islamaumaroc

العربية الخالدة

  دعوة الحق

64 العدد


يستطيع الباحث في أحوال اللغة العربية وتطوراتها في ماضيها وحاضرها حين يلاحظ صمودها أمام عاديات الزمن أن يؤمن بخلود هذه اللغة في مغربنا الحبيب حاضرا ومستقبلا.
ومن حق كل متتبع لهذه الظاهرة- حين يلمسها- أن يتساءل عن سر هذا الخلود.
والحقيقة انه ليس هنالك سر واحد لهذا الخلود وإنما هي أسرار مختلفة متماسكة متتابعة تتنوع مع العصور وفي كل قطر حسب أشكال التطور الكثيرة التي مرت بها الأقوام المؤمنة بالعربية نطقا وكتابة وإنتاجا.

والذين كتبوا في(الإعجاز) قديما وتحدثوا عن (أسراره) إنما كانوا بعملهم ذلك يجيبون عن مثل هذا السؤال الذي تثيره ظاهرة_خلود) العربية في هذا الزمان، فلقد كانت كتاباتهم وتآليفهم في عداد المصنفات الشيقة، التي يمكن أن تصلح جوابا لمثل هذا السؤال، ولكن الذي يؤسف له أن هذه التآليف أصبحت اليوم مقصورة على طائفة المتخصصين في علوم العربية وبلاغتهم وآدابها، ثم تلا ذلك ضعف عام في المستوى العربي لإنساننا المغربي صارت معه هذه التآليف غربية صعبة، ويكاد يكون من المستحيل تناولها بالنظر والبحث والمحاكمة.

وعلى ذلك تغيرت(مقاييس) البلاغة في بلادنا، وتبدلت تلك(الأسرار)، وغدا سر خلود العربية اليوم يماشي الظرف والزمان والمكان، فلئن كان خلود العربية في البلاد الأخرى يرجع أحيانا إلى صمود أهل تلك البلاد أمام(اللغات الغازية)، وتارة إلى تشجيع الأجانب الحاكمين تحببا إلى أهل البلاد وتقربا وتارة أخرى إلى عوامل كثيرة ليس بنا من حاجة- ها هنا- إلى إحصائها وتعدادها، فان من المفيد أن نبحث عن سر خلود هذه اللغة في بلادنا الحبيبة ونلتمسه في ماضيه وحاضره ومستقبله.

ويلاحظ منذ الوهلة الأولى أن سر خلود العربية في مغربنا ليس راجعا إلى صمود أهل البلاد في وجه(اللغة الغازية)، ذلك أن المستعمر قد سهل عليه- خلال وقت قصير من الزمن بعد إنشاء المعاهد العصرية وفرض لغته فيها- أن يتفاهم مع أهل بلادنا بلغته هو لا بلغتنا نحن، الأمر الذي يشهد بعدم وجود مقاومة تذكر أو صمود فعلي من (الأهالي) في وجه اللغة الجديدة الغازية، فقلد كان المستعمر جادا في(تقرير) لغته من الناحية العلمية والإدارية، وأحس(الأهالي) من جهتهم بعدم جدوى الإقامة في ميدان لا يملكون له سلاحا. ولقد تمركزت اللغة الغازية في الحواضر أكثر منها في البوادي إذ الملاحظ أن غالبية المستعمرين الذين يقطنون البوادي كانوا مضطرين في تعاملهم مع أهل باديتنا البربرية إلى التحدث بلغتنا العربية_الدارجة). وهذا يشهد بنوع من (الصمود السلبي) للهجتنا العربية في وجه لغة الاحتلال بتلك المناطق من وطننا.

وكان الحكام الأجانب بحكم استيلائهم على مقدرات البلاد، وتحكمهم في مصيرها، وانتمائهم إلى حضارة تخالف في أصولها ومناهجها حضارتنا وثقافتنا يجدون أنفسهم في غنى عن التحدث إلى الأهالي أو التقرب منهم بتشجيع اللغة والوطنية، وكانوا- على العكس من ذلك-جادين في التمكين للغتهم الغازية في البلاد يفتح المعاهد لها في المدن والقرى مستعينين في ذلك بالإمكانيات المادية والمعنوية التي كانوا يملكونها في هذه البلاد.
ومع ذلك فقد بقيت العربية خالدة صافية في(القرويين)، وفي(المدارس الحرة)، وفي الكتاتيب(المساجد)، وفي منازلنا الخاصة. إذ كان لابد لكل واحد منا أن يعلمه أبواه- في البيت- العربية قراءة وكتابة وقرآنا.

كذلك اتبثت العربية خلودها بالأمس القريب حين كانت كالفتى العربي- كما يقول أبو الطيب-غريبة الوجه واليد واللسان. أما اليوم فقد تبدلت الحال من عسر إلى يسر، وآمن كل من كتب له أن يومن بان المستقبل في هذه البلاد للعربية ولأهل العربية في التعليم وفي التجارة وفي الإدارة وفي المعاملات الحياتية اليومية الخاصة منها والعامة. لكنه رغم هذا كله لم تستقم الطريق أمام العربية لتسلكها يسيرة ممهدة نحو خلودها المكتوب.

فلا زالت تتلقى هجومات من أنصارها وخصومها سواء سواء. فهناك خصم جاهل لهذه اللغة جهلا لا معرفة له معه بأحكامها وقواعدها وأصولها ثم يحاول أن يستر جهله لها بإعلانها حربا لا مهادنة فيها على العربية وأهل العربية. إن هذا الصنف من الناس هو شر الخصوم واقلهم شأنا لأنه يسقي بخصامه بذور انتعاش العربية، ويحي بجحوده عناصر حياتها وبقائها في هذه البلاد. ذلك أن تحدي الشعور والعواطف والمقدسات والقوانين إنما يقابل بتحد مثله أو اكبر منه.

وهناك خصم عالم بالعربية وبغيرها من اللغات ولكنه يشك في قدرتها على الحياة، وينكر عليها حقها في الحضارة وفي العلوم، يهملها في مخاطبته إذا تخاطب وفي معاملاته إذا تعامل وفي تجارته إذا تاجر وفي إدارته إذا كان من رجال الإدارة، وفي علمه إذا كان من أهل العلم. أن هذا الصنف من الناس خير الخصوم وأكبرهم شأنا، هو خير الخصوم لأنه يكفي الأمة أمر نفسه وذويه إذا قررت الأمة يوما ما تعميم العربية في سائر مرافق الحياة، وهو أكبرهم شانا لان لخصامه- مع علمه بالعربية- معنى خطيرا«مشككا» في صلاحية العربية وصلاحية المثقفين بها الحياة.

إلى جانب هذين الطائفتين من الخصوم هناك طائفة ثالثة يمكننا أن ندعوها بطائفة« المهاجمين الأصدقاء» تخاصم العربية وأهل العربية عن حسن نية دائما وبطريقة غير مباشرة، وهؤلاء أنفسهم هم فئة« الأنصار الطبيعيين» للعربية الذين يحملهم تدينهم-عادة- إلى هذا الصف، وتدفعهم الحمية العربية إلى هذا الجانب عزلا أو مسلحين، ولكنهم ينحرفون عن صفهم الطبيعي هذا ويتحولون إلى جانب الخصوم، وذلك عند ما يقدر الواحد منهم أن يحرر بالعربية الصافية كتابا أو بحثا أو مقالة أو قصة ثم يأخذ منه الضعف مأخذه ويفشل فلا يفعل، ويفضل حياة البرج الذهبي على حياة الجماعة في حلقات المساجد والأسواق، ويصطفي لنفسه كتابا يدرك فيه متعته العقلية ولدته الفكرية، غير سائل عن عامة الناس وجماهيرهم الجاهلة من أبناء وطنه، ويقبع في ركن من أركان بيته وزاوية من زوايا مكتبه منكمشا على علمه ومعرفته متعاليا بهما في برجه العاجي فلا يفيد منه المواطنون شيئا ويصبح- على علمه ومعرفته- عالما كالجاهل أو عاملا خير منه الجاهل المجتهد الذي يحاول أن يستفيد ويفيد، وما يلبث علم هذا العالم حتى يضيع لعدم الممارسة المذاكرة والصقل والعرض والتهذيب.
مثل هذا المناصر الطبيعي للعربية يستحيل عدوا طبيعيا إذا فضل حياة الخاصة على حياة العامة وآثر الراحة والعافية على الجد والمشاركة، لان العلم في هذه الأيام عام بين الناس.

ليس أمام العالم بالعربية اليوم إلا أن ينفض عنه عوالق مخلفات الماضي السحيق ويطرح عنه ذلك الكسل العقلي جانبا ويسهم في العلوم والآداب بكثرة إنتاجه الجيد وتأليفه القيم غير هياب ولا وجل، متجنبا فيه الصعوبة والتعقيد والتقعر حول الألفاظ متوخيا فيه السهولة والجزالة والابتكار والذوق والصفاء، والسلامة من الأخطاء.

بين هذه الأصناف الثلاثة من الخصوم تتابع اللغة العربية الحياة في بلادنا الحبيبة، وفي هذا المحيط القاسي تشق طريقها ببطء مع نيات نحو الاستمرار والخلود، وسيلتها إلى ذلك مناعتها الخاصة ودفاعها الذاتي عن النفس، ومحافظتها على أصالتها العريقة ألفاظا عربية صافية وأسلوبا قويا آسرا وبيانا ساحرا مبينا.

كذلك تدافع العربية عن نفسها كلما عز المدافع أو قل النصير، لا يضيرها كيد الخصوم شيئا وان تضافرت جهودهم مجتمعة على النيل من استمرارها وبقائها، ذلك سبيلها أبدا حين يقل أنصارها، ويكثر أعداؤها: دفاع ماجد عن النفس، ومناعة ذاتية لغوية مكينة، تعضدها ثقافة القرويين وتؤازرها جهود المدارس الحرة وخريجي الكتاتيب والمنازل الخاصة لتبقى العربية خالدة على الزمان.

فإذا سمحت الظروف وتبدلت الحال غير الحال بقلة الخصوم وكثرة الأنصار ورفعت اللغة العربية الرأس عاليا في هذا البلد وفرضت نفسها على اللغات الغازية فامتدت متماسكة وانتشرت بسرعة لتعم الألسن والأقلام.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here