islamaumaroc

المرأة الجديدة وعقيدتنا

  دعوة الحق

64 العدد

إن أية عقيدة لا يمكن أن تضمن لنفسها النجاح إذا هي أهملت نشاط المرأة، لان المرأة عنصر أساسي وفعال في كل دعوة وفكرة، فهي عندما تؤمن بعقيدة أو فكرة، تخلص لها إخلاصا صوفيا، ومجردا عن النظرة الانتفاعية، وتبذل في سبيلها كل طاقاتها وممتلكاتها، وتتحمس لها تحمسا عظيما، والمرأة أيضا هي المسؤولة عن الأجيال، فهي التي تحمل، وترضع وتربي، وتمرض، وتواسي، وفي كل تلك الأطوار والأحوال تبث عقيدتها وأفكارها في أولادها من خلال البسمات، والدموع، فهي خير داعية للفكرة ومبشر بها.
وقد كانت المرأة أول من آمن بعقيدة الإسلام، وكان لإيمانها وثباتها، وتشجيعها ونفوذها ومالها خير معوان لرسول الله (ص) في دعوته، وحكمة أراد الله أن تكون المرأة أول المؤمنين بهذه الفكرة التي غيرت تاريخ الحضارة الإنسانية وفي القرآن تصريح بمسؤولية المرأة عن«الفكرة»:

(المومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله) فكل فرد مسلم رجلا كان أو امرأة أمين على فكرة الإسلام ومدعو لنشرها، وقد بايعت النساء رسول الله على مبادئ الإسلام واحدا واحدا، ولم يكتف رسول الله بمبايعة الرجال وجعلهم نوابا عن النساء، إذ أن النيابة هنا لا تصح، لان الأمر يتعلق بالإيمان وبالضمير، وقد أعطين المواثيق على خدمة «الفكرة»وبالفعل أدت المرأة المسلمة، خدمات عظمى في بث العقيدة ونشرها وثباتها، والمرأة المسلمة مواقف مشرفة لا تقل عن مواقف الرجل.

ولكن عندما انحط المجتمع كانت حتمية الظواهر الاجتماعية والتاريخية أن تنال المرأة نصيبها من هذا التدهور الذي أصاب العالم الإسلامي، فالمجتمع كل لا يتجزأ، وسنة التاريخ أن الانحطاط عندما يحل، يطارد الحضارة، ويشمل المجتمع كله، وفي جميع مرافقه، وقد أحيطت المرأة في هذا العهد بسياج من الاحتياطات، فأصبحت داخل«البيت» بالمعنى الضيق، وهناك زاولت رسالتها، وان كان المجتمع غير قادر على تزويدها بما يلزمها للقيام بالرسالة التمدينية، وان المرأة- في نظري- ليست مسؤولة في الماضي مسؤولية الرجل عما أصاب المسلمين من التدهور، لان الرجل تحمل المسؤولية كاملة في عصور التخلف.

واليوم وقد أرغمتنا الحياة الجديدة على التعايش مع عالم جديد، متجاوز اشد ما يكون التجاور، عالم أعطى«الفكرة»مكانها الأول في قيادة الإنسانية- في هذا اليوم ينبغي ألا نهمل المرأة فيما نريده من نهضة، ولا اعني بالإهمال تركها جاهلة فقط، بل عدم تثقيفها على أساس«الفكرة»، فنحن لا ننكر أن المرأة صادفت عناية من جانب«الرجل العصري»عندنا في بداية ما نسميه نهضة، وقد استطاع هذا الرجل أن يحمل المرأة العصرية على تمزيق الحجاب، وغداة استقلالنا قامت مظاهرة في إحدى المدن للإعلان عن خرق الحجاب وإعلان السفور، كما عقدت ندوات ومحاضرات لمناقشة موضوع الحجاب والسفور، ولعل معارك دونكخوطية مرت حامية الوطيس حول هذا الموضوع التافه، وانتهى الأمر عند هذا الحد، ولكن تلك العناية كانت سطحية ومؤسفة، كانت سطحية لأنها كانت تتناول مشاكل تافهة لا تمس جوهر مشكلة المرأة، وكانت مؤسفة لأنها ضللت المرأة ولقنتها عن النهضة معاني تتعلق بقشور وشكليات، وفي الواقع أن نصيب كثير من«الرجال العصرين»لم يكن ليختلف عن نصيب«المرأة»لان«الفرد»عندنا لم يفكر له، لحد الآن في محاولة توجيهه في إطار ثقافي ايديولوجي، وتحديد رسالته، وتربيته على تلك الرسالة وإنما ترك الأمر للطبيعة والزمن وهما الكفيلان- في رأي بعض مفكرينا- بحل المشكلة، ولكن لو كان للزمن هذه العصا السحرية وهذه القدرة الجبارة لأقامت له الأمم الحية، التي تعتمد على نفسها، وتماثيل من ذهب..
ومهما يكن من شيء فإننا نعيش واقعا يجب أن نعترف به وهو أن المرأة عنصر مهمل لم يخطط له، ونصيب تلك التي تحت إبطها حقيبة المدرسة لا يختلف- في رأيي- عن تلك التي حرمتها، لان هذه وتلك يتفقان- رغم اختلافهما بالنسبة للامية-* في اللاثقافة، ذلك أن الثقافة أوسع من المعرفة، وهي عندما تشيع في امة لا تكون وقفا على فرد دون آخر، فهي تتصل بالأخلاق، والذوق، والتقنية والمنطق العلمي، وتلك أمور لا تضمنها الشهادات المدرسية.

وان الفتاة المتعلمة فقدت ذلك النوع من التوازن الذي يوجد لدى الأمية، عندما تحررت من التقاليد وانطلقت تزاحم الرجل معلنة شخصيتها بمظاهر مختلفة، غير أنها لم تستطع أن تحظى بتوازن ايجابي، بل ظلت حائرة مضطربة، وعند ما عجزت عن الاستقرار الثقافي، حاولت أن تتناسى- كالرجل- الشعور بضرورة إيجاد توازن خلاق، وبدافع النزعة إلى السهولة التي تتمثل في الشعوب«اللاثقافية»أو التي تعاني ما يسميه استادنا الفيلسوف مالك بن نبي مرض القابلية للاستعمار- بذلك الدافع فضلت المرأة- كالرجل عندنا- الاستمرار في هذا الغموض الذي تسميه نهضة، وقد نشأ هذا الموقف المضطرب نتيجة تحريفنا لمعنى الثقافة« والحقيقة أننا منذ خمسين سنة نعرف مرضا واحدا يمكن علاجه هو الجهل والأمية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضا جديدا مستعصيا هو التعالم وان شئت فقل الحرفية في التعلم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته»(1) وهكذا أصبحن  نعاني مشكلة حامل المرقعات البالية وحامل اللافتات العلمية، وإذا كان من الممكن علاج الفقر فان من الصعوبة علاج الجهل المركب.

ولا لوم عندي على المرأة في فهمها أن تقليد الغربيات في الأشكال الخارجية من حياتهن هو الحضارة لان المحيط الخاص الذي كان بيده توجيهها كان حرفيا في الثقافة.

وبينما كان قادة الأمم المتحضرة حديثا- كالصين واليابان- يقومون بتجربة ثقافية حضارية تبعث على الإعجاب كنا نحن نعتمد على العموميات والثرثرة والبيان وتشجيع النزعة إلى السهولة وفي لحظة وجيزة كانت تتم عملية« تعميد»الأفراد لكي ينتقلوا من التأخر إلى الحضارة وهكذا صرنا نكون أو«نفبرك» المتحضرين على الطريقة الشائعة بالتكوين السريع الذي هو في الواقع التهديم السريع والعرقلة للنمو والتطور نحو الغاية المنشودة.
ولكي تتم عملية تربية الفرد ثقافيا، بالمعنى السابق، يجب أن تزود المرأة بالفكرة الإسلامية البناءة لان في إهمال صياغة المرأة ايديولجيا تعريض الأجيال المقبلة للخطر، لأننا نعتقد أن البيت هو المدرسة الأولى والأساسية لتكوين المواطن الصالح، الذي ينبغي أن لا نعتمد على الصدف لتكوينه، لان المرأة هي القادرة وحدها على هذا التكوين، وكل محاولة تجهل هذه الحقيقية البديهية أو تتجاهلها فهي فاشلة البداية والمصير.

ويجب أن يتم التكوين الثقافي للمرأة على أساس الفكرة الإسلامية، تلك الفكرة التي ستجد فيها«امرأتنا الجديدة» من الحقوق والمكاسب، والاستقرار النفسي والاجتماعي ما لا تظفر به في أي فكرة أخرى.

وان الأمل وطيد في«المرأة الجديدة» إذا هي انطلقت على هدى من الفكرة الإسلامية، لأنها أخذت نصيبا من التعلم، وتستطيع أن تقوم بدور عظيم في بناء الحضارة الإسلامية التي هي المخلص الوحيد لمشاكلنا التي نعانيها.
وإذا كان الرجال المسؤولون أيضا عن الفكرة الإسلامية قد قصروا كثيرا في خدمة الفكرة في حياتنا الجديدة فان ذلك لن يكون مدعاة للمرأة كي تسلك سبيل اللامسؤولية، بل ينبغي أن تدرك، بوعي، دورها في نشر الوعي الإسلامي وصياغة الأجيال على أساس ذلك الوعي.

وأظن أن لنا نخبة متعلمة تستطيع أن تقود نفسها بنفسها، وان تضطلع بمهمة تفهم الرسالة الإسلامية، وتجديد الميثاق والمبايعة للفكرة الإسلامية والانطلاق بمشعل الحضارة الإسلامية لإنارة طريق أجيالنا.

وقد آن للمرأة أن تبرز شخصيتها الإسلامية بعد ما أصبحت هذه الشخصية مهددة بتيار«التغريب» الذي يدفع بالمرأة دفعا نحو مشاكل معقدة اخطر بكثير من تلك التي كانت تعانيها أمها وجدتها، وبالفعل فان بعض اللواتي«تغربن» أصبحن يعرفن ويعانين هذه المشاكل، وبذلك ينبغي على المسؤولة عن أجيالنا أن تتراجع عن هذا الاستسلام لبعض مظاهر الحضارة الغربية التي تسوقنا جميعا، سوقا نحو مصير لا اختيار لنا فيه.

ولن تكون المرأة عندنا بأقل وعيا من بعض الأوربيات اللواتي أدركن خطورة الهوة السحيقة التي تدفع إليها سيآت الحضارة الجديدة فقمن بعملية إنقاذ عن طريق تكوين جمعيات ثقافية وأخلاقية، وقد زرت بعض تلك الجمعيات ووقفت على أهمية العمل الخلاق الذي يتمثل في هذا الاتجاه.

إن الظروف الاجتماعية والأخلاقية التي نحياها، ونلمس جميعا خطورتها تتطلب، بالنجاح، تدخل الأم» لإنقاذ الأمة من الداخل، من بيت، وان ما تقدمه عاطفة المرأة المؤمنة، وحنانها، ورقتها، وإخلاصها ودموعها، وصفيتها، من خدمة للمجتمع ليفوق بكثير خدمات المفكرين والفلاسفة.

ولسنا من القائلين:

كتب القتل والقتل علينا     وعلى الغانيات جل الذيول

وإنما نقول ما قاله خالق المرأة ومكرمها: الله تعالى:«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله».

فهل ستلعب«المرأة الجديدة» دورها التاريخي الطبيعي في بناء الحضارة الإسلامية في هذا العالم المتعطش للاستقرار والسلام؟.

 

 

(1) من كلام مالك بن نبي في كتابه، شروط النهضة ومشكلات الحضارة.
 

 


 


 


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here