islamaumaroc

ضرورة الدين لايجاد ذاتية الأخلاق

  دعوة الحق

64 العدد

لست أعني بالخلق هنا (النظرية الأخلاقية) فيما يلوكه لسان الفلسفة، وإنما أقصد الأخلاق الاجتماعية القائمة على مسرح المجتمع بأسواقه وشوارعه وحوانيته وملاهيه ومعابده ودوائره.
فهذه الأخلاق لابد لها من سلطان يفرض على الناس أن يصبوا سلوكهم في معايرها ويجبرهم على أن يدينوا لها بالولاء وأن يحملوا أنفسهم عنت الطواعية لها.

فما هو هذا السلطان؟ لنفرض أولا أن هذا السلطان غير منبعث من الدين، فماذا عسى أن يكون إذا في حقيقته ومصدره؟
إنه لابد أن يكون عندئذ مزيجا من إيحاء المفكرين والمصلحين، وسطوة الحكام والمسيطرين، ذلك أن هذين العاملين هما اللذان يتضافران معا- بعد أن يسخر ثانيهما الأول في غالب الظروف- لتكوين القوالب الخلقية وحمل الناس على صب سلوكهم فيها.

وحينئذ لابد أن تتميز هذه المعاير الخلقية بالصفات التالية:
أولا- التأثر باعتبارات البيئة وبالقيم الحضارية والمدنية القائمة في ذلك العصر، إلى جانب احتمال كبير بأن تتأثر أيضا بالأغراض والميول الخاصة التي لابد أن يصادف وجودها لدى واضعي هذه المعايير.
ثانيا- لا يمكن لهذه المعايير أن تجد القناعة الفكرية بها لدى جميع الناس، وذلك بسبب تباين الأغراض الشخصية التي يتسع لها في العادة طريق عريض إلى السيطرة على تلك المعايير وتوجيهها.
ثالثا- تمتاز هذه المعايير الأخلاقية بتجردها من قدسية الخلود والبقاء عبر الأجيال، وتصبح أعمارها قصيرة الأمد، فهي لا تكاد في معظم الأحيان تعايش جيلا واحدا حتى يدب إليها الوهن وتتحطم تحت ضربات أهواء واتجاهات وأغراض معاكسة لتلك التي كانت تعتمد عليها من قبل، والتاريخ لا يضن علينا بالأمثلة الكثيرة لهذا التناسخ الخلقي المتوارد على مختلف أنواع السلوك، فمثال واحد من هذه الأنواع كالبغاء الذي يعتبر ذا علاقة شديدة بقضية السلوك والأخلاق، كشف لنا كيف تسلسلت المعايير المتعاكسة له، إذ حسبك أن تعلم أن كثيرا من الشعوب المتحضرة في العصور القديمة كالعبريين وقدماء الكنعانيين والبابليين كانوا ينظرون إلى البغاء نظرة تقديس، ويعتبرونه في كثير من الحالات عملا مبرورا يدفع إليه الخلق الحميد.

أما جريمة القتل فما كانت تعتبر أمرا ذا بال في كثير من الأحيان لدى دولة مثل روما...فقد كان يحق للرجل أن يغمس وليده الجديد في دن عظيمة من الخمر ثم ينتشله بعد ثوان، فإن كان قد اختنق مات غير مأسوف عليه، إذ يدل على أنه لم يكن ليصلح للحياة العسكرية المثالية في نظر روما، أما إن خرج من الدن حيا يختلج فقد أثبت بذلك جدارته للحياة والبقاء.

وهكذا يبدو المعنى الخلقي أمرا لا حقيقة جوهرية له، فضلا عن أن تتصف تلك الحقيقة بقدسية الخلود والبقاء، وإنما تصبح كلمة(الخلق) وحدها- مجردة عن معناها- هي الخالدة فحسب، إذ تغدو ثوبا فضفاضا متنقلا يكسى به كثير من أنواع السلوك التي قد تكون في مجموعها متضاربة متنافرة.
رابعا- ومن شأن هذه المعايير الخلقية أن تتحطم السدود القائمة ما بينها وبين الشهوات والأهواء، إذ كانت المبادئ الخلقية في أصلها سبيلا للصلح العادل ما بين العقل المتزن والشهوة الهوجاء، غير أن هذه المبادئ حينما تكون من نسيج الكتاب والمفكرين أو الحكام والمسيطرين، لابد أن تتسرب إليها خيوط من الأغراض والأهواء والشهوات نفسها كما قلنا. وحينئذ تنقلب الأخلاق شيئا فشيئا إلى فريسة شهية ملقاة بين مخالب الشهوات السافلة، حيث تبدأ هذه الأخيرة بتحقيق معظم رغائبها باسم الفضيلة والأخلاق نفسها.. وكلنا يعلم أن الفلسفة الوجودية حينما تعلن عن مبدأها التحللي تضع هذا المبدأ ضمن إطار أنيق من النظام الأخلاقي.
ثم إن الصورة الكلية التي يتركها مجموع هذه الميزات الأربعة لهذه الأخلاق على لوحة المجتمع: هي أخطر صورة لصراعين اثنين: الصراع النفسي القائم في داخل الفرد، والصراع الاجتماعي الناشب ما بين فئات المجتمع وأخلاطه، وهذا الصراع هو الذي يهدد اليوم الكيان الحضاري للغرب من أساسه، وهو الذي جعل كتابه ومفكريه يدقون أجراس الخطر على آذان المسؤولين بقوة وهلع كيما يتداركوا الخطر قبل فوات الأوان.

*  *  *
كانت هذه هي صورة (الأخلاق الاجتماعية) حينما فرضنا أن ليس للدين عليها من سلطان وأن ليس له من دخل في وضع معاييرها.
والواقع أن هذه المشكلة هي من أهم الحكم الأساسية التي اقتضت أن يتعبد الله عز وجل عباده بالدين، وأقول(الدين) لا (الأديان)، لأن الدين الذي تعبد الله به عباده دين واحد، ولئن اقتضت طبيعة الأزمات أن تتوالى عليه صور تجدده عبر التاريخ فلقد تجمعت أخيرا كل هذه الصور في مظهر واحد أخير وهو الإسلام.

فلقد جاء الدين ليستلم هو زمام قيادة المجتمع ضمن المخطط الخلقي الذي يضعه هو، إذ كان الله عز وجل- وهو الخالق لعباده والفاطر لعقولهم وشهواتهم- أدرى بما يصلح للعباد، وأعلم بالصراط السوي الذي يؤلف انسجاما بين مختلف دوافع الإنسان وأغراضه، جاء الدين فوضع على بعض أنواع السلوك عنوان الخير، وعلى بعضها الآخر عنوان الشر.

وكان لابد- لكي يوقن الناس أن النداء المحذر من الشر والآمر بالخير إنما هو آت من الله تعالى- من ركن العقيدة الإسلامية التي تجعل صاحبها يوقن بوجود الله ووحدانيته وبأنه ما خلق هذه الكائنات عبثا لمجرد الإفناء، بل هناك يوم آخر ثقيل في طوله وعرضه يحاسب فيه الناس جميعا على ما قدموه في حياتهم الأولى، فمجازيهم بالخير مثوبة وأجرا وعلى الشر عقوبة وضرا.

وكان لابد- لكي يظل غرس العقيدة الإسلامية قويا في النفس- من أن يسقى بماء العبادة بمختلف صورها وأشكالها، فبذلك تنمو العقيدة في الفؤاد وتترعرع، وتثبت أمام عواطف الحياة وزعازعها.
وهكذا تتكامل عناصر الدين وشروطه التي يتوقف عليها إمكان إيجاد انسجام تام بين المؤمن والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها، ويصبح المعنى الأخلاقي حينئذ حقيقة ذاتية لا تنسخها الأغراض والاعتبارات، إذ هي تنبع من علياء هي أسمى كثيرا من مذهب الكاتبين ورأي العقلاء والمفكرين، وما دام أنها تفرض نفسها من تلك العلياء فإن الجميع يستريحون من عناء التسابق إلى فرض إراداتهم المختلفة وتحقيق أغراضهم المتباينة، ومهما عظمت مسؤولية تحقيق هذه الأخلاق على النفس واشتدت قسوتها على الشهوة والهوى، فإن العقيدة الجاثمة في الفؤاد تمد صاحبها بقوة هائلة تجل عن الوصف من شأنها تجل عن الوصف من شأنها أن تذيب لواعج النفس والهوى وتحليها إلى هباء.
وإن مثلا واحدا على هذا- كمثال تجربة تحريم الخمر- يكشف بوضوح عن المعجزة الخارقة التي أبدعت أسمى (الأخلاق الاجتماعية) من نفوس طالما تملكتها واسترقتها الأهواء.. فما هي إلا آية واحدة تلاها المبلغ على أسماع أولئك الذين نبتت في قلوبهم عقيدة الإسلام، حتى حطمت الأقداح تحت الأقدام وأريقت دنان الخمر المعتقة على الأرض، وارتفعت أصوات الجميع قائلة: لبيك.. لبيك لقد انتهينا يا رب..
هذا، بينما أقدمت أمريكا في عام 1933 على تقليد نفس هذه التجربة، فأعلنت عن تحريمها الخمر، ولكنها ما لبثت أن نكصت على أعقابها وارتدت مترنحة من ألم الحرمان تعب أقداحها من جديد، ولا ريب أنه كان في مقدمة الرؤوس المترنحة حضرات المفكرين والمقننين.

 وينبغي أن نتساءل هنا: ما هو مكان مجتمعاتنا الخلقي من هذا كله؟ هل هي منقادة للمعايير التي يضعها الدين أم للمعايير الأخرى التي يفرضها الآخرون؟
والحقيقة أن مجتمعنا اليوم لا يسير وراء واحدة من هاتين القيادتين فحسب، بل وإنه لا يكتفي بالانقياد لهما وحدهما وإنما هو يتبع في سيره عدة جوانب مختلفة متعارضة: أضعفها الدين وأشدها تقليد المدنية الغربية، وإنه ليبدو وسط هذه الجواذب متحركا في اضطراب غير سائر في مخطط أو اتجاه.
ولقد أورثته هذه الانجذابات المتباينة صراعا نفسيا واجتماعيا أشد عتوا من الصراع القائم في الغرب، والسبب أن سلطان الدين في المجتمع حينما لا يزيد على كونه جاذبا من جملة الجواذب الكثيرة الأخرى فإنه لا يفيد أكثر من أن يزيد الصراع شدة وأوارا.. ولا تفهم الأخلاق الإسلامية إلا على أنها قيود ثقيلة مؤسفة، وذلك هو شأن الإنسان عندما تكون إرادته نهبا لجملة من الدواعي والمؤثرات المختلفة المتصارعة.

ولقد اعتاد الذين يستثقلون ظل الدين وتبعاته، أن يتواروا من مواجهة هذا الحق وأن يختصروا الطريق قائلين: إن السلوك المستقيم إنما يأتي من يقظة الضمير، فالضمير وحده كاف في حمل صاحبه على اتباع سبيل الحق وردعه عن الانحراف إلى الباطل.
ولست أجد كلاما أوضح فيه الفساد وأظهر من هذا الكلام.

إذ الجميع يعلم أن الضمير- حتى ولو انتبه واستيقظ- إنما هو حاكم ومقرر لا أكثر، والكل يعلم أن سلوك الإنسان في الحياة لا يخضع لمجرد الحكم والتقرير، وإنما هو يخضع في غالب الأحيان للدوافع النفسية القائمة بين جنبيه، وهي دوافع تستقي قوتها من ظروف المجتمع وأحواله ومغرياته.
فكم من كذوب وهو يعلم في كل ساعة أن الكذب أمر لا يحمده الناس، وكم من موظف يرتشي وهو يدري أن الرشوة جريمة، وكم من سارق للمال أو الأعراض وهو غير جاهل أنه بعمله ذاك وغد وسافل، بل وكم شاهدنا من أناس يتبجحون بالحديث عن الضمير ويلقون المحاضرات الرنانة في الكشف عن أسرار الخلق والضمير ثم ينقلبون إلى لصوص يعتدون على أقدس ما يقدسه الخلق والضمير..
إنهم يقولون الضمير..
وأنا أقول: لقد تضافر وتعاون كل من الضمير والقانون وسلطة القضاء لإخضاع الناس لحكم الضمير، فلم يستطع كل ذلك أن يتغلب على دوافع النفس وأهوائها، وظلت الجرائم كلها ترتكب تحت سمع الضمير والسلطة والقانون، أولئك يتوارون ويرتكبون، وهؤلاء يظلون يلاحقون ويعاقبون.
إن الحق الذي لا يمتري فيه عاقل، هو أن العاصم الوحيد الذي يمكنه أن يحجز الإنسان من الانحراف إنما هو أن تقوم محكمة تامة برئيسها وأعضائها في داخل الفؤاد، ولن تجد هذه المحكمة- مهما حاولت- إلا في العقيدة الإسلامية إذ تغرس بعناية في الفؤاد، فهي التي تغالب الدوافع النفسية حتى تغلبها ثم تتولى هي القيادة والتسيير.

وإن من أعظم ما هو مؤسف، أن بعض المسلمين، لا يريدون أن يسمعوا مثل هذا الكلام فضلا عن أن يتدبروه ويفكروا فيه، على حين أن المستعمرين يغتبطون لهذا الاغتباط العظيم.
يقول الدكتور عيسى عبده إبراهيم: إن اثنين من الجنرالات الفرنسيين كتبا مقالا عام 1946 قالا فيه:
(لا ينبغي أن نستهين بالإسلام إذا استهنا بالمسلمين، لأن الإسلام عقيدة عجيبة، بقيت إلى الآن في الأرض.. إننا حاولنا كل النظم الاقتصادية، حاولنا النظم الرأسمالية، وحاولنا النظم الإدارية، وفشلنا، ومن أهم ما فشلنا فيه عدالة التوزيع والرقابة.

..إن الرقابة لا تأتي في الإسلام من شخص على شخص، ولا من هيأة على هيأة، وإنما هي رقابة الإنسان لربه ونضج الضمير الديني، وهذا وحده قوة كافية في الإسلام.. وإن من حسن الحظ أن المسلمين لا يفهمون هذا ولا يقدرون دينهم مع أنه حفظهم وأبقاهم إلى الآن، وما علينا الآن إلا أن نطمس معالم هذا الدين بتجويعهم وإبادتهم وبحرمانهم من العلم والثروة).

وإن تعجب لشيء، فاعجب لأناس يمهدون لهم بيننا هذا السبيل، ويعينونهم في الباطل الذي يسعون إليه.

                                                                      

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here