islamaumaroc

شاعر الإشراق الإلهي (التاستاوتي)

  دعوة الحق

64 العدد

من هذا الشخص الوقور..؟ من هذا الرجل السائر في الدروب، تنبت دوما على ثغره بسمة مشرقة..؟ منسجم التقاطيع، تتنور أساريره بضياء الفجر يحكي بها الصدق والصمود في الحق..يسير في تؤدة غريبة، يبدو في مشيته اثر العرج..كل الناس يتلفتون إليه في استغراب، يتطلعون إليه في استغراب، يتطلعون إليه في شوق نهم، يريدون تلمس ا1ذيال ثيابه، لكنه سائر في دروبه، ناكس الذقن، يرتاد في عالم نفسه مجاهل التفوق الإنساني حيث الالق الحي والإشراق السرمدي.

من هذا الشخص الوقور الذي لا يشير نظره شيء في دنياه، منقطع انقطاعا دائما عن بهرجها، خالعا ثيابها، كل ثيابها، راغبا في المجاهدة الصادقة التي يطل من شرفتها على البرزخ المشع، لا يكترث إلا بمسبحة تتحرك بين أنامله الدقيقة في انفعال تارة وفي هدوء تارات أخرى تعقبه تمتمات ترسل أصداءها الخافتة المتساوقة إلى كل نفس طاهرة من أدران الرجس.

نرى من هذا الشخص المحير؟
ترى من هو؟
أيكون باهلا من البهل يتخذ لنفسه هذا المظهر ليكتسب من ورائيه الاحترام والتقديس؟
نرى من هو ؟
أيكون رجلا من أولئك الذين يلبسون لباس الوقار ليوهموا الناس بالتقوى والورع لتعلقوا بأذيالهم ويتحمسوا بثيابهم، ويلثموا راحاتهم..
كلا..وألف لا..
انه ليس من ذلك الصنف الآفاق..
كلا..وألف كلا..
انه ليس من صنف أولئك الذين يشربون من صهباء الخلود نخب الشروق الأزلي، انه احمد بن عبد القادر التاستاوتي المتبتل، الناشد محراب الله الأقدس، الهائم في ملكوت نوره، الشاعر الأديب، العالم التصوفي ذو الموهبة السخية في قرض الشعر، ذو اليراعة الرقيقة المعطاء الكريمة الندية بالحرف المشرق الرقراق، والكلمة المجسمة في النعم الطائر كروح تائهة في فضاء.

انه التاستاوتي الشاعر الكلاسيكي المنزع، التقليدي الطريقة القصيدية، الأديب الناثر الضارب في قالب القاضي الفاضل وغير القاضي من صاغة الكلام ومجودي النثر العربي المتنوق الحافل بفسيفساء اللفظ الجميل.

تندت براعته بمعطيات مرضية ملذة منها( نظم ممتع الأسماع وشرحه)، و) نظم رجال التشوف وشرحه)و(نظم رجال القشيرية وشرحه) وكتاب(النزهة) الزاخر برسائله في جزئين، وديوان شعر في ثلاثة أجزاء كبار يحوي بين دفتيه الأسعار المستملحة، والقصائد النبوية، وغيرها من أعماله الفنية المرقصة، وله أسئلة فقهية علمية، وتقاييد تنبئ عن علو كعبه وسمو مدركاته.تتلمذ فيما تتلمذ على السيد عبد الكريم الجزيري، اخذ عنه سند المصاحفة كما أخذنا عن السيد عبد القادر الفاسي إلى أن تصل حلقتها برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونهل من معينه العذب النمير العالم الطبيب السيد عبد القادر بن العربي بن شقرون واحمد بن أبي عشرية بن احمد ابن يوسف الفاسي.

تلك كليماتنا عن التاستاوتي..
فما هي عملية خلقه الشعرية..؟
قبل أن أجيب، خليق بنا أن نقول كان شعر التاستاوتي إذا دل إلى رحاب قلبك، وملك عليك منازع نفسك لا تقل أجاد وايم الله، قل: تبارك الله أحسن الخالقين..
تلك وصية أولى مني إليك على الرغم من أني اعرف أن طريقة هذا الشاعر للشعرية تضرب في القديم، وتتخذ القالب الاتباعي، لكنك ينبغي أن تنظر إلى الصدق والعاطفة وما توحيه الألفاظ الشفافة من معان في العمل الفنين ولا تنزعج إذا ما صادفتك- وذلك نارد- بعض التعابير الفقهية والكلمات المتعالمة والعبرة بكثرة الجيد، وتلك وصية ثانية مني إليك.
فشعره تلفه رهافة الإحساس الذي يتقبل التجربة فيعطي ويدخر في قوقعته فيجرد بأصوات معبرة حيية متحررة من الكذب المغل والادعاء المقيد، وتنتشر فيه تارة نظرات صائبة مستخلصة من صميم الحياة، يحفل باللفظ الأنيق، والمعنى الجيد والسبك التعبيري القديم، يمتاز بوحدة الموضوع عكس ما يبتدئ به من أن الشعر العربي عموما يهمل وحدة الموضوع، ويهتم بوحدة البيت،ذلك رغم باطل ووهم لا يقره الواقع الشعري التاستاوتي.
أقول: شعره تكتنفه رقة العاطفة السلسلة، وشفافية الشعور الخير المتميز بطابع الإدراك أن الحياة منافذ مختلفة يوصل بعضها إلى الظلام وبعضها إلى النور، والدقة في الأداء، والإجادة في التعبير الرصين، والإتقان في صوغ الكلام حسب المعنى المراد تأديته، والجودة في الهيكل الهندسي للحرف الشعري الفضفاض الذي يرفده الصدق، كل الصدق، فيما يحمل بين تلافيفه من معان وبخاصة إذا كان القلب الذي يصدر عنه هذا توفيا حنظلي العذاب، ومرارة الأسى، ينصهر في البوتقة الأليمة فيتميز عقب ذلك روحية نادرة منحرفة عن الأباطيل منطلقة من شعور عميق بواقع المجاهدة الذاتية في سبيل تحقيق(الأنا) الضائعة بين تيارات متضاربة المتأرجحة بين انجذابات المادية والروحية.

وشيء بقي في شعره هو صياغته الشعر في الوزن المغاير لجو المناسبة في بعض الأحايين، وسترى هذه المغايرة.
ذلك شعره جملة وتفصيلا..
فأين إذن الدلائل المزكية..
الدلائل ستلقاك في سرعة الضوء..تأمل..أرهف سمعك إلى هذه الصوت المصداق ينطلق في نبرات تشي بحب نابض في الذات النبوية الشريفة:

عرج بإطلال الأحبة واقصد      آثارهم يوما لعلـك تهتـدي
واجز إذا جشت الديار بمنزل     قد ضم أجداث العشير الهمد
ولهيب قلبك إن أردت شفاءه      فات الربوع ترح قلب الاكمد
إلى قوله:
لولا النوى ما أقلبت من مغرب    فوق المطايا عاشقـون لأحمد
 صلي عليه الله ما هبت صبا     وبكى لرؤية وجهـه ذو اكمـد 
 أبدر لزورته إذا ما اشتقتـه      واذهب على الوجنات غير منكد
ويجعل مسك الختام قوله:
انت المؤمل في الشدائـد كلهـا      أنت الجواد الغيث للمسترفـد 
 أنت الذي من أم بابـك راغبـا     ولو اقتضى أمرا عظيما يسعد
  أنت الذي سعدت بك الأشياء قا    طبة ومن يقصد سعيدا يسعـد

وهذه القصيدة خطها مرقمة مرقمه المكثار سنة 1125هـ تنيف على ستمائة بيت، خطها وهو في أصيل العمر، قد ناهز الثمانين، ومن يقرأها من ألفها إلى يائها يحس أن صاحبها قد اكتملت لديه الأداة الشعرية، واستتمت عنده الثقافة العربية المحضة المكتسبة من تجارب السنين الطويلة التي سلخها فوق مسرح هذه الحياة، والقصيدة عارض بها الشاعر العلامة أبا علي الحسين اليوسي في قصيد له مدح به الشيخ ابن ناصرن ونفحاتها المؤرجة تذكرنا بنفحات القصائد الجاهلية في الشكل والمضمون، في المبنى والمعنى.

وقصيدة له أخرى دبجتها يراعته بمناسبة قدوم احمد الخليفة من الديار المقدمة مستهلها:

سلام واني بالسلام لمن إذا       يسلم لم يعبـأ لـه بسلامـه
وظنوا ظنونا انتهجها أقاول     وليس لها أصل بفحوى كلامه
إلى أن يهتف:
وقد كنت قبل الشيخ عبدا مخالفا       كثير الجفا في فعلـه وكلامـه 
 ولما رأينـاه رأينـا سعــادة      وشمنا بروقا من مقام اغتنـامـه
  فمن شاء فلقبل ومن شاء رده      وذو الجهل مغفور له في اجترامه .

إمارات الصدق، وعلامات الإخلاص والمحبة تشع في تضاعيف هذه القصيدة، ذلك أن الشاعر يرد على من يلفق الأكاذيب ويرسل النمة بعد النمة، والاخلوقة عقب الاخلوقة ليعكر الجو ويأسن ماء الصفاء بينه وبين ابن الشيخ احمد الخليفة.
وأجابه ابن الشيخ على هذا إجابة هدأت من جأشه، وخففت من روعه، وكيف ينتصر الأعداء والشاعر كان قبل أن يعرف الشيخ عبدا مخالفا كثير الجفا في فعله وكلامه فاستحال بعد كل هذا سعيدا مطمئنا.

ويعارض مرة ثانية قصيدة اليوسي الدالية سنة 1116هـ، من غير أن يجاريه في نفس القافية بعد أن أخذت بلبه وأعجب بها كما لم يعجب يسواها بقصيدة لامية ضربت بسهم  وافر في جودة اللفظ المختار المتساوق، والتعبير المتناغم وما يتجلجل في نفس محبرها، وهي لا تقل شأنا عن الأخرى ، وقد قالها في شيخه ابن ناصر الدرعي واستمع إليه بانتباه إذ يقول لك:
قف ساعة بين الغوير فاربل   واعطف بمنعطف الرسوم الهمل
واجتز من الطلل الذي بجواره     آثار قومفي البرية كمل
إن الوقوف بها تعلة مكمد          وهي الربيع لقلب كل مبلبل
إلى أن يقول:
والعم بان الحلم أسرى منزل       يدنى الفتى من مجده المتأصـل
والعنف يكسب للزجاج تصدعا     فإذا حملـت زجاجـة يتجمـل
 إن الكريم عن البدا متغافـل      لا يكشف العورات عذب المقول
ثم يتعرض لمدح الشيخ هاتفا:
الماجد الشيخ ابن ناصر الذي        ملك القلوب بطوله المتسلسـل 
 أحيى السعادة بعدما قد عطلت       وأقام رسم الدين بعد تجلجـل 
 وسما به شرع النبـي محمـد      وأزاح ليل الجهل بدر شمردل 
  بحر تدفق من علـوم جمـة       يشفي الغليل مقاله أن يسـال
أحيى المكارم بعد ما بليت وقد         أطفأ ضرام الغي بعد تشعل
ويسترسل مبينا ما قام به الشيخ لرفع ألوية الدين، وغرس المحبة في النفوس ومحق ظلام الجهل، فعم البلاد النفع حتى استقامت السنة المحمدية على نهج قويم وطريق مستقيم رائق متجمل، وغدت شرابا  طيبا، وفروعا استتمت نضجها فأمست تزري بغصن جميل نابت في الربى المزدانة بأصناف متعددة من الزهر:

عم البلاد النفع وانسدل الغطـا         كلارما وقد درت صروع الحفل
  بمغـرب، ومشـرق، متيـن         متشئـم، متكـون، متصـول
حتى استقامت سنه الهادي على         نهـج قويـم رائـق متجمـل
طابت شرابا واستتمت إفراغها         تزري بغصن في الربى متحفل
  روض يباكره الندى فتزينت          أفنانــه ببنفســج وقرنفـل

وهكذا يواصل الشاعر كلامه عن الشيخ الصالح، وأنت إذا ما استرسلت في قراءتها، ووقفت أمام بعض أبياتها أحست كأن الشاعر متأثر بحكم زهير بن أبي سلمى في معلقته الميمية.

ولقد كان شاعرنا طموحا، جد طموح، يريد أن ينال أمنيته عن طريق الشيخ ابن ناصرن إلا وهي الوصول إلى مقام الأولياء الاسنى، فطالما رنت هذه الفكرة في عالم نفسه، ولطالما تمنى من أغوار قلبه أن تتحقق، لذا كان في بعض الأحايين تهزه هذه من الجذب الروحي فيكتب وهو في ضباب الحيرة رسالة أو قصيدة إلى الشيخ يخاطبه فيها وبتوسل إليه بسكان الزاوية أن ينال ما يهفوا إليه، يقول متوسلا توسلا يقطر بالتحسي:

يـا مربـع العبـاد الزهـاد     يا مرتع الإبـدال والأوتـاد
إني بمن ياويك يا فلك إليهـا      متوسل لله فــي الإسعـاد 
فعساه يمنحني المنى وينيلني       ما ارتجي من ماجد الأمجاد
هكذا يمضي شاعرنا في التوسل للشيخ وذكر ما يتصف به من المحامد عله ينفحه نفحات إلهية قدسية، والقصيدة في مجموعها لا اعتبرها من روائع شعره رغم ما فيها من التحسر واللوعة الصادقة إنما هي ألفاظ متراصاة بعضها إزاء بعض من غير أن تلفها ظلال من الفن الجميل بعكس قطعته التي تنتشر بين اطوائها مسحات شرعية رائعة والتي هي آخر ما سمعه منه الشيخ في السفرة التي ما رآه بعدها سنة 1084هـ، يقول

واني وان ألزمت نفسـي تجلـدا         على نائبات الدهـر أن المـت 
 وبالغت جهدي في اكتتام تأسـفي        وأخفيت تبرحي وأعلنت سلوني 
 فها أنا قد مزقت درع تصبـري         وأصبحت بين انسكاب وزفـرة
  أما أنني ودعت من أودع الحشا         لواعد شوق في الفؤاد استفـرت 
 وما كان مني البين طوعا وإنما        جرى قدر من فوق حولي وقوتي
الحبابنا انتــم مرامـي وانتـم         مناي وسؤلي في ذهاب وجيئتـي 
 وانتم بقلبي أن تنـاءت دياركـم        وذكراكم شغلي وتريـاق مهجتـي 
 عليكم سـلام الله ما لاح بـارق        فاذكرني إشـراقـه ثغـر عزتـي

وما أحسن البيت الرابع الخامس المحملين بعاطفة مستنفرة، وشعور قوي مشرئب.
واتصل شاعرنا بالشيخ الأكبر عن طريق الرسائل العديدة التي تنبئ عن قوة عارضته وطول باعه في تحرير النثر تحريرا يأخذ بأقطار النفوس، وكان الذي دله عليه العالم الشاعر أبو على الحسن البوسي.

وكانت وفاته الأولى عليه سنة 1081هـ فخاطبه بلهفة المشتاق ونبرة اللهفان المستهام:
أتيتك يا بحر المعارف اشتكي  خطوبا أقامت مالها من تنقل
وجئتك يا غـوث الزمـان مجـددا         مــن الإنـس مكسـوا رداة التلبـل
  ومالي سوى الظن الجميل بباكـم          وان تطردوني ليس لـي من تحـولي
  على كل حال اترجي الفضل منكم         وهل يرتجى في الناس غير المفضـل 
 يمثلك من لو جاءه الفاجر اهتـدى          ونـال مـن الرحمـن كـل مؤمـل 
 الست امام القـوم والمهتـدى بـه          وقائد ركب خــاف يـوم التزلـزل 
 الست الذي أحييـت لسنـة احمـد         وبينت مـن أحكامهـا كـل مجمـل 
 عليك سـلام الله ما دمـت ماجـدا         تلاقـي بنـي سعـد بوجـه مهلـل

وما أن أنهى الشاعر إلقاءه حتى قال له الشيخ الأكبر مخاطبا إياه وقد هلل البشر قسمات وجهه:
-جعل الله يا تاستاوتي لسانك ينبوعا من الحكمة ينطق كيف شئت..ثم اخذ يدعو له بكل شيئ جميل رائق..
وزاره مرة ثانية في رمضان سنة 1048هـ، ومكث عنده يزاويته عشرة أيام قضاها في النظر إلى وجهه المتلألئ، وهناك قرأ عليه قصيدة أولها:
قد سعت أيامنا في بيننا        فتناءينا ولسنا صابرين
لو علمنا البين يباتي بغتة      لتوادعنا وداع البائنين

إلى أن يقول موضحا غرضه من الشيخ الأكبر:
كـل يـوم اترجـى نفحـة     منه تدننـي مقـام الواصليـن
وأخاف الذنـب أن يمنعنـي     ليث شعري هل لنا من راحمين
إن يكن ذنبي عظيما ربمـا       يرحم الله العصـاة الظالميـن
أنت أنت المجتنبى والمعتلى     خير من حاز العـلا في الآمنين
وانلني منك يا قطب الورى       كاس راح من شراب العاشقين

البيت الأخير رائع يمثل رغبة في أن يصبح من رواد محراب الله البهي، ومن عشاق رحابه المضيئة بعد أن ينهل من راح العاشقين المتيمين التائهين في دروب الحب الإلهي، وان يضحي من رجال قافلة ابن الفراض والحلاج وأبي زيد البسطامي وبشر الحافي وأتراب هؤلاء الذين توجوا قمم جبال التصوف المعشوشبة.

وفي هذه الزورة جرى بينهما حديث طويل حول التصوف بعد أن أنهى سرد قصيدته، سأله التاستاوتي قائلا وفي صوته نغمة من الصدق:
-هل يتصرف الشيخ الكامل بجميع تصرفات الصالحين إن شاء لقن الذكر والبس الخرقة وغير هذا من أشكال التصرفات.

- فأجابه الشيخ الأكبر محمد ابن ناصر متهلل الوجه باسم الثغر:
- -الولي الصالح الذي بلغ حد الكمال يستيط أن يترف في كل ذلك، بيد انه ينبغي أن يعفل ذلك بما يناسب العصر وأهله.

ثم سأله مرة أخرى وقد صارت منافذ جسمه كلها مسامع:
-ما هو الإنس والادلال سيا سيدي؟
فقال في صوت جهوري صداح الكلمة وقد نظر إليه نظرة طويلة كما لو كان يستشف سر الجواب من اعاميق عينه:
-أهل الإنس هو أولئك الذين يا نسون بالله وبضون بقضائه ويصبرون صير الحلماء الثابتين على بلائه، وأهل الادلال هو أولئك الذين يقولون ما يريدون في جانب الله. وثالثا، يسأله:
-لم لم تقل يا سيدي مثل قول الشيخ سيدي عبد القادر الجيلي:
ملا في الصبابة منهل مستعـذب     الأولى فيه الألـذ الأطيـب
  أو في المكان مكانة مخصوصة     إلا ومنزلتي اعـز واقـرب
   افلت شموس الالولين وشمسنا     أبدا على فلك العلا لا تغرب

  أو مثل قول الشيخ سيدي محمد بن المبارك:
دعاني الحق فيما أنا فيه  فصرت أنا للحق داعيا   وفتح لي الحق خزائنه  فصرت من خزائنه معطيا
فأجابه الشيخ بعد أن عدل من جلسته:
-الشيخ سيدي عبد القادر الجليلي والشيخ سيدي محمد بن المبارك صالحان من أهل الإنس بالله فلا حرج عليهما من ذلك.
وباتصال التاستاوتي الناشد المعرفة الأزلية بالشيخ الأكبر وولده، وإلحاحه المتواصل المنقض بمعاناة المجاهدة الروحية أخذت تنتابه استغراقات وجدية وسبحات إلهامية، ودوار محير..على اثر ذلك تتفتح أمام عينيه الإسرار وتتكسر الإقفال ليتجلى له النور، الفيض، الإشراق، وفيما هو فيه تنساب في عالمه المتأرجح بالهتافات الخافتة أهازيج توقعها مزاهر خفية، بهذا يبلغ به الفناء في الحضرة الإلهية حالة الري(1) فيعلن كما أعلن من قبل الحلاج، يعلن على رأس الملأ من غير ما وجل انه صاحب الوقت المتصرف أو انه المهدي، وغير هذه الشطحات، وبين عشية وضحاها يأمر المولى إسماعيل العلوي بزجه في غياهب سجن فاس الجديد.

ويدخل السجن، يدخله وهو كله إيمان راسخ ثابت لا يعبأ بما أصابه.
وكيف يعبأ..؟
كيف يعبأ وقد أصبح يعيش على ثمار التجلي، ويرى أن ذلك قدر مقدس سبق به القلم منذ إن كان آدم بين الماء والطين، وانه تجربة من الفرد الصمد.
كيف يعطي أدنى اهتمام، وقد لفه الإشراق في ثيابه.. هذه جدران السجن تحيط به من كل جانب، ولكنه في شغله الشاغل عن القيود والسلاسل، بتلذذ باسم حبيبه، يأنس بذكر متيمه، يذهب الوحشة بالابتهالات، ولكأني به ينغم: رباهن اجعلني نغمة تسبح في ملكوتك.. رباه، عبد يتفانى في ذاتك العليان هيئ له في مهرجان أغاريدك كأنما يتبوأه.
رباه، أني طائر منتش بخمرتك، أأذن لي بان ازقزق في خمائل بساتينك، أشدو وأغرد، اغني واهدل..
يا الله، ظلام السجن محدق بي من كل جهة، بيد أن نورك يبدده في سرعة..
يا الله، كل شيء لدي هين ما دمت تغمرني برضاك. وفي هذا السجن الدامس يظل التاستاوتي في سنتين كاملتين، لم يفته أن يعبر هن هذه المحنة التي اعتورته في قصائد ورسائل تجدها مثبتة في كتابيه«النزهة»و« الديزان».

واعتقد أن من جملة كما كتبه في السجن قصيدته السينية، البرهان يصرخ.
تاريخ القصيدة سنة 1106 يشير إلى أنها قيلت في الأيام الأواخر من سجنه إذ انه سجن سنة 11004 كما رأيت قبلا، ثم معانيها العامة تدلك على ذلك، واستمع إليه إذ يقول لك وقد بعثها لابن الشيخ احمد الخليفة:

أراعك أن شمت الطلـول الداورسـا      كأن لم تر فيها البــدور الاوانسـا
وهل هاج منك الدمـع لمـا رايتهـا        تذكر ظبي كان من قبـل مؤانسـا
 نعم رحل الأحباب منهـا وأودعـوا       جوى للحشا في كل وقـت ملابسـا 
بكيت فلم تطـف المدامـع لوعتـي        وأصبحت من شوق من الصبر آيسا
  وما كنت ادري البين حتى تحملـوا       ولا كنت من قبـل التفـرق عابسـا 
 ولمـا استقلـوا ظاعنيـن وخيمـوا        بسلع أراني بعــد ذلـك ناكســا 
 كأني من شجو فقـدت ابـن ناصـر       ولم أر شيخا شامــخ المجد رائسـا
 تخــــالفت الآراء فينـا مغيبـة        وأصبح ذو التخمين في الجهل شاطسا
واني لنـا أن ننفـض العهـد بعـده        ومن نوره في الناس أصبحت قابسـا
   تعالوا نيث السـر فالحق واضـح        ونذكر عمــلا في الوقـت دارسـا
   ونذكر أحوال السقاة ومــا يـرى       من الدر في الأصداف من كان غاطسا
  امن غير كشف يسمح المرء في الصفا      ويقبل قولا واهي الأصــل يابسـا
ومثل أبي العبـــاس أن عن حـادث      يكون بنوره الله يدفــع هاجســا

القصيدة تنم عن لوعة، لوعة محرقة تتنزى في قلب هذه الحزن ولا سيما والشاعر متعلق بابن الشيخ اشد التعلق يفديه بمهجته وروحه، إذ انه يرى فيه قبسا من النور الإلهي الأقدس المبارك ينير له المسالك الوعرة المظلمة التي يتخبط في دوامتها، ويعمه في لججها.
وتختطف المنية الشيخ الأكبر ابن ناصر فتشرئب أقلام الأدباء راقمة القصائد الطوال في رثاثه، ويرسلون الزفرة على فقدانه، ويطقلون آلهة تلو الآهة على حرمانهم من طلعته البهية وجبينه المشرق الوضاء..ويصيح..
يصيح شاعرنا التاستاوتي صيحة من تردى في هاوية:
يا ليتني يا ليتني   نلت المنى من سيدي
وشربت من ورد الصفا   ولثمت كاس توددي
من لي بشيخ عارف  ذي همة وتعبد
هوهو ذا ان نلته    ظفرت يدك بعسجد
وعثرت بالكنز الذي  يغني بأقرب موعد
من أين يوجد في الورى   مثل الإمام الأوحد
نجل ابن ناصر الذي   أحيا طريقة احمد
ويبكي بكاء حارا على الفقيد فيشرع في تعداد ما كان يستمده منه من أسباب القوة والغلبة المتمثلة في الانتماء إلى العلى وغير الانتماء إلى العلى:
فيه انتميت إلى العلا        وشربت أعذب مورد
وبه أحسن إلى الصفا      وأريد اهجر مرفدي
وبه أخاف وارتجي        وبه يكون تجلدي
وبه تفرج شدتي          وبه أخول مقصدي
وبه اعز واغتني         وبه اضمحل تنكدي
وبه تقبل راحتي         وبه أنول قصدي
وبه الأنام تزودني        ويروج بي أو يغتدي
وبه أصول على العدا   ويخاف مني المعتدى
صيحات تتالى في نبرات محزنة فضية تشع من حرفين(ب) على فقيد التصوف الكبير، اذ يبث في بحر مجزوء هو اقرب إلى النثر منه إلى الشعرـ، وقيل عنه: انه(حمار الشعراء) ونغماته لا تلائم مقتضى الحال، لكن شاعرنا لم يتصنع ويتكلف في اختيار الوزن الموائم فقد أطلق العنان لقلمه وسكب الانفعال المضطرب في بحر الرجز المجزوء من غير أن يفكر في أنواع البحور.
*   *   *
وتتابع الأيام دوراتها السريعة في محيط الزمن الهادر، فيدق ناقوس الفرقا دقات الفزع، يزمع الشاعر رحيله ويودع الأهل والخلال لينطلق إلى العالم الآخر ويرقد في جوف رمسه بين الصخور الصم بعد أن عاش شاعرا صداحا تعزف قيثارته أعذب الأغاريد، مستغرقا في نشوة علوية يقتات من النفحات السرمدية، ويتملى بمشاهدة موكب السنا والضياء فيحمل ذلك الشعور الأسمى إلى الكلمة والنغم كيما ينسجان شتات الشرايين الممزقة وذوبان القلب الثامل..ووافته شهدتها ليلة الأربعاء فاتح رجب سنة 1127هـ، وسجي قرب روضة الشيخ عبد الله بن احمد خارج البراذعيين بمكناسة الزيتون، وما يزال قبره قبلة الزاوار وكعبة الرواد يرمز إلى قيم الخير الخالدة المحملة باللفتات الأبكار والخواطر اللاهية خلف عقبا ببلاد زعير، يدعون القادريين.

(1) الري: اصطلاح تصوفي، وهو أعلى درجة من حالتي الذوق والشرب.
 

 

 

 
 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here