفرس»Georges Seferis.وقد لا يتسع هنا المجال لمناقشة المقاييس التي يعتمد عليها في إعطاء الجائزة، ولكننا نرى أن سارتر كان أحق بها من الشاعر اليوناني لعدة اعتبارات فكرية وأدبية ونضالية..فسارتر يعتبر صاحب مذهب فلسفي مستمد من ملابسات وظروف المجتمع الحديث، ويعتبر رائدا لجيله في اختيار طريق المسؤولية الملتزمة إزاء المشاكل التي تعترض الإنسان المضطهد أينما كان..وظل دائما شجاعا في فضح أخطار الاستعمار، وفي التنديد بالمؤامرات التي تحاك لخنق حرية الفكر، وتعرقل الترقية البشرية..وليس معنى هذا أن قيمة نتاج سارتر تكمن فقط في منظومته الإيديولوجية، بل إن مسرحياته ورواياته انتزعت الإعجاب بدقتها الفنية، ورحابة مضمونها...
على كل، فان الجوائز لم تكن قط شهادة قاطعة على أصالة الفنان وقدرته في الخلق والإبداع.فلنحاول أن نتعرف على بعض ملامح جورج سيفرس، محظوظ هذه السنة...(1)
ولد سنة 1900وتعلم بأثينا ثم سافر إلى باريس حيث درس الحقوق التي خولته الالتحاق بالسلك الدبلوماسي منذ سنة 1226. وخلال الحرب العالمية الثانية ساند الحكومة اليونانية التي كانت مستقرة بالشرق الأوسط، وبعد التحرير عين مستشارا بسفارة أنقرة، ثم بلندن. وفي سنة 1952 أصبح سفيرا بلبنان فانجلترا..
أن هذه الحياة المتنقلة بين العواصم، أكسبت«جورج سيفرس» شعورا بالنفي والاجتثاث         
Déracinementوجعلته يرتفع إلى أفق شمولي يطل منه على عوالم المصائر المتداعية، والحيوات الاسيانة المتوحدة..يقول في إحدى قصائده:
هذا الرجل يسير وهو يبكي
لا احد يعرف لماذا.
بعضهم يظن انه يبكي على حب ضائع
يشبه الصبوات التي كثيرا ما تلاحقنا
في الصيف ونحن بجانب البحر نستمع إلى الحاكي وآخرون يفكرون في أعمالهم اليومية
أوراق تنتظر النهاية..وأطفال يكبرون
ونساء يشخن بصعوبة
أما هو فيملك عينين تشبهان الخشخاش
 خشخاشا قطف في الربيع...
ومن جانبيهما يسيل نبعان صغيران
انه يهيم في الدروب..ولا ينام أبدا
ويذرع مربعات صغيرة على ظهر الأرض
آلة تعيش ألما بدون حد
سرعان ما يغدو ألما بدون أهمية...
وبعضهم سمعوه يتكلم
وحيدا، وهو يستعرض
مرايا مهمشة منذ سنين
ووجوها تكسرت في قعر المرايا
ولا احد يقدر على ترميمها...

ظل الشعر اليوناني يعيش خلال الخمسين سنة الأخيرة باحثا عن طريقه سواء فيما يتصل بالتراث الذي يستمد منه غذاءه، أو فيما يرجع إلى اللغة التي يتوسل بها التعبير..ذلك أن اليونان من الأقطار التي تمتلك لغتين:لغة شعبية، وأخرى «صافية»وعندما اصدر جورج سيفرس ديوانه الأول سنة 1931 لقي ردود فعل حارة..وكلها أجمعت على أن سيفرس يعزف نغمة جديدة في محراب الشعر..نغمة متدثرة بلغة شفافة، سهلة ومقبولة، وقد كتب يقول في هذا الصدد:
«على عكس بقية الشعراء الذين عودونا لغة متحذلقة، صعبة، منحوتة من ألفاظ غريبة تثير الانتباه، وتقطع الجريان الطبيعي للغة،فان جورج سيفرس قد فاجأنا باكتشاف شاعر يعبر-لأول مرة- بلغة لا تخلف كثيرا عن اللغة التي نتحدث بها كل يوم».
عنصر آخر يميز شعر سيفرس، هو قدرته على مزج المشاكل الحاضرة بظلال تراث الماضي من تاريخ وأساطير، وشخصيات خرافية..كلها تنتصب حية متدفقة لتنتقل إلينا شاعرية اليونان الخالدة.

وهو في هذا المنحى يلتقي مع أساطين الشعر الإنساني المعاصر الذين يلفون تجاربهم الآنية بمستوحيات أسطورية..
أمثال: اليوت، وجون بيرس، وابولينير.
أن تطواف«سيفرس»في أرجاء العالم، واتصاله الوثيق بالتراث

 الفكري الإنساني وارتفاعه إلى قمة التعبير الشعبي العميق، هي التي جعلته منه«ش
 
والغربة.. وجرى دوما وراء الأضواء المتلاشية محاولا إمساكها.. ولكنه كان يعود كل مرة- مثل«أليس»-من رحلته ليحكي بصوت هادئ عن فزعه« من رؤية رفقائه وقد حاصرتهم الأمواج، وهم يتناثرون واحدا واحدا..»

القنبلة الذرية ومستقبل الإنسان

محموما، انطلق الإنسان الحديث يصارع المجهول والمعرفة التقريبية، ليخضع الكون إلى سيطرته، ويثبت إرادته قوة نافذة المفعول..وتوالت الاكتشافات تحمل في طياتها تغييرات بعيدة الغور في الظروف المعيشية. وكانت الطاقة الذرية ضمن هذه الاكتشافات..إلا أنها سخرت للدمار فأصبحت سلاحا فتاكا يهدد الكيان الحضاري باجمعه. ولعل المفكرين الذين سجلوا التفاوت الشاسع بين التطور المادي والتخلف العقلي كانوا محقين إلى ابعد حد.. تشهد على ذلك مأساة هيروشيما، وهذا الخوف المستمر المصلت فوق رؤوسنا من أن ينفتح القمقم، أو من أن يدق الجرس الأحمر أو الأبيض في موسكو وواشنطن.
ووعي هذا العنصر الأساسي في مأساة البشرية، اوجد ردود فعل كثيرة عبرت عنها منظمات السلام، وأقلام المفكرين، والفلاسفة، والشعراء..وكانت صيحة اينشتاين ناقوسا قويا ما تزال أصداؤه في كل إذن، إذ قال:
«إنني لا اعرف الأسلحة التي ستستعمل في الحرب القادمة..ولكنني اعرف جيدا الأسلحة التي ستستعمل فيما بعد تلك الحرب: إنها الأقواس والنبال».
ومن أثار هذا الوعي، وجد فيلسوف مثل برتراند راسل ينذر حياته وكفاحه للتنديد بالحرب وتركيز رسالة السلام..وكذلك الفيلسوف الألماني«كارل ياسبير»الذي اصدر أخيرا كتابا بعنوان«القنبلة الذرية ومستقبل الإنسان»، ولأهمية آراء الكتاب، وخطورة الموضع، سأحاول أن أورد مقتطفات من مقدمته الرائعة:
«ان القنبلة الذرية قد أوجدت وضعا جديدا كلية. فأما أن تختفي البشرية جمعاء، وأما أن يتحول الإنسان في وضعه السياسي والأخلاقي، أن هذا البديل-الذي يبدو بعيدا عن الواقعية- هو ما يعمل كتابي على توضيح معالمه.

«..لم يكن الجنرالات أو رجال سياسة هم الذين سارعوا في صراحة الى رفض الوضع الجديد للأحداث، بل الذين فعلوا ذلك هو العلماء والتقنيون، فعن طريقهم أصبح متيسرا لكل واحد اليوم معرفة ما يهيأ.أنهم لم يشاركوا في عملية تغطية الحقائق..وكانوا بدورهم خائفين إلى ابعد حد. وقد أفضى بهم تكوينهم العقلي البسيط المستقيم الذي لم يرتبط أثناء البحث بمسلمات مطلقة، إلى نتائج عجيبة، وجعلهم يستشعرون مسؤولية تحتم اطلاع العالم على ما وصلوا إليه. أننا مدينون لهم، هؤلاء العلماء الذين استهدفوا الخير، بعد أن تملكهم الرعب أمام نتائج علمهم، تنصت إليهم الإنسانية باعتبارهم حكما على الحقيقة.
«..وفي الرسالة التي وجهها اينشتاين سنة 1950 إلى العلماء الايطاليين بين لهم أن تحطيم الحياة فوق الأرض أمر ممكن تثنيا، ثم أشار إلى الإمكانية الوحيدة للخلاص:«أن الطاقة الجبارة للذرة قد غيرت كل شيء باستثناء طريقتنا في التفكير..نحن محتاجون إلى طريقة تفكيرية جديدة في جوهرها إذا كنا نريد للإنسانية أن تستمر في الحياة...يجب أن يغير الناس علاقاتهم فيما بينهم تغييرا جذريا، وان يعدلوا عن المفهوم الذي كونوه عن المستقبل».
ولكن أين يكمن هذا التحول؟
يجيب اينشتاين:«يتحتم ألا تظل القوة وسيلة سياسية»أي انه يجب حذف الحرب.
«...وبدون رجوع إلى هذا التفكير، فلا يوجد أفق آخر سوى النهاية. وطريق العقل هذا الذي عثر عليه الإنسان منذ البدء وافلت عدة مرات، يجب الآن أن يتذكره ليحتضنه كاملا. إذ ليس هناك من مخرج أمامه غير الاعتماد على أصله المتعالي الذي يرتبط به خلاصه كانسان، ويرتبط به أيضا إنقاذ الحياة المادية للبشرية.
«أننا لن نوفق إلى إبعاد خطر الفناء عن طريق اتخاذ إجراءات تتعلق فقط بالقنبلة الذرية أو بمنع الحروب الممكنة..لان المطلوب هو حماية مجموع الحياة البشرية التي تنبع منها الأعمال، والمشاريع والخطط والاتفاقات والتعاليم ذات الصبغة الخاصة..
أن النجاح لن يتحقق إلا إذا التزمت سياسة جميع الدول بنهج اتجاه آخر. وهذا لن يكون ممكنا إلا بتحويل مفاهيم الأخلاق وروح التضحية تحت ضوء العقل».
حقا لقد أقام كارل ياسبير بكتابه هذا الدليل الملموس على مفهومه لرسالة الفلسفة..ذلك المفهوم الذي يدعو إلى أن تخرج الفلسفة من برجها العاجي، وان تتعدى نطاق الارستقراطية المنعزلة، لتصبح أداة فعالة للحوار والتواصل.

 

(1) اعتمدنا في هذا الموضوع على ما نشرته جريدة لومند والاكسبريس.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here