islamaumaroc

ضرورة مسايرة الأدب لتيار التطور.-1-

  دعوة الحق

64 العدد

حتمية التطور أمر لا مفر منه وهي من سنن الكون، وضرورة مسايرة الإنسان لهذا التطور أمر محتم، ولا يشذ عن عجلة التقدم ومسايرة التقلبات في العالم إلا العاجزون الذين ارتضوا لأنفسهم البقاء في مؤخرة القافلة والقانعون الراضون بما تمتد له أيديهم من جذور الماضي، الذين لا يستطيعون شيئا غير المحافظة عليه واجترار ذيوله والعض على الغابر الدارس بالنواجذ.

وتطور العالم يفرض على جميع من يوجد في هذا الكون أن يساير في خطواته الوثابة إلى الإمام المتجهة نحو التقدم، البناءة للمستقبل القريب والبعيد، والتطور في مدلوله ومفعوله يشمل البلاد والعباد والحرث والنسل والكون والإنسان، ويشمل هذا التطور في مفعوله ومدلوله كذلك كل ما يتبع الإنسان من عواطف ومشاعر وتعابير وكل ما يكون الإنسان في معنوياته ومادياته، لأن كل المحسوسات والملموسات جزء من البشر تتطور وتتأثر بتأثيراته، وما الأدب في مدلوله المادي والمعنوي إلا إحدى هذه المشاعر والعواطف والاعتقادات والتعابير التي تكون من الإنسان بمثابة الروح للجسد تتأثر بالإنسان كما تؤثر فيه وتتطور معه كما تدعو لتطوره؟ وما الأدب إلا تعبير صادق عن حاجيات الإنسان ينطلق في هينة ومهل وسرعة وعجلة كما ينساب في مد وجزر وعلو وانخفاض مسايرا لسير العصر ومطابقا لتطور الفكر البشري الذي لا يمكن أن يكون غير جزء من الفرد البشري نفسه.

والأدب الذي يعد مجموعة من القيم الشعرية والقيم التعبيرية رهن بهذه القيم التي لا تعرف عجلة تطورها وقوفا ولا يدرك مصيرها حد، إن تطور هذه القيم التعبيرية والشعرية متواصل وسيرها في التقدم والارتقاء مستمر، أو ليس الشعور حسا يملأ قلب الإنسان كلما عاش فترة سعيدة أو حقبة رهيبة؟ أو ليس التعبير إخراج هذا الشعور إلى حيز الوجود بعدما كان يملأ قلب الإنسان وحشو حشاه؟ أو ليس الإنسان متعرضا في كل أطوار حياته إلى ظروف خاصة ومفاجآت يعتريه فيها شعور قوي خفي أو ظاهر يرتسم في أسارير وجهه ويسري في شرايين جسمه فيفتح فاه أو يلجأ إلى قلمه للتعبير عما يختلج في نفسه وما يخامره من الإحساسات والنزوات؟ وما جميع هذه الإحساسات والاختلاجات الذاتية إلا في تطور مستمر مع الإنسان منذ خلق الله العالم إلى اليوم، فقد كان التعبير في فجر حياة الإنسان بدائيا بسيطا لا يعدو حركات وإشارات، ولكنه ما عتم أن أصبح كلمات واضحة تخرج من أعماق الإنسان ويترجمها اللسان بأجمل لفظ وأكمل بيان. وقديما قال الشاعر العربي زهير ابن أبي سلمى:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده       فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقالت الحكماء: لسان المرء من خدم الفؤاد.

وإذا كان من البديهي أن يتطور شعور الإنسان مع تطور هذا الأخير، فمن البديهي كذلك أن يتطور التعبير مع تطور الشعور وأن تطرأ على التعبير تطورات كبيرة تجعله يستطيع أن يترجم عواطف الإنسان وإحساساته في مختلف مراحل تطوره ومدارج تقدمه، وليس من المعقول في شيء أن تظل عواطف الإنسان وشعوره منذ الخطيئة الأولى أو الأصلية إلى النصف الثاني من القرن العشرين بعدما مر هذا الإنسان في نموه وتطوره بمراحل كثيرة عرفها تاريخ البشرية وعاشتها شعوب العالم أجمع.

وبما أن الشعور والتعبير جزآن أساسيان بل أصليان في العمل الأدبي، وبما أن هذه القيم الشعورية والتعبيرية قد تطورت حسب تطور الإنسان فمن اللازم أن يتطور العمل الأدبي ويساير تيار هذه القيم.
ولعل هذا ما جعل الآداب الإنسانية في مختلف الأعصار والأمصار المرآة الصادقة التي تنعكس عليها تيارات العصر واتجاهات بني الإنسان فيه، وآلة الالتقاط التي تصور انفعالات البيئات والمجتمعات في مختلف الأمكنة والأزمنة، وقد اضطرت الآداب الإنسانية أن تعرف في حياتها -تبعا لتطورات الإنسان وتقلبات الزمان- تطورات وتقلبات بقيت لنا خير ذخيرة تقف بنا على هذه المراحل الحتمية التي مرت بها البشرية منذ عهد الإغريق والرومان ومنذ ما قبل التاريخ إلى الآن، فكل من تصفح تاريخ الآداب الإنسانية وتدبر في المراحل التي مرت منها والخطوات التي عرفتها أدرك أن هذه الآداب جزء لا يتجزأ من تاريخ البشرية وأنها تحمل في طياتها الكثيفة العميقة صورا خالصة وأخبارا صادقة عن تطور الشعوب والمتاهات التي عبرتها الأجيال البشرية طوال تاريخها القديم والحديث.

والأدب ملزم بمسايرة هذا التطور ومتابعة سير الأحداث والشعوب، وإلا عد الأدب أداة جامدة لا تعرف التكيف ولا تدرك التطور، ونحن عندما نتكلم عن الأدب فإننا نطلق هذا اللفظ العام على الأدب كمادة، كما نعني الأدباء الذين يخلقون هذا الأدب وينفخون فيه من روحهم، ومن البديهي أن ما يهم الأدب يهم أولا وبالذات الأدباء لأنهم المعبرون الحقيقيون عن هذا التطور والمترجمون للحركات الأدبية في سائر أرجاء الدنيا، وإذا كان العلماء يترجمون تطورات العلم ومدى ما عرفته آفاقه من توسع وانتشار فإن الأدباء مترجمون لمشاعر البشرية وإحساسات بني الإنسان في مختلف جوانبها ووجوهها.

وما أجدرنا أن نقف طويلا في هذا المضمار لنحلل الآثار العالمية الخالدة التي أصبحت سجلا حافلا بالانفعالات الإنسانية والإحساسات البشرية والمشاعر الفردية والعواطف المتأججة والدافئة التي اعترت بني الإنسان في حياتهم منذ بدء الخليقة إلى الآن، ولكن القيام بهذا العمل أمر لا يسمح به مثل هذا البحث الذي لا يمكن أن يتعدى ظرفا معلوما وجيزا مضبوطا، ولكن هذا لن يمنعنا أن نضرب أمثلة حية من أدبنا العربي وغيره من الآداب الإنسانية التي عمرت طويلا والتي واكبت التيارات الأدبية الجارفة والأمواج العلمية العارمة التي عرفت الوجود في تطوره وبرزت مع الكون في نموه وازدهاره.

وما الأدب العربي إلا مثال حي لكل ما ذكرنا، فقد استطاع هذا الأدب أن يعيش فترة الجاهلية ترجمانا معبرا خالصا عن أحوال المجتمع العربي الجاهلي وحاجيات العرب في ذلك العهد السحيق، ويتجلى امتزاج هذا الأدب مع بيئته في المعلقات السبع أو العشر التي يمكن أن نعتبر كل وحدة منها صورة صادقة عن العرب آنذاك، فكل منها تصور مشاعر العرب في تلك الفترة وآمالهم وعواطفهم، وكل منها تعبير حي عما كان يخالج المجتمع العربي من شعور وانفعالات من فخر وحماسة وبطولة وعصبية قبلية ووفاء سموألي وكرم حاتمي مع شطحات جدلية فلسفية واعتقادية وأخلاقية وغزل مناسب لروح ذلك العهد.

ولما بزغ فجر الإسلام وانتشرت دعوته السمحة وآمن بها من آمن العرب وغير العرب وحصل ما حصل للعرب والمسلمين من تطور في المعتقدات والمعيشة والمعاملات كان لابد للأدب العربي في تلك الحقبة الجديدة أن يتطور مع المجتمع، ذلك أن الدعوة الإسلامية قد نفخت في روح الأدب الجديد وأصبح هم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نشر هذه الدعوة والجهاد في سبيلها، ذلك أن العرب أصبحوا ذوي رسالة مقدسة يتعين عليهم حملها إلى العالم أجمع من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب فحصل بذلك تطور في المشاعر وظهر بهذا تحول في آمال العرب وما يخامر نفوسهم من انفعالات دينية ومؤثرات عقائدية لم يجد الأدب بدا من التعبير عنها وتصويرها تصويرا صادقا خالصا يتجلى في أشعار حسان بن ثابت، وحكم علي بن أبي طالب، وخطب الخلفاء الراشدين جميعهم وسائر التراث الأدبي الذي بقي لنا عن هذه الفترة الإسلامية المجيدة.
وجاء بعد ذلك العصر الأموي والعهد العباسي وما طرأ على المجتمع العربي أثناءهما من مؤثرات خارجية نظرا لاحتكاك العرب بالفرس والرومان وغيرهم من الشعوب الأجنبية، خصوصا في عهد بني العباس، فما كان على الأدب العربي إلا أن انسجم مع العهد الجديد، فأخذ ما أخذ وأعطى ما أعطى، وبقيت في أدبنا العربي ثروة هائلة تفصح عن التطور الذي طرأ على العرب والمسلمين وتؤكد مسايرة أدبنا لهذا التطور، وما أبو نواس وابن الرومي والبحتري وأبو العتاهية إلا أمثلة حية على التيارات التي جرفت الأدب العربي وفعلت مفعولها في نفوس شعرائه وكتابه وأدبائه الذين لم يجدوا بدا من الانسياق في المسارب الجديدة والمجالي الواسعة والآفاق البعيدة التي تفتحت أمامهم.

وليس أسلوب أبي حيان والجاحظ وطريقة عبد الحميد الكاتب هما أسلوب قس بن ساعدة الإيادي أو أحد الكتاب في صدر الإسلام، كما أن غزل عمر بن أبي ربيعة وجميل بثنية ليس بغزل عنترة بن شداد أو امرئ القيس رغم صدق عواطف هذين الأخيرين، وحرارة شعورهما وشدة إحساسهما، فقد تطورت القيم الشعورية كما تطورت القيم التعبيرية وحصل تطور محسوس في المفاهيم الأدبية النثرية منها والشعرية كما حصل تطور ملحوظ في الاتجاهات. وعرفت الأمة العربية بعد ذلك هزات عنيفة وثورات شديدة البأس كان الأدب العربي يسايرها في سموها وارتفاعها ويكبو معها في كبواتها، وبين كل ذلك يتجلى لنا الأدب العربي منفعلا مع بيئته، مسايرا للتطورات التي يعرفها المجتمع العربي منسجما مع انفعالات العرب والمسلمين في كل زمان ومكان.

وقد عرف أدبنا العربي بنفسه هذه التطورات التي عاشها العالم العربي والتي كانت ترن في آذان الأدباء المغاربة الذين كانوا يكثرون من الرحلات والتنقلات بين أجزاء العالم العربي والإسلامي وربوعه. فكان منهم من يغتنم فرصة الحج ليطوف في بلاد العرب، وكان منهم من يشتاق إلى رؤية إخوانه المسلمين فيفضل حياة التجول على حياة الاستقرار، وكان من الطبيعي أن يقف هؤلاء المغاربة على أحوال العرب والمسلمين ويعتبروا ما يجري من أحداث في المجتمعات العربية والإسلامية ويساهموا فيها، كما وقع لابن خلدون الذي شارك في كثير من المؤتمرات وتدخل في عديد من القضايا الخاصة بالأقطار التي وصل إليها في مطافه كما تولى مناصب عليا في كثير من الأحوال، وكما حصل لابن بطوطة الذي أصبح في بلدان كثيرة صاحب الرأي ومنفذ الحكم والقضاء ومدبر الأمور.

وقطع أدبنا المغربي أشواطا كبيرة في هذا الميدان بين مد وجزر حتى أصاب المغرب ما أصابه من الاحتلال الأجنبي ظل بمعزل عنه في كثير من الأحيان مفضلا الانزواء على نفسه، ففتح المغرب وأبناء المغرب عيونهم على العالم الجديد ووصلتهم أصداء النهضة الحديثة في المشرق العربي وما يقوم به روادها في مجالي النشر والتأليف، كما فتح المغرب وأبناء المغرب عيونهم على أوربا وما يجري فيها من صراع عقائدي وتنافس بين المدارس الأدبية والتيارات الفكرية واطلعوا على الإنتاج الأوربي في لغته كما اطلعوا عليه بواسطة الترجمة، فتغير التفكير المغربي وتطور وتحول العمل الأدبي في بلادنا وتقدم، وظهرت فيما قبل الاستقلال وبعد الاستقلال محاولات جريئة تنبئ باستعدادنا الفطري واستعداد أدبنا للتطور ومسايرة تياره، وبرز في الوجود أدباء ومفكرون وكتاب ومؤرخون اعتمدوا على أنفسهم للدخول بأقلامهم الفتية وأفكارهم المتركزة في المعركة الأدبية والحركة الفكرية العالمية موجهين الشراع نحو السحب رغم كثافتها وشاقين دياجير الظلام الدامس الذي عاشت فيه بلادنا منذ قرون.

ومن الطبيعي أن يعرف أدبنا تطورا عظيما في هذه الفترة بعد أن تأرجح طويلا بين مسايرة التيارات الحديثة والبقاء بمعزل عنها والتكيف مع الأجواء الجدية والفرار منها، وهكذا عرفت الثقافة المغربية المعاصرة كيف تطرق مواضيع حيوية، كما عرف المغرب القصة في مدلولها الحديث والأقصوصة والبحث المتركز الشامل والمقالة المسايرة لروح العصر وحاجيات إنسان القرن العشرين.

إننا لا ننكر أنه ما زال موجودا في بلادنا شعراء يسيرون على نهج ابن حيوس والجراوي شاعر الدولة الموحدية وعلماء يجترون أسلوب أبي العباس السبتي والقاضي عياض وأبو جيدة، ولكننا لن نستطيع أن ننكر وجود طائفة واعية من الشباب الذين تحرروا في تفكيرهم من تقليد الماضي واندفعوا في مسايرة التيارات الفكرية العارمة التي تعم العالم بأسره كعبد المجيد بن جلون والمرحومين عبد الكريم بن ثابت والمعداوي، وعبد الجبار السحيمي وعبد الكريم غلاب والدكتور الحبابي والخمار وحسن الطريبق ومحمد برادة ومحمد الصباغ ومحمد التازي وغيرهم رغم اختلاف اتجاهاتهم وتباين ميولهم.

والشيء الذي يتجلى من إنتاج هؤلاء الشباب أنهم لا يحنون إلى الماضي ولا يجترون رواسبه ولا يتقيدون بما كان يتقيد به أسلافهم في مختلف المراحل التي قطعها تاريخ المغرب ولكنهم يعبرون عن آمال مواطينهم وينسجمون مع تيارات التطور التي تجرف العالم في هذا النصف الثاني من القرن العشرين، فمنهم من ارتضى الالتزام في كتابته وشعره ومنهم من فضل الأدب لأنه أدب ومنهم من اتخذ الرمزية غايته في التعبير، ومنهم من تشم من كتاباته رائحة الحزن والألم والعجز، إلى غير ذلك من المدارس الأدبية المعروفة والمذاهب الفكرية والفلسفية التي لم تعرفها بلادنا قبل اليوم.

ونلفت النظر إلى أن كلامنا عن الأدب المغربي لا يعني أننا فصلناه عن الأدب العربي العام، فالغاية من التعرض إليه هي الوقوف على التطورات التي عرفها هو أيضا والسبل التي سلكها في نطاق حدود بيئتنا المغربية، وإلا فالأدب المغربي جزء لا يتجرأ من الأدب العربي الذي لا فرق بين قيمه الشعورية والتعبيرية لا في الشرق ولا في الغرب
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here