islamaumaroc

قبس فولتير من القرآن: "زاديك" وسورة الكهف

  دعوة الحق

64 العدد

ما كنت احسبني افرغ من العجب العجاب، كلما مر بخاطري الكلام على قصة(زاديك) التي كتبها فولتير سنة 1748، وقد اختلب بها دنيا القصص الغربي حين طبعها بمياسم المشرق، وخلع عليها تحاسين الآفاق القديمة التي جللت عصور بلادنا فيما أنسرح من الدهر.

لكأني أرى الساعة من خلال تلك الرواية الفولتيرية الوزير«زاديك» وقد هام على وجهه تحت كل نجم، خارجا من نينوا وبابل، بعد أن اتهم بعشق الملكة، وكان برئ الفؤاد من سوء القصد، ومغسول النفس من الغش والكذب. لكن الوشاة هو الذين عكروا على عمره الصفو، واجلوه عن بلده الطيب، وفرقوا شمله وكان جميعا بأهله وعمله العظيم.
ولقد نجمت في حياته كوارث وأهوال شداد، كان لا يكاد يثبت لأحدها الجبل، لكن عقله الرشيد وقبله الطاهر، وثباته على قوارع الحدثان، مكنه من الفوز في مغامراته التي تضؤل دونها التهاويل، وتصغر الصروف، مهما تكن عسيرة وحادة، وذات مراس.

وقد قلب«فولتير» نظره في خوارق العالم، فالبس«زاديك» أثقلها وأعظمها. وجعله يفوز بالنجاة منها، مقرون السعد بالنجح والإقبال.

كان إذا خرج من مأزق تلقفته فتنة. رأى رجلا يهم بذبح المرأة وهي تستغيث، ولما اقبل عليهما استنجدت به معولة، فخف إليها، وإذا الجاني ينهض عنها ليغرز خنجره في صدره فيدفع الحكيم الصابر الجاني، والجاني يتواقع بالفتك عليه، حتى يقتله زاديك ناجيا بنفسه وقد خلص المراة المستغيثة، التي هبت تتشبث به صارخة مولولة:
-قتل عاشقي، امسكوا به فاقتلوه.
فيفر وقد ضمته الفلوات وملت منه الدروب، حتى يحل بلد الثري« أوغل» ذلك السمين الحبين البطن، الذي كان يقتله كل يوم شحمه ولحمه، إلا الدماء تصاعد في لهيث أنفاسه، وقد وصف له احد المشعودين« الحرذون الطائر» لشفائه، فساق سكان البلد بماله للبحث عن الحرذون، في كل سهل وحزن، وكل بقعة ودارة، وحين جاز بهم«زاديك» وجدهم ركوعا يبحثون في الثرى، فسألهم خبرهم فقالوا:
-نريد الحرذون الطائر، لشفاء حاكمنا..
وكان هذا الحيوان خرافيا أسطوريا، فأدرك فيلسوف المغامرات ما يخلص الناس في تلك المدينة، فانحنى يبحث معهم، وبغتة صرخ:
-وجدته، وجدته!.
وجعل يطلب أن يحضروا له كيسا من جلد، وقد خبا ما وجده بين يديهن وحين وضعه في الكيس احكم سده، وطار الخبر في الأرض، حتى مثل بين يدي الرجل الضخم المنفوخ، فقال له:
-سيدي، وجدت شفاءك، عليك أن تمخض هذا الكيس ثلاث مرات كل يوم وكل مرة ساعتين، حتى يطير الحيوان من جوف الكيس وهو مغلق.

وكانت الحقيقة أن زاديك التقط حجرا كلسيا من الأرض، ووضعه في كيس الجلد، فاخذ ذلك السمين الكبير يمخض الحجر كل يوم، فيتعرق ويتفصد ماء جسمه فيذوب لحمه وشحمه، على مسيرة الأيام والشهور، حتى ذاب الحجر من احتكاكه بالجلد، وأصبح وقد طار من الكيس، وطار معه كرش صاحبه وعاد إلى خفة جسمه، ورهافة لحمه.
في هذه القصة الكبيرة التي تعددت مشاهدها، يعرض علينا فولتير عجيبة من ضرب آخر، وتلك امرأة شاهدها زاديك جالسة عند قبر جديد، وبيدها مروحة، فهي تكب بهوائها على القبر، فسألها السائح المشرد:
-ماذا تصنعين ؟
-أجفف تراب القبر.
- وفيم تصنعين؟
-لقد شرط علي زوجي صاحبه أن لا أتزوج من بعده أحدا حتى يجف تراب قبره!..
أما العجيبة الكبرى التي أردتها لهذا المقال، فهي التقاء زاديك بناسك متبتل يعرض عليه صحبته فيشترط الناسك عليه أن لا يسأله عن أمر تفسيرا مهما يشاهد منه من الغرائب، فيحلف زاديك يمين الصمت بحق«اورزماد»
كان الناسك ذا لحية تصل إلى زناره، وبيده« كتاب القضاء» يديم النظر إليه، فسار معا حتى أدركهما الجوع، فطرقا قصر رجل من الأثرياء، ففتح لهما الخدم
 الباب على مصراعيه وادخلوهما بترحاب كبير، وأطعمهما صاحب القصر ما يشتهيان، ثم وقف الخدام يصبون على أيديهما الماء، في طست من الذهب مرصع بالأحجار السابية.
وبعد انصرافهما تبين لزاديك أن الناسك سرق الطست، وها هو ذا يظهر طرفه في جيبه الوسيع، فلم يجرؤ سؤاله لكنه حار في أمره.

وفي مساء اليوم الثاني، أجهدهما الجوع، فطرقا باب تاجر كز بخيل، فطردهما خادمه، وبعد لأي ادخلهما إلى الاصطبل، وقدم إليهما زيتونا فاسدا وخبزا جافا عفينا، ولما انصرفا، دفع الناسك للرجل البخيل المقيت ذلك الطست الذهبي كفاء ضيافته الخبيثة، فطار عقل زاديك ولم يستطع كلاما بعد قسمه.

ثم بلغا دارا حسنة السمت، وقد انس بهما صاحبها أيما انس مع التكريم، ولما أرادا الخروج منها صب الناسك على أثاثها النفط وأشعلها، وانطلق بصاحبه فثار زاديك وصرخ به:
- أيها المرهق الجاحد، بل أيها الظالم النكد!. ثم أطبق فمه منطويا على صبره.
- وباتا عند امرأة أيم تعيش مع ابن أخيها الشاب، فلم يكن من الناسك إلا أن رمى ذلك الفتى في النهر، بعد أن سحبه من شعره وتركه يغوص.
- فصرخ زاديك برفيقه الجبار:
- - يا لك وحشا، ويا لك مجرما ذميما.
- فقال له الناسك:
- -أفما وعدتني الصمت والصبر، فاعلم أن تحت الدار التي أشعلتها كنزا عظيما ظفر به صاحبها، وان القردة الإلهية ألهمتني إغراق الفتى لأنه لو عاش لقتل عمته، بعد عام، شر قتلة.
- فصاح به زاديك:
- -أيها الهمجي المتوحش...
- وفيما كان يصرخ به تناثرت لحيته، وذابت واستحال رداؤه السابغ إلى أجنحة أربعة، فطار بها وأخذ يعلو في الجو. وكان زاديك ينظر إليهن فاغرا فاه من الدهش، وصوت الملاك يترامى إليه، ناغما حنونا، يقول له:
- -امض في طريقكن نحو بابل.
كذلك أخذني العجب العجاب، إذ اكتشفت اقتباس فولتير من القرآن، ومن سورة الكهف، أروع فصل في قصته«زاديك» حين التقى موسى بالخضر بعد أن جاع وفتاه، وقد اتخذا سبيلهما في البحر سرب(فوجدا عبدا من عبادنا أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما، قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني ممالا علمت رشدان قال انك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، قال ستجدني أن شاء الله صابرا ولا اعصي لك امرا. قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذكرا)...
(انطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس. لقد جئت شيئا نكرا)..
(قال الم اقل لك انك لن تستطيع معي صبرا)..

فانطلقا حتى أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال لو شئت لتخذت عليه أجرا)(قال هذا فرقا بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا)(أما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة واقرب رحما)
(وأما الجدار فكان لغلامين يتيمن في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن بلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا)
ولست اشك أن فولتير حصل على ترجمة للقرآن الكريم في عصره، إذ كان القساوس اللاتين قد قاموا بترجمته في أواسط ارويا وايطاليا، فوجد فولتير هذه الرائعة الشرقية، زينة للفصل العاشر من قصته الغربية.

وكذلك كانت آثارنا الإسلامية والعربية بمنالة التفتح الغربي، كما اقتبس دانتي الليغري شاعر الطليان القوميديا الالهية من رسالة الغفران لأبي العلاء المعري.
ولقد كنت اذكر هذا، وأديره في خاطري، وانا أجوز بلاد الطليان عام 1961، وبخاصة في فلورنسا، حين كانت صور الأملاك كمنشورة الأجنحة تزين جدران المتاحف، بصناعة المبدع العظيم ميخائيل آنجيلو، بمنقاشه الساحر، وريشته الرائعة.
وحين كنت بباريس ذلك العام، وزرت جامعة السور بون، ووقفت في باحة من باحاتها انظر بشوق وأتفرس في وجه فولتير بتمثاله الجاثم هناك سجين
الأيام والليالي، السادر بابتسامته الهازلة التي يمر الزمان حولها، وهي لا تتبدل بافترارها، فذكرت أمامه، كيف تناول أجمل سانحة من سوانح القصص في سورة الكهف من القرآن الكريم، ووضعها في قصته«زاديك».

وكنت انتوي كتابة هذا الفصل، منذ ذلك اليوم لأقول لفولتير:
-ويحك أيها الحكيم الكاتب، لقد قبست من القرآن أجمل قصة عند أروع بيان.
سأذكر«زاديك» وأنا أفكر في الحياة والحب، والأسفار والأشعار، وفي أخلاق المرأة أيضا، وأعجب لدولاب الحظوظ كيف يدور في نصيب الإنسان، مثلما دار في حظ زاديك، فقلبه بين الشقاء والهناءة، وارى إلى صراع القلب مع العقل، فأجد هذا الواعي الحصيف الذي استقر على رؤسنا كيف يفكر ويبحث ويتأمل ثم اهبط إلى قفص الصدر، فأحس بخفقات الفؤاد. وهو يبت الحب والبغضاء، والشجاعة والخوف، وتنتابني الذكريات، ثم أحبو نحو الشطآن العربية البعيدة من دارات عبد شمس في المغرب وأنا اردد فيها أبياتا بالشوق إليها:

         غن شعري على شطوط المغارب     ففؤادي فيها لدى ألف صاحب

وكذلك أجدني متحدثا عن فولتير وقصته الخالبة من اجل مجلة(دعوة الحق) المراكشية، وكان فولتير لبقا في أدبه، ورائعا في فنه، وكان منسرحا في خياله ومقاله.

 

 

 

 


 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here