islamaumaroc

الطبري

  دعوة الحق

64 العدد

يعتبر ابن جرير الطبري من أشهر المؤرخين العرب الذين كتبوا تاريخ العرب منذ العصور الأولى حتى قبيل وفاته في القرن الرابع الهجري، كما يعتبر من عمالقة المفسرين لآيات القرآن الكريم وأصحاب التفاسير المشهورة في عالم التفسير، وأخذ عنه كثير من المفسرين، واستشهدوا بآرائه. وكان ابن جرير الطبري إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك وله مصنفات نفيسة في علوم عديدة تدل على سعة علمه وغزارة فضله وكان من الأئمة المجتهدين وله شعر حسن جاء فيه:

إذا عسرت لم يعلم شقيقــي        واستفني  فستفني صديقي
حياتي حافظ لي ماء وجهـي        ورفيقي في مطالبتي رفيقـي
ولو أني سمحت ببذل وجهي       لكنت إلى الغنى سهل الطريق

وقد عكف الطبري منذ نعومة أظفاره على تلقي العلم من العلماء والفقهاء، وطالع الونا مختلفة من كتب الأدب والفقه واللغة، ولد في ظبرستان عام 224هـ، وقد وقع الشك في تاريخ ولادته غير أن هذا التاريخ هو المذكور في اغلب المراجع وتحدث أبو جعفر الطبري عن حداثته فقال: «حفظت القرآن ولي سبع سنين وصليت بالناس وأنا بين ثمان سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع كما قال ورأى لي أبي في النوم أني بين يدي رسول الله(ص)، وكانت معي مخلاة مملوءة حجارة وأنا ارمي بين يديه، فقال له المعبر« انه ان كبر نصح في دينه، وذب عن شريعته، فحرص أبي على معونتي في طلب العلم وأنا حينذاك صبي صغير» وصدقت الرؤيا، وغدا ابن جرير الطبري إماما من أئمة التفسير والتاريخ، وقد طوف الطبري في شتى الأقطار والأمصار، فرحل إلى الرأي وما جاورها من الأصقاع، وأخذ عن أقطابها وفقهائها، ودرس فقه العراق على أبي مقاتل وكتب عن احمد بن حماد الدولابي كتاب المبتدأ، وأخذ مغازي ابن إسحاق بن سلمة بن الفضل، وعليه بني تاريخه فيما بعد، ثم اختص بابن الرازي، وقال الطبري:كنا نكتب عن محمد بن حميد الرازي فيخرج إلينا في الليل مرات ويسألنا عما كتبناه ويقرأه علينا، قال: وكنا نمضي إلى احمد بن الدولابي وكان في قرية من قرى السري بينها وبين قطعة ثم نعدو كالمجانين حتى نصير إلى محمد بن حميد فنلحق مجلسه».
ورحل إلى بغداد حيث كان نفي نيته التلمذة على الإمام احمد بن حنبل، غير أن أنباء وفاة ابن حنبل وصلته قبل مقدمه إلى بغداد فحزن حزنا شديدا على وفاته واتجه صوب البصرة حيث اتصل بمحمد بن موسى الحرشي وعماد بن موسى القزاز، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعائي، وبشر بن معاذ وغيرهم من العلماء وذوي الرأي، واتجه صوب الكوفة حيث اتصل بهناد بن السرى، وإسماعيل بن موسى واخذ عنهما الحديث كما اتصل بسليمان بن خلاد الطلحي واخذ عنه القراءات وقابل أبا كسريب محمد بن العلاء الهمذاني، وكان من أئمة العلماء في هذه الفترة وذهب إلى بيروت حيث اتصل بالعباس بن الوليد البيروتي المقري، والى الفسطاط حيث التقى بابي الحسن السراج المصري وكان أديبا ملما بفنون الكلام، وكان الناس يأتون إلى الطبري يسألونه عن فنون الفقه والحديث واللغة والنحو والشعر فيجيبهم إجابة وافية شافية، وسئل عن شعر الطرماح فإذا هو يحفظه، فسئل أن يمليه ويشرح غريبه فأملاه عند بيت المال بالجامع، وألم ابن جرير الطبري بعلم العروض بعد ما كان لا يتقنه، وروى الخطيب البغدادي قصة طريفة وقعت ابن جرير في مصر جاء فيها: جمعت الرحلة بين محمد بن جرير ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فارملوا لوم يبق عندهم ما يقوتهم واضر بهم الجوع، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، اتفق رأيهم على أن يضربوا القرعة، فمن خرجت عليه سال لأصحابه الكلام فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أتوضأ واصلي صلاة الخيرة، قال فاندفع ففي الصلاة فإذا هو بالشموع وخصي من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب فنزل عن دابته فقال:أيكم محمد بن نصر، فقيل هو ذا، فاخرج صرة فيها خمسون دينار فدفعها إليه ثم قال: أيكم محمد بن جرير، فقالوا هو ذا، فاخرج صرة فيها خمسون دينارا فدفعها إليه، ثم قال أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة، فقالوا هو ذا يصلي، فلما فرغ دفع إليه الصرة وفيما خمسون ديناران ثم قال أن الأمير كان قائلا بالأمس فرآني في المنام خيالا قال إن المحامد طووا كشحهم جياعا فأنفذ إليكم هذه الصرار واقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إلى أحدكم، وذكر ابن عساكر انه لما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إلى أبي جعفر الطبري بمال كثير فامتنع عن قبلوه وعرض عليه القضاء فأبى، وعرض عليه المظالم فامتنع، فعاتبه أصحابه وقالوا له، لك في هذا ثواب، وتحيي سنة قد درست وطمعوا في قبوله المظالم، وباكروه ليركب معهم لقبول ذلك فانتهرهم، وقال لقد كنت أظن لو رغبت ذلك لنهيتموني عنه ولا مهم. ويروى عن الطبري انه كان يكتب من الظهر إلى العصر، وكان يجلس للناس يقرئ ويقرأ عليه إلى المغرب، ثم يجلس للفقه والدرس بين يديه إلى عشاء الآخرة، ثم يدخل منزله، كما كان الطبري شديد العناية بمظهره، ويروي انه كان يكره تفضيل احد تلاميذه على سائرهم، فلو لم يستطع طالب الحضور ذات يوم اجل الطبري مجلسه إلى أن يتاح له الحضور في ميعاده، وكان مغرما باقتناء الكتب النادرة والذخائر النفيسة، ويروي وراق أن الطبري التمس منه إذا عزم على تأليف رسالة من القياس أن يجمع له ما أمكنه من الكتب فيه فجمع له الوراق نيفا وثلاثين كتابا فأقامت عنده مدة مديدة ثم ردها وفيها علامات بحمرة، ويذكر القاضي أبو جعفر التنوخي المعروف بابن بهلول المتوفى عام 318هـ أن الطبري لم يكن يستحق الشهرة وذيوع الذكر الذي ظفر به إذ حدث أن التقى به في خبازة واشتبكا في حوار، وكشف كلاهما عن معرفة في الأدب، بيد انه عندما التقى به مرة أخرى انتهز التنوخي الفرصة لاختيار الطبري، فكلما ذكر قصيدة طلب إليه أن ينشدها كاملة حذف منها أبياتا كثيرة وتلعثم كثيرا. ويبدو أن هذه القصة لا تنقص من قدر الطبري المؤرخ، وقد انتقل الطبري إلى جوار ربه عام 310هـ، فحزن عليه تلاميذه حزنا شديدا وشيعه أناس كثيرون وذكر ياقوت في معجمه انه قيل في شأنه، كان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، والنحوي الذي لا يعرف إلا النحو، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب، وكان عالما بالعبادات جامعا للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها، وروي عن ابن حامد الاسفراني الفقيه انه قال لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا.. أما في علم الحديث فقد صنف الطبري كتاب(تهذيب الآثار) ووصفه ابن عساكر بأنه من عجائب كتبه وذكر النووي في كتاب تهذيب الأسماء واللغات انه في طبقة الترمذي والنسائي، وقد ألف الطبري كتاب آداب الممالك ويتناول الأعمال التي يقوم بها الحاج منذ خروجه حتى انقضاء حجه، وكتاب آداب النفوس، وكتاب بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام، وكتاب اختلاف علماء الأمصار، وكتاب في الفقه، وكتاب البصير في معالم الدين، وكتاب حديث الطبري، وغير ذلك من الكتب، أما كتاب تاريخ الرسل والملوك فيعد من أشهر مؤلفات الطبري بعد تفسيره، ويظهر انه ألفه بعد التفسير، وقد بدأه بتاريخ آدم ومن جاء بعده من الأنبياء والرسل على ترتيب ذكرهم في التوراة مع تعرض للأحداث التي جرت في هذه الأيام، وانتهى من تاريخه في يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأول عام ثلاث وثلاثمائة، وجرى الطبري في تاريخه على النهج الذي اتخذه المحدثون، وذلك بان يذكر الحوادث بمقدار ما عنده من الطرق، ويذكر السند حتى يتصل بصاحبه، وقال في صدر تاريخه موضحا منهجه، (وليعلم الناظر في كتابنا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره منه مما شرطت إني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه من بعض الماضين مما يستنكره قائله أو يستشفه سامعه من اجل انه لا يعرف له وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم انه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتى في بعض ناقليه إلينا أنا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدي ألينا، وقبل أن يمضي ابن جرير الطبري في سرد تاريخه تعرض لزمان وابتدائه وانتهائه، والقول في الإبانة عن فناء الزمان، والليل والنهار، وان لا شيء يبقى غير وجه الله تعالى ذكره والقول في ابتداء الخلق وما كان أوله وسرد في هذا أحاديث شتى ووضح أن العلم أول ما خلق الله تعالى ومن الأحاديث التي ذكرها في هذا الصدد قال: حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن أبي ظبيان عن ابي عباس قال: أول أول فما خلق الله من شيء العلم فجرى بما هو كائن، ثم اقل أن الله جل جلاله خلق بعد القلم وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة سحابا رقيقا وهو الغمام الذي ذكره جل وعز في محكم كتابه فقال:( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام) وذلك قبل أن يخلق عرشه وبذلك ورد الخبر عن رسول الله(ص) وتعرض الطبري في تاريخه إلى الوقت الذي خلق فيه آدم عليه السلام، والوقت الذي هبط فيه إلى الأرض، وذكر بعد ذلك أحاديث مختلفة ثم تعرض للموضع الذي اهبط آدم وحواء إلى الأرض حين اهبطا إليها، وذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم عليه السلام بعد أن اهبط إلى الأرض وتعرض للأنبياء والمرسلين حسب ظهورهم وأداء رسالتهم، وفي القسم الإسلامي، رتب الحوادث من عام الهجرة حتى عام 302هـ، وذكر في كل سنة ما وقع فيها من الأحداث المذكورة والأيام المشهورة والوقائع الكبيرة والصغيرة، وقد وجدت نسخ مخطوطة من تاريخ الطبري في مكتبات الأستانة وباريس وتوتنجيد والمتحف الهندي ومكتبة لندن وجامعة استارسبورج ومكتبة برلين، ومكتبة الجمعية الأسيوية في مدينة كلكتا، وغيرها من المكتبات العالمية، وبعض هذه النسخ كاملة مستوفاة، والبعض الآخر يضم أقساما من هذا التاريخ، وقد توفر على دراستها عدد كثير من المستشرقين من مختلف الجنسيات، نذكر منهم بارت ولولوكه ولت، وجودي ومولر، وغيرهم كما ترجمت أجزاء كثيرة من هذا التاريخ إلى الانجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من لغات العالم، وللطبري غير كتبه في التاريخ نقده المشهور المسمى(جامع البيان عن وجوه تأويل أي القرآن)، ويتراءى في هذا الكتاب ولع ابن جرير الطبري بعلم التفسير وتفننه في توضيح مكنونات البلاغة والبيان وروائع الحكم والأسرار في كتاب الله العزيز، وكان ابن جرير الطبري يقول(إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقراءته، والملاحظ على تفسير الطبري كثرة الفصول في عباراته وتباعد أطراف الجمل فلا يسلم المعنى حتى يعاود القراء قراءته مرة مرة، ومن يرجع إلى كتب التفسير يجد أن بعضها ينقل عنه، وقد ينسب إليه ما يوجد في كتابه، ولعل ذلك يرجع إلى بعض الجمل المبهمة الموجودة في التفسير التي ربما اخطأ المفسرون مراد ابن جرير الطبري، ويلاحظ أن ما طبع من تفسير الطبري المصحفة أو المحرفة، ولعل هذا يرجع إلى المخطوطات البالية وضخامة الكتاب والحاجة إلى مراجعة عشرات الكتب ابتغاء التحقيق والتدقيق وطول الصبر وشدة الروية والأناة، والنسخ المخطوطة من تفسير الطبري لا تكاد توجد،والذي يوجد منها في دار الكتب أجزاء مفردة من الجزء الأول والجزء السادس عشر ومنها مخطوطة واحدة كانت في خمسة وعشرين مجلدا ضاع منها الجزء الثاني والثالث وهي قديمة غير معروفة التاريخ، ونقل عن ابن جرير الطبري السيوطي في الدر المنثور، والشوكاني في كتابه(فتح القدير)، أما ما جاء في النحو والصرف فقد نقل عنه أبو عبيدة في(مجاز القرآن) والفراء في معاني القرآن، ويقال أن الطبري كان يقول انه حدث نفسه بهذا التفسير وهو صبي واستخار الله في عمله فأعانه الله سبحانه، ثم لما أراد الله أن يملي تفسيره قال لأصحابه أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا كم يكون قدره ؟ فقال ثلاثون ألف ورقة، فقالوا هذا مما تفنى منه الأعمار قبل تمامه، فاختصر لهم في ثلاثة آلاف ورقة فكان هذا الاختصار سببا في تركه البيان الكثير، وهذا الاختصار واضح جدا لمن يتتبع هذا التفسير من أوله إلى آخره وهو يدعو الله التوفيق في إصابة القول في محكم القرآن ومتشابهه وحلاله وحرامه، وعامه وخاصه، ومجمله ومفسره، وناسخه ومنسوخه، وظاهر وباطنه، وتأويل آية، وتفسير مشكله ودعا الله أن يلهمه التمسك به والاعتصام بمحكمه والثبات على التسليم لتشابه وأضاف قائلا(واعلموا عباد الله رحمكم الله أن أحق ما صرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، وما كان لله في العلم رضى وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى. وان اجمع ذلك لباغي كتاب الله الذي لا ريب فيه) وتنزيله الذي لا مرية فيه- الفائز بجزيل الشكر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونحن في شرح تأوليه وبيان ما فيه من معانيه منشئون إن شاء الله ذلك كتابا مستوعبا لكل ما بالناس إليه الحاجة من عمله- جامعا- ومن سائر الكتب في ذلك كافيا، ومجبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة- فيما اتفقت عليه فيه، واختلافها فيما اختلفت فيه.
وقد أوضح بن جرير الطبري في مطلع تفسيره القول في البيان عن اتفاق معاني أي القران ومعاني منطق من نزل بلسانه القرآن من وجه البيان والدلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة من الإبانة عن فضل المعنى الذي به باين القرآن سائر الكتب.
وأوضح ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره منزلة العرب في البلاغة والبيان، وقدرتهم على الإتيان بروائع البلاغة فقال أن من أعظم نعم الله تعالى على عباده وجسيم منته على خلقه ما منحهم من فضل البيان الذي به عن ضمائر صدورهم يبينون، وبه على عزائم نفوسهم يدلون، فذلك منهم الألسن وسهل به عليهم المستصعب فيه إياه يوحدون، وإياه به يسبحون ويقدسون والى حاجتهم به يتوصلون، وبدينهم يتجاورون فيتعاونون ويتعاملون ثم وضح ابن جرير الطبري على اثر ذلك أن الله عز وجل جعل الناس طبقات، ورفع بعضهم فوق بعض، فبين خطيب مهيب ذلق اللسان مهذب، ومعجم عن نفسه لا يبين وعي عن ضمير قلبه لا يعبر، وجعل إعلامهم فيه رتبة وارفعهم فيه درجة وابلغهم فيما أراد به بلاغا، ثم عرفهم في تنزيله ومحكم أي كتابه فضل ما حباهم به من البيان على من فضلهم به عليه من ذوي إليكم والمستعجمي اللسان، وفي ذلك يقول الله عز وجل تباركت آلاؤه، أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين، بسورة الزخرف آية 18 فضل بذلك أهل البيان عن أهل البكم والمستعجم اللسان.
وخرج من ذلك ابن جرير الطبري إلى قوله انه لا بيان أبين، ولا حكم ابلغ، ولا منطق أعلا، ولا كلام اشرف من بيان ومنطق تحدى به امرؤ قوما في زمان هم رؤساء صناعة الخطب والبلاغة والشعر والفصاحة والسجع والكنانة على كل خطيب منهم وبليغ وشاعر وفصيح، وكل ذي سجع وكهانة، فسفه أحلامهم وقصر بعقولهم وتبرا من ربهم، واخبرهم أن دلالة على صدق فعله، وحجة على حقيقة توبته ما أتاهم به من البيان والحكم والفرقان بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق يوافق معانيه معاني منطقهم، ثم أنبأ جميعهم أنهم عن إن يأتوا بمثل بعضه عجزة، ومن القردة على تقصيه اثر جميعهم بالعجز، واعترفوا له بالتصديق، وشهدوا على أنفسهم بالنقص إلا من تجاهل منهم وتعاصى واستكبر، فحاول تكلف ما قد علم انه غير عاجز، ورام ما قد تيقن انه عليه غير قادر، فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترا ومن وعي لسانه ما كان مصونا فأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الأخرق والجاهل الأحمق فقال والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا فالخابزات خبزا والثاردات تردا واللاقمات لقما ونحو ذلك من الحماقات والترهات الكاذبة، ووضح ابن جرير الطبري أن الله انزل القرآن عربيا لأنه جل ثناؤه أرسله بلسان من أرسله إليهم وكل كتاب انزله الله على نبي وكل رسالة أرسلها الله إلى أمته فإنما انزلها بلسان من انزلها أو أرسلها إليه، ولذلك انزل اله تعالى القرآن بلسان محمد(ص) ولما كان لسان محمد)ص) عربيا لذلك جاء القرآن عربيا فقال تعالى(إن أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) يسف، وقال تعالى (وانه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)الشعراء 192-195.
ووضح ابن جرير الطبري أن بعض العلماء يقولون أن في القرآن من كل لسان ولكن ليس معنى هذا أن بعض القرآن عربي والبعض الآخر فارسي أو رومي فالقرآن كما قال الله عز وجل عربي بلسان العرب ووضح ابن جرير الطبري أن القرآن نزل على سبعة أحرف واستشهد بحديث الربيع قال أسد قال حدثنا أبو الربيع السجان قال حدثني عبيد بن أبي يزيد عن أبيه عن أم أيوب أنها سمعت النبي(ص) يقول نزل القرآن على سبعة أحرف فما قرأت أصبحت وحدثنا إسماعيل بن موسى السدي قال: انبأنا شريك عن أبي اسحاق عن سليمان بن صرد يرفعه قال« أتاني ملكان فقال احدهما: اقرأ قال على كم قال: على حرف قال زده حتى انتهى إلى سبعة أحرف وحدثنا أبو كريب قال:حدثنا حمد بن فضيل عن إسماعيل بن أبي خالد بإسناده عن النبي(ص) بنحوه وقال قال لي أعندك بالله من الشك والتكذيب وقال أيضا إن الله أمرني أن اقرأ القرآن على حرف فقلت:اللهم خفف عن أمتي قال اقرأه على سبعة أحرف من سبعة بأبواب الجنة كلها شاف واف كما جاء في حديث آخر ما لم يختم آية عذاب رحمة أو آية رحمة بآية عذاب وقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ كقولك هلم وتعالى باتفاق المعاني لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام ووضح ابن جرير الطبري في تفسيره ضرورة الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة وروى في ذلك جملة من الأحاديث الصحيحة ومثال ذلك حدثنا بن حميد قال حدثنا جرير عن عطاء عن أبي عبد الرحمن قال حدثنا الذين كانوا يقرئننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي(ص) فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعا وحدثنا أبو كريب قال حدثنا جابر نوح قال حدثنا الاعمشي عن مسلم عن مسروق قال قال عبد الله والذي لا اله غيره ما تليت آية من كتاب الله إلا وأنا اعلم فيم نزلت ولو اعلم مكان احد اعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وحدثنا يحيى ابن إبراهيم المسعودي قال حدثنا أبي عن أبيه عن جده عن الاعمشي عن مسلم عن مسروق قال كان عبد الله يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار ولذلك كان تفسير القرآن الكريم من أهم الوسائل إلى تفهم القرآن عالما وبكلام العرب عارفا أما من كان جاهلا فعليه أن يعلم معاني كلام العرب ثم يتدبره بعد ذلك ويتعظ بحكمه وصنوف غيره، ووضح ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره الأغلاط التي غلط في تأويلها منكرو القول في تأويل القرآن واستشهد ببعض الأحاديث في ذلك الشأن ومن ذلك حديث محمد بن بشار قال حدثنا بشر بن عمر قال حدثنا مالك ابن انس عن يحيى ابن سعيد قال سمعت رجلا يسال سعيد ابن المسيب عن آية من القرآن قال: لا أقول في القرآن شيئا، كما حدثنا يونس قال حدثنا ابن وهب قال اخبرني مالك عن يحيى بن سعيد بن المسيب انه إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال أنا لا أقول في القرآن شيئا وحدثنا ابن المثنى قال حدثنا سعيد ابن عامر عن شعبه عن عبد الله بن أبي الشعر قال الشعبي والله ما من آية إلا وقد سالت عنها ولكنها الرواية عن الله وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن عليه عن صالح- يعين ابن مسلم حدثني رجل عن الشعبي قال:ثلاث لا أقول فيهم حتى أموت القرآن والروح والرأي إلا أن ابن جرير الطبري وضح أن بعض آيات القرآن الكريم لا يفهم تأويله إلا ببيان الرسول(ص) ولا يعلمه رسول الله إلا بتعليم الله إياه ذلك بوصية إليه أما مع جبريل أو مع من شاء من رسله فذلك هو الرأي الذي كان رسول الله(ص) يفسرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه وهن ولاشك آي ذوات عدد. ومن آي القرآن، ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثر بعلم تأويله فلم يطلع على علمه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولكنهم يومنون بأنه من عنده وانه لا يعلم تأويله إلا الله أما ما لابد للعباد من علم تأويله فقد وضح ابن جرير الطبري أن النبي بين ذلك بوصية من جبريل وذلك هو المعنى الذي آمره الله ببيانه لهم فقال جل ذكره (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) سورة النحل آية 33، وقال الطبري أن كل سورة من سور القرآن تجمع على سور على تقدير خطبة وخطب، وغرفة وغرف والسورة بغير همز، المنزلة من منازل الارتفاع، ومن ذلك سور المدينة سمي بذلك الحائط الذي يحويها لارتفاعه على ما يحويه غير أن السورة من سور المدينة لم يسمع في جمعها(سور) كما سمع في مجمع سورة من القرآن سور وأما الآية من أي القرآن فإنها تحتمل وجهتين في كلام العرب احدهما أن تكون سميت آية لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها كالآية التي تكون دلالة على الشيء يستدل بها عليه كقول الشاعر:

الكنى إليها عمرك الله يا فتى      بآية ما جاءت إلينا نهاديا

يعني بعلامة ذلك ومنه قوله عز وجل« ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك(سورة المائدة 114) أي علامة منك لإجابتك دعاءنا وإعطائك إيانا سولنا والآخر منها، القصبة كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى.

إلا ابلغنا هذا المعرض آية   ايقظان قال القول إذا قال أم حكم يعني بقوله آية رسالة مني وخبرا عني، فيكون معنى الآيات القصص، قصة تتلو قصة بفصول ووصلوا، وغدا ما أردنا نعطي للقارئ نموذجا في فنون الكلام وإلمامه بضروب التفسير أوضحنا قوله في تفسير الآية الكريمة(لها ما كسبت وعليها ما اكتسب) فان الطبري قال إن هذه الآية تنبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب ولا مثابين إلا بما كسبته من خير وقيل أن ذلك كذلك وغير مؤاخذا لعبد بشيء من ذلك يفعل ما نهي عن فعله أو ترك ما أمر بفعله، قال فإذا كان ذلك كذلك فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله( ويعذب من يشاء) إن كان لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا من هم بذنب أو إرادة المعصية لم تكسبه جوارحنا ؟ قل له إن الله جل ثناؤه وعد المومنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به احدهم من المعاصي فلم يفعله وهو ما ذكرنا من وعده أباهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها. وإنما الوعيد من اله عز وجل بقوله( ويعذب من يشاء) على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك من الله، والمرية في وحدانيته، أو في نبوة نبيه(ص) وما جاء به من عند الله أو في المعاد والبعث من المنافقين، على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله( أو تخفوه يحاسبكم به الله) على الشك واليقين، غير أنا نقول أن المتوعد بقوله( ويعذب من يشاء) هو من كان إخفاء نفسه منا تخفيه الشك والمرية في الله وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا والموعود بالغفران بقوله(فسيغفر لمن يشاء( هو الذي إخفاء ما يخفيه ألهمه بالتقدم على بعض ما نهاه اله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته فحرمه على خلقه جل ثناؤه. فان الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا به كما روى عن رسول الله(ص) وهكذا نرى الطبري يعمد إلى الأسلوب المعقد في التفسير في بعض الأحيان والى التراكيب التي يحتاج فهمها إلى كثير من المشقة بيد انه كان يعمد إلى الشعر العربي لتفسير بعض الألفاظ ككلمة(الأكمه) في قوله تعالى في سورة آل عمران( وأبرئ الأكمه والأبرص) فيقول المعروف عند العرب من معنى الكمه العمى يقال منه كمهت عينه فهي تكمه كمها واحكمها إنا إذا أعميتها كما قال سويد بنابي كاهل اليشكري:

كمهت عينيه حتى ابيضتا    فهو يلحى نفسه لما نزع
ومنه تقول روية:
هجرت فارتدا ارتدادا الأكمه   في غائلات الحائر المتهت ويفسر كهلا في قوله تعالى( ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين) فيقول وكهلا أي محتنكا فوق الفلومة ودون الشيخوخة يقال منه رجل كهل وامرأة كهلة كما قال الراجز:

ولا أعود بعدها كريا     أمارس الكهلة والصبيا

وهكذا مضى الطبري في تفسيره حتى أتمه وغدا كتابا من أوفر المراجع في علم التفسير ومن التفاسير الهامة التي يرجع إليها العلماء والفقهاء ورجال الدين كتفسير القرطبي وتفسير البيضاوي وتفسير النسفي وتفسير الزمخشري وما إلى ذلك من تفاسير.

 


 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here