islamaumaroc

دعوة الحق بين الشيوخ والشباب

  دعوة الحق

64 العدد

لست ادري إذا كان سيرضى عن هذا الحديث أو سيضيق بهن فهو شاب متفتح الذهن مرهف الإحساس هادئ الأعصاب محب للحق والخير، عرفته منذ زمن بعيد أيام سني الدراسة الثانوية حيث كنا لا نلتقي إلا لنقرا في كتاب أو لنتجاذب أطراف الحديث في موضوع تكون قد استجمعنا أطرافه وتقصينا مراجعه. ثم شاءت الأقدار أن أسافر للدراسة ثم للعمل بعد ذلك|، فلم تنقطع مراسلتنا بل ظلت مجالا واسعا لتبادل الأفكار ووجهات النظر في مختلف ميادين الأدب والثقافة.

ومنذ أيام بعث إلى رسالة قال في مقدمتها: أن المجاملة لم تعد ذات جدوى وانه سيكون صريحا ولو مرة واحدة، وانه يرجو ألا اقلق لحديثه. وكنت أود أن انشر الرسالة بكامل نصها لولا انه طويل ولولا أن الكاتب مزج حديثه بمسائل شخصية قد لا تهم القارئ في شيء.
واهم ما جاء في هذه الرسالة أن دعوة الحق «مجلة رجعية بمعنى أنها تحت سيطرة جماعة من الكتاب الشيوخ الذين لا يسايرون حياة العصر وما تتطلب من نهوض ثقافي يهز كيان أوضاعنا العلمية والأدبية ذلك النهوض الذي لن يكون إلا على يد الأدباء الشباب...ومعه ذلك فأنت تكتب فيها بل ذلك بدلا من أن تكتب-كما عهدتك-في موضوعات أدبية هامة أخذت تكتب أشياء لا أظنها ذات قيمة، وهذا ما لاحظت حين قرأت مقالاتك عن الفولكلور، فما لنا وللفولكلور، وما إذا عسى يجدينا الحديث عنه..»

وقبل أن أرد على هذه الملاحظة التي شاء الصديق المرسل إلا أن يكون صريحا في إبدائها تعبيرا عن وجهة نظره، أود أن اذكر أن كثيرا من قراء هذه المجلة الأصدقاء حاولوا في عدة مناسبات أن يثيروا معي مثل هذا الموضوع، ولكن في إشارة خفية بعيدة عن النقد الصريح الذي من شأنه أن ينير السبيل ويكشف الحقائق، إذا ما حسنت الظنون وصفت النيات.
والصديق في ملاحظته تناول خمس نقط:

أولا: أن المجلة في قبضة كتاب شيوخ
ثانيا: أن هؤلاء الكتاب غير قادرين على النهوض.
ثالثا: أن الباب مغلق في وجه الأدباء الشباب
رابعا: أن المغرب في حاجة إلى نهوض ثقافي
خامسا: إن دراسة الفولكلور غير ذات أهمية أو قيمة.
أما عن النقطة الأولى فلست ادري إذا كان المقصود بالشيوخ كتاب الجيل الماضي وما قبله ممن تقدمت بهم السن فأصبحوا بغير حق في عداد الضالين المضللين، أو المقصود بعلماء الدين الذين تنشر كتاباهم في القسم الأول من المجلة الخاص بالدراسات الإسلامي. وسواء كان هذا أو ذاك فالجملة كما اعرفها قارئا وكاتبا، محايدة في سلوكها ومنهجها، بعيدة عن أن تتأثر أو تخضع لهؤلاء أو لغيرهما من طبقات الكتاب شيوخا وشباب. وهذه لا شك ميزة قل أن تتوفر لغيرها من المجلات سواء في المغرب أو غيره حيث أجهزة النشر والإعلام على مختلف أشكالها وألوانها تعمل لحساب جماعة دون أخرى من الناس. وقد كانت هذه الميزة دافعا لي ولغيري ممن يضيقون بالتبعيات أن ينشروا فيها غير مقيدين ولا مرتبطين. وليس هذا فحسب، فالمجلة في حد ذاتها وبالقياس إلى غيرها ورغم عيوبها مجلة ممتازة إلى حد لا يسمح بانتقاص قدرها والطعن في كتابها بدون سبب أو حق. ولا ينبغي أن يغيب عن ذهن الصديق أن هؤلاء الكتاب- واقصد الشيوخ منهم-يسدون بإنتاجهم فراغا كبيرا كان من الواجب أن يسده كتاب شباب، والأسف الشديد أن هذا الشباب غارق في بحر من التمتع والانحلال والضياع ولا يسمع مثل هذا الكلام، وإذا ما سمعه فليس ليعيه أو يتدبره وإنما ليهزأ ويسخر من قائله. كذلك لا ينبغي للصديق أن ينسى أن المجلة تصدر عن هيئة دينية وانه من الطبيعي أن يكون لهذه الهيئة اثر ما في طابع المجلة. ولعله يذكر كيف انتقلت هذه المجلة من مرحلة الطابع الديني الخالص إلى مرحلة الطابع الفكري والثقافي عامة. ولن يضير الشباب- كتابا وقراء- ان تخصص المجلة قسما للدراسات الإسلامية لا سيما ونحن في أمس الحاجة إلى المزيد من هذا اللون وغيره من الدراسات. هنا أود الإشارة إلى عيب من أهم عيوب المجلة، ربما كان عيبها الوحيد، وهو الحشو الذي يبدو أحيانا في هذا القسم وما أغناها عنه. ولا أريد أن اذكر أسماء أو أن أعين كتابات، وكل ما أريد هوان تعار هذه الملاحظة بعض الاهتمام والاعتبار، فالمسالة أوضح من أن يفصل فيها القول.

وأما أن هؤلاء الكتاب غير قادرين على النهوض بالأعباء الثقافية التي يتطلبها العصر وان هذه المسؤولية لن يستطيع تحملها غير الأدباء الشباب، فملاحظة ذات شقين كلاهما في حاجة إلى بعض النقاش. حقا أن التطوير والتجديد لا يكونان أبدا إلا على يد الشباب وان كل جيل مسؤول وحده عن تحمل الأعباء التي تفرضها عليه حياته وظروفه، وان هذه الحياة والظروف تختلف من جيل إلى جيل وان هذه الأعباء تختلف بدورها، وانه غير طبيعي ان يتحمل الجيل السابق وما قبله مسؤوليات الجيل الحالي، ومع ذلك فلا زلنا نحن أبناء هذا الجيل عالة في أكثر من شيء على أبنائنا وأجدادنا رغما من طبيعة الأشياء وما تفرض من تباين واختلاف. وسيقول قائل أن الشباب قابض على زمام الإدارة لدرجة لا تدخل وزارة من الوزارات أو مصلحة من المصالح إلا تجد القائمين عليها من الشباب، هذا صحيح ولكن هناك ميادين أخرى-أهمها ميدان الفكر والثقافة-ظل الشباب بعيدا عنها- ولا أريد أن أقول عاجزا عن الخوض فيها-لما تحتاجه من كفاح وتضحية وصبر ومثابرة. فلا عجب والحالة هذه أن نرى غير أقراننا يساعدوننا في نهضتنا الثقافية الحاضرة ويضيفون إلى كفاحهم المرير الطويل كفاحا آخر قلد لا يكون في نفس قوة كفاحهم السابق، ولكن يكفي انه يملأ بعض الفراغ، ولا أقول أكثر حتى لا أرمى بالتحيز وعدم الإنصاف ومن المؤسف أن يعرض كبار كتابنا لاتهامات هم منها براء وفي وقت هم بحاجة إلى التكريم سواء من طرف الدولة أو الأفراد تشجيعا لهم على أن يواصلوا السعي والجهد، واعترافا بما بذلوا من جهود مضنية في نشر اللغة والثقافة العربيتين رغم عراقيل الاستعمار وقلة الإمكانيات وضعف التجارب وفردية الجهود. وليتأكد الصديق بعد هذا انه متى كبر الأبناء وأصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية كاملة وفي ثقة تامة بأنفسهم وقدراتهم، خلى الآباء لهم الطريق وفسحوا لهم مجال العمل في حرية وانطلاق سيرا مع طبيعة الأمور وحقيقة الحياة، وهذا ما لم نصل له نحن بعد.

ثم نقف عند النقطة الثالثة في ملاحظة الصديق لاستسمجه في الرد بان المجلة لا تقفل الباب في وجه الأدباء الشباب وان الذي اعرف عن تجربة وملاحظة أنها تشجعهم وتفسح المجال أمامهم في غير شدة أو تضيق لدرجة تسمح بنشر إنتاج لأدباء ناشئين هو دون المستوى المطلوب. ولولا أنها تفتح ذراعيها للأدباء الشباب لما نشرت لي ولغيري كتابات هي ابعد ما تكون عن الرجعية أو غيرها من الألفاظ المصطنعة في هذا الباب. أكثر من هذا إدارة المجلة تطلب من غير واحد من الشباب أن يشاركوا في تحريرها، ويبدو أن إعراضهم عنها يضطرها إلى أن تمد يدها لغير أبناء الوطن، والأسف شديد أن نرى بعض هؤلاء يتصدون-دون علم أو فهم-للكتابة عن تاريخنا وأدبنا سدا فراغ نحن وحدنا ملزمون بسده، فليس غيرنا يستطيع أن يبحث في ماضينا أو يكتب عن حاضرنا أو يخطط مستقبلنا. ومرة أخرى أؤكد للصديق أن المجلة لا تغلق الباب في وجه احد وأنها لو كانت كما يزعم لتعثرت في أول الطريق ولما استطاعت أن تسير ست سنوات كاملة ولا تزال.

ونصل بعد ذلك النقطة التالية لأرجئ الحديث عنها إلى مقال خاص، فموضوع النهضة الثقافية يحتاج إلى تفصيل لا يسمح به مجال هذا الرد. ولا أريد أن يخطر ببال الصديق أن هذا نوع من التخلص والهروب، فانا أوفقه على ملاحظته القيمة وأضم صوتي إلى صوته عسى أن يصل صداه إلى المثقفين والمسؤولين، فقد آن الأوان لتقوم ثورة ثقافية تقضي على الجهل وتنشر الثقافة وتعممها في مختلف أوساط الشعب وبشتى الوسائل والإمكانيات. وقد آن الأوان كذلك ليتجاوب المثقفون مع مقتضيات الحياة وينفضوا عنهم غبار الخمول والانعزال ويتخلصوا من معاول الهدم والتحطيم ويخوضوا المعركة في تعاون وصدق وبكل ما لديهم من طاقات وخبرات.

أما عن النقطة الخامسة والأخيرة فليسمح الصديق أن اطلب منه إعادة قراءة المقالات التي كتبت عن الفولكلور ليكشف خطأه بنفسه ويدرك أن دراسة مثل هذا الموضوع لا تقل أهمية وقيمة من غيرها من الدراسات، وقد سبق أن قلت في أول هذه المقالات أن الغرض من دراسة الفولكلور هو الكشف عن خصائص الشعوب وظواهرها على شخصيتها وعبقريتها وقياس مستواها الفني والحضاري والثقافي ومقارنتها بغيرها من الأمم والشعوب لإثبات عراقتها في هذا المضمار. ومع ذلك فسأعود إلى تناول الموضوع بما يزيد في توضيحه ويزيل عنه كل لبس أو غموض إذا ما احتاج الأمر إلى ذلك.

وحتى لقاء آخر اشكر الصديق على هذه الملاحظة التي أبى إلا أن يكون صريحا في إبدائها والتي أرجو إلا أكون أغضبته بنشرها وألا يكون في ردي عليها ما يثير ضيقه أو قلقه.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here