islamaumaroc

عيون لا تنام

  دعوة الحق

64 العدد

طرق الجيلالي باب البيت الكبير بنقارة الحديد الثقيلة، فترددت أصداء الطرقة داخل أبهائه وصيلانه الفسيحة..ووقف ينتظر في قلق وهو ينظر إلى الحائط المقابل وظهره إلى الباب.
وبعد لحظة سمع قرقعة الزكروم الكبير، ثم انفتح الباب قليلان وظهر من خلف الشقة الدقيقة عين تحملق فيه من ظلام الدهليز..وتنحنح هو ونظر إلى الأرض وقال:

-سيدي عبد الرزاق موجود؟
وجاء من خلف الباب صوت نسوي حاد آمر:
-لماذا تريده؟
-أريده لعمل إداري يخصه..
-ما هو هذا العمل؟
وتردد الرجل، ووقع في حرج..ثم قال وهو يهم بمغادرة المكان:
-إذا لم يكن هنا، فسأذهب إليه في الإدارة في وقت آخر...
وهنا تحركت العين وراء الباب، وصاحت المرأة:
-لا تذهب..انه هنا..كنت أريد أن أقول له لماذا تريده فقط..انتظر..
وأقفلت الباب بعنف ثم سمع صوت قباقبها على رخام وسط الدار..وسمع صوتها الحاد ينادي:
-بابا...بابا...
وأجاب صوت عميق بعيد:
-آنعم..ما تريدين؟
وجاءه صوتها واضحا:
-الجيلالي، ذلك الأصفر المشعوط، يقول انه يريدك..
وعاد الصوت العميق يسال:

-لماذا..؟
-مسلول العنق لا يريد أن يقول..يريد الكلام معك أنت..
وبعد لحظة سمع صوت حذاء ثقيل ينزل السلم في بطء، تصاحبه النحنحات والسعلات..
السي عبد الرزاق معروف في المدينة(باسم مهنته: العادل) وله مكتب في المحكمة الشرعية مع زميله سي عباس القلعي..وله دار كبيرة وعائلة كثيرة العدد..وليس له مورد عيش آخر غير مهنته كعادل..ولكن مظهره دائما محترم..ومجلسه دائما عامر..
وانفتح الباب أخيرا فأسرع الجيلالي إلى الرجل المهيب ذي اللحية البيضاء فانحنى عليه وقبل يده، ووقف ينظر إلى الأرض..
-إيه أسي الجيلالي..ما ذا أتى بك؟
وبدأ الجيلالي يقص عليه مشكلتك بالأمس قرر أن يطلق زوجته..وله معها بنت صغيرة سأتخذها شرعا معها..إلا انه يعتقد أن هناك حلا يعرفه العدول..انه لا يريد أن يفارق ابنته وفلذة كبده..لذلك على الفقيه الجليل أن يدبر له مخرجا..
وتنحنح السي عبد الرزاق واظهر الحرج:

-اسمع يا ولدي..أريدك أن تقص علي القصة كاملة بدون أن تخفي عني شيئا..لما ذا ستطلقها؟
-لقد خرجت عارية إلى الشارع..وبذلك حرمت علي..
-هذا سبب وجيه..ولكن لماذا؟
وأحنى الجيلالي رأسه وسكت..فقال السي عبد الرزاق:
-لا..لا..لابد من ذكر جميع التفاصيل إذا أردتني أن أساعدك..فقال الجيلالي متبرما:
-لقد كنت غاضبا بالأمس..وتناقشنا عن الحليب الذي اشتراه أخي واشترته هي بينما كان المفروض أن يشتريه هو وحده ونقتسمه..وكنت اقطع الخبز بسكين، وحين بدأت اصرخ عاليا والسكين في يدي ذعرت وخرجت من البيت بدون حجاب.. أنت تعرف..الجيران كلهم سمعوا الشجار...وكلهم خرجوا يتفرجون عليها عريانة في الحومة..لقد حرمت علي..لا استطيع إرجاعها الآن..
وتنحنح الفقيه الجليل ثم نظر إليه:

-اعرف أن زوجتك من(بنات برة)..من البادية..والخروج بدون لثام عندهم عادة لا عيب فيها..
-ولكننا لسنا في البادية..هذه المدينة.. أنني لن أرجعها..لقد فضحتني في الحومة، الجميع تفرجوا علينا..
-لا حاجة إلى رفع صوتك..هدئ أعصابك..سنرى لك مخرجا من هذا..الآن أنت مصر على طلاقها..
-بدون رجعة..
-أنت تعرف أن القضية ضدك إذا تبعنا المسطرة حرفيا..
-اعرف ذلك..
-ولكن..
-ما تقوله أنت افعله أنا..
وتنهد الفقيه وفي عينيه بريق النصر:
-ارجع إذن بعد الظهر..سأقابل صاحبي الفقيه القلعي وأتحدث معه في الموضوع، ثم نراجع أبواب الشريعة لنرى بابا نخرجك منها.

                                    *  *  *
ووقع القاضي طلاق يعطي فيها الأب الحق في حضانة ابنته لان زوجته عديمة المروءة تخرج عارية في الشوارع، وبذلك يحرمها الشرع من تربية بنتها...
واقتسم الفقيه عبد الرزاق المبلغ الإضافي للشهادة مع زميله الذي يوافقه على كل ما يجلب الرزق..
ووقفت المرأة المطلقة على باب المحكمة زائغة البصر من مفاجأة التهم الشنيعة القذرة التي ألصقت بها بدون حق من اجل أن تخطف منها ابنتها..
ورغم حيائها الفطري فقد انفجرت في وجه الفقيه عبد الرزاق داعية موكلة الله عليه، وهو يحك لحيته، وقد احتقن وجهه محاولا تجنبها وسط الجمهور الذي اجتمع عليهما.
وحين دخل بيته كان صوتها ما يزال يرن في أذنه ضافيا:«يا شاهد الزور، ما ذا تقول لله غدا يوم القيامة؟ ولكني لن انتظر القيامة..ستصيبك مصيبة في هذه الدنيا..الله يعاقب في الدنيا قبل الآخرة..»
وأحس بقشعريرة في بدنه..انه لم يشعر مثل هذا الشعور منذ شهد أول زور في حياته..وقد مرت مئات الحالات منذ ذلك الحين، ومات ضميره في هذا الميدان..أن الله لا يعاقب..لأنه غير موجود..استغفر الله..استغفر الله..وذهب إلى غرفته يتمتم بكلمات لا معنى لها.
وفي تلك الليلة طافت به أحلام مزعجة فاستيقظ وأشعل النور وجلس في فراشه يجفف عرقه ويلهث في تعب..وبعد أن تأكد أن الذي عاشه كان مجرد حلم..وان المحشر الهائل والسياط الجهنمية على ظهره وقفاه، وصراخ الألم، وانفجار الدم والصديد من جسمه كان كابوسا ذهب مع النوم، قرر ألا ينام حتى لا يعود إلى العذاب الذي خرج منه...وعادت الفكرة تلح عليه مرة أخرى..الله لا يعاقب..لأنه غير موجود..وفجأة وقف إمامه شبح ابنته«العوراء»كان جميع أهل البلد ينادونها العوراء عمدا لأنها كانت شريرة كالشيطان..كانت لعنة على كل من حولها.. وكانت هي تعرف ذلك  وتتمادى فيه..لأنها كانت تتمتع به..كانت سادية تجد لذة عظيمة في تعذيب الآخرين..
في احد الأيام وجدها أبوها قد ربطت« الطراح»إلى سياح الدرج ونزلت فيه ضربا وقرصا وغرزا بالإبرة وصراخه يملأ البيت والجميع يستعطفها لتتركه وهي لا تريد..كانت تغرز فيه الإبرة وتأمره ألا يصرخ فإذا صرخ غرزت فيه أخرى في مكان أكثر إيلاما..وحين دخل أبوها كانت تستعد للرقم الأخير، وهو موضع سفود احمر ملتهب على فخده..وقد أمرها أن تطلق سراحه في الحال، فغفلت على مضض وخرج«الطراح»ناجيا بجلده وقد اقسم أن يهجر المدينة..
كان ذلك «الطراح»من امرح صبيان ذلك الفران المجاور..وكان كريما بوقته ومجهوده، ولكن العوراء جعلت تعاونها معه مستحيلا..كانت تناديه وهو مار بالحومة ينادي هل هناك خبز يوصلها للفرن، فحين يدخل تقفل خلفه الباب وتأمره بأخذ انائين كبيرين مليئين بالماء إلى برميل السطح..ويعيد ذلك مرارا حتى يمتلئ البرميل والطريق إلى السطح سلم كثير الدرجات والانزلاقات..فإذا حدث إن زل ودلق بعض الماء على الأرض كان ذلك يومه الأسود..وكانت هي تجد سرورا كبيرا في رؤيته بتألم..إن فرص عمله قليلة إذا بقي هناك طول النهار..و«معلمه»يضربه حين يعود متأخرا، ونساء الحومة يشتكين من عدم مجيئه لأخذ الخبز التي خمرت حتى سقطت أطرافا...كانت تمتع نفسها بضيقه وحسرته وألمه..
وفي النهاية قاطع بيت عبد الرزاق فصار لا يمر إلا على أطراف بنانه، ولا يصيح صيحته المعتادة..  الخبز...آخمرت الخبز..
وحين لم يعد الطراح يمر بالباب بدأت تترصد له..وبعد أسبوع ضبطته مارا من أمام البيت فشقت باب الدار ونادته بصوت غير صوتها- الطراح..تعال تأكل بعض الكسكس بقي من البارح.
ولما كان جائعا، والصوت ناعم فقد دفعه ضعفه إلى مد يده إلى يد الخير..وما كان يضع رجله على عتبة الباب حتى انفتح الباب وأخرجت العوراء يديها معا فأمسكت بتلابيبه وأدخلته إلى اسطوان الدار وأغلقت الباب بالزكروم خلفه..
كان ذلك هو اليوم الذي وجدها أبوها تعذبه وهو مربوط إلى سياج الدرج الحديد..وحرك الفقيه رأسك أليس هذا عقابا من الله في الدنيا؟أن تكون لك بنت كهذه؟
وجال بعينه على جميع أولاده..لا خير فيهم جميعا..أكبرهم ما يزال يرجى منه الخير..لأنه يبدي الاستقامة وحسن الخلق..أما الثاني فهو متعاط مدمن على الحشيش والأفيون، يقضي معظم وقته مع العواهر..وقد أصيب أخيرا بالسل في رئيته معا، وقعد في ركن البيت، والصغير صار أضحوكة البلد لكثرة أكاذيبه المفضوحة..أما الأصغر فقد صارت أخلاقه المنحطة مضرب الأمثال.
وحرك رأسه بخيبة أمل: من قال أن الله لا يعاقب وانه ليس موجودا؟.
وترددت مرة أخرى تلك الدعوات في أذنه وتلك المرأة الخجولة تبكي في أسى وقهر وحاول أن يقفل عينيه وينسى..وينسى ..كيف ينسى؟
                                      *   *   *
بقي صاحيا حتى الصباح، كان يخشى أن تعاوده تلك الأحلام مرة أخرى، وأذن الفجر فخرج يصلي، وعاد فافطر وذهب إلى المحكمة.
وفي فترة ما بين الظهرين حضر ابنه الكبير إلى المحكمة، وانحنى على أبيه يهمس شيئا في أذنه، فقام هذا وعلامة ذعر واضحة على وجهه..ورفع شريكه الفقيه القلعي عينيه متسائلا:
-لا بأس ، الفقيه؟
فلم يجبه هذا، وخرج..
وبدأ ابنه يحكي له بسرعة في الطريق:
-الفتاة في حالة يرثى لها..إذا لم تمت فنحن محظوظون..وتساءل الفقيه:
-وما ذا أصابها؟
-لقد صبت عليها«العوراء فريدة»إبريق ماء غليان.
-ماء غليان؟ يا حفيظ، يا لطيف، لماذا؟
-قالت أنها جعلت الريح يشتت الحناء في السطح.
-تلك المجرمة، إذا لم يزهق روحها احد فسوف تزهق أرواحنا جميعا..
-المهم أن «الشرقي»خال الفتاة، وصله الخبر.

-وصله الخبر !
-وقد كلم صديقه«المراقب»في الموضوع، وربما لقينا البوليس في الدار..
وفعلا وجدوا جماعة من جنود«الارمادا» ببنادقهم على أكتافهم ومعهم جماعة من البوليس وهم يبعدون الجمهور الغفير الذي التف حول باب الدار حين سمع بالمأساة..اغلبهم من الجيران الذين سمعوا صراخ الصبية العالي واستغاثاتها اليائسة، والماء الغليان يسلق جلدها ويحفر في لحمها...
كانت الفتاة بنت أخت«سي محمد الشرقي» احد أغنياء الحرب الذين اثروا في فترة قصيرة، وكسبوا صداقة السلطات بالسخاء الكبير الذي يعاملونهم به، والهدايا الدسمة التي يقدمونها لهم.
كانت سيارته الخاصة تمر بجمرك طنجة دون توقف ولا تفتيش..كان جميع الجنود يقفون للتحية ويرفعون الحواجز..أما سبب إبقائه بنت خالته الصغيرة معهم فهي أنهم عائلة نبيلة شريفة، وسوف تتعلم هناك حسن الخلق، وتتطبع بطائع الأشراف.. فقد كان مؤمنا شديد الإيمان بالأولياء والصالحين، ويكرم العلم والعلماء بدعوتهم من حين لآخر، وتقديم المآدب الغنية التي تتركهم يلهجون بالثناء عليه والدعاء له مددا طويلة..وذلك كان يشرح قبله أكثر من أي شيء آخر.
ودخل الفقيه العادل وولده الأكبر إلى الدار فإذا جماعة من المفتشين وطبيبان وعدد من المساعدين..
وتقدم نحوه رئيس بوليس البلدة، وقدم له الأمر بالقبض عليه وعائلته جميعا..وظهر الفزع على وجه الفقيه الذي لم يواجه مثل هذا الموقف من قبل..
وقال له رئيس البوليس بصفاقة:
-خذ ما تحتاجون إليه..لأنكم ستبيتون الليلة في السجن.
وبدأ البكاء والعويل في البيت..لقد سمع النساء الكلمة..ودخل البوليس والجنود ليخرجوا السجناء..وتلحف النسوة وتجمعن بساحة الدار، وحضر جميع الأولاد الذكور بعضهم يلبس النظارات حتى لا ينظر الناس إلى عينيه، وبعضهم يدلي القب على وجهه، وخرجوا من الدار..
وسمعت زغردة عالية تصحبها قهقهات الشامتين والحاقدين من الذين تسبب لهم الفقيه عبد الرزاق في تعاسات سابقة...
وفي الطريق بين دروب المدينة صار الموكب محروسا بالجنود والبوليسي وخلفه وأماه جمهرة من المتفرجين..
وفي إحدى الشوارع رفع الفقيه عينيه وكأنه يريد أن يدعو الله أن يخرجه من هذه الورطة وهذه الفضيحة، فإذا عيناه تلتقيان بعيني المرأة المطلقة من الجيلالي..كانت تتفرج من فوق سطح من بين جماعة من النسوة...كشفت عن وجهها وزغردت حتى احمر وجهها ثم رفعت يدها السماء وقالت:
«الحمد لله..الحمد لله..العزيز أسيدي ربي..الحبيب أسيدي ربي...
وجهت كلامها إليه: الفقيه..أسيدي العادل..الم اقلها لك؟ في الدنيا قبل الآخرة ! ساداتنا قالوا: الله يحفظك من دعوة المظلوم...
وبقيت تزغرد وتدعو الله حتى غاب عنها الموكب..
وحين وصلوا إلى بابا الحبس كان الجمهور قد أصبح كثيفا، والقصة تسري بينه سريان الهواء في الفراغ...
                                       *  *  *
وفي ذلك المساء اجتمعت جماعة من الفقهاء وحفظة القرآن من الذين يعرفون أثرهم
 على«سي محمد الشرقي»وذهبوا إلى بيته ليتشفعوا في زميلهم الفقيه العادل الذي نزلت به اكبر كارثة منذ مقتل الخلخالي..واجتمعوا حول بابا بيته ثم استأذنوا في الدخول خرج إليهم الشرقي بنفسه فرحب بهم وأدخلهم، وأمر بالشاي و«الشفنج»فشرع في عمله في الحال..
وفي الغرفة الكبيرة المطلة على البحر جلس الجماعة بجلابيبهم البيضاء، ولحاهم الموشحة بالشيب ينظر بعضهم إلى بعض وينتظرون المناسبة لافتتاح الحديث..
وحضر الشاي فشربوا، وتحدثوا في مواضيع مختلفة ثم سكنوا ..وبان التوثر والحرج في جو الغرفة..وأخيرا نقد الموقف السيد«أبو مغيث» الذي يعطي نفسه نقابة «الطلبة»...
وسمع«الشرقي»كلامه كله ثم رفع رأسه إليه، وبدأ يتكلم باحترام، يذكرهم بمبلغ حبه وإكرامه لهم، وانه لا يستطيع أن يرد لهم سؤالا..ولكن هذا الموضوع، لا يريدهم أن يذكروا له شيئا عنه..لأنه مفروغ منه..لابد أن تأخذ فيه العدالة مجراها..
وبدا الأخذ والرد، و«الدخيل والعار»والشرقي«موتر رجليه في الحائط»لا يريد التنازل عن عقاب المجرمين..وقال السيد أبو مغيث:
-إلا تعرف يا سيدي محمد أن مجرد مشهد هذا الصباح، مشهد الموكب الذي مر بجميع شوارع المدينة وصيحات التشفي والزغاريد..كل ذلك أليس كافيا ليجعل عائلة العادل تراجع تصرفاتها وتفرض رقابتها على العوراء المجرمة؟ انه ذلك اهانة ما بعده اهانة..لا يتمناها احد حتى لاعدى أعدائه..
رغم ذلك فقد إصر«سي محمد الشرقي»على رفض التشفع..وحول الحديث إلى سؤالهم عن طلباتهم الأخرى غير هذه..ولكنهم رأوا ذلك إعلانا بقفل الموضوع، ففتح السيد«أبو مغيث» نقيب الطلبة«ذكر الختام»الذي يتمشى مع المناسبة، وتبعه الجميع..رفعوا أيديهم وبداوا يترنمون بنغمات حزينة رهيبة بالأبيات:
تشفع يا رسول الله فينا     فلا نرجو الشفاعة من سواكا
وأسرع في إغاثتنا فانا     نرى المولى يسارع في رضاكا
كانت الأصوات الفخمة تجلجل في فضاء الصالة الكبيرة فتحدث دويا هائلا، واللحن يحدث مفعولا نفسيا عجيبا..وحين وصلوا البيت:
أحب الصالحين ولست منهم      لأني منهم أرجو الشفاعة
وضعوا أيديهم على صدورهم ووقفوا إكراما لنبي..فإذا الشرقي الذي كان الدعاء قد هيجه وبعث الرعب في قبله يرتمي على الأرض ويتدحرج يمينا ويسارا في جلبابه الأبيض ويصيح ويستغيث:
-إنا في«عاركم»أسيادي المطالب..إنا في حمى الله وحماكم أرجال الله..
بقي كذلك يستغيث خائفا مذعورا أن تنزل عليه لعنة«الطلبة» في الحال...وخصوصا عقب ذلك الذكر الكبير..
وفوجئ الجميع إلا إلى أبو مغيث..فقد رأى هذه الظواهر تحدث من قبل..وقد جرب ذلك عمدا..وحينئذ طلبوا منه أن يذهبوا جميعا إلى المراقب لإخراج عائلة الفقيه العادل من السجن...
                                       * * *
وقضت العوراء أسابيع عديدة تتحدث عن«دار العريفة»ومباهجها، وكيف كانت المعاملة حسنة، والأكل جيدان ولا غسل للطباق أو تنظيف للأرض، لان كل ذلك يقوم به المستخدمون بدلا منا. جعلت من أيام الحبس أعيادا مجيدة يشتهيها كل إنسان..
وقضى الفقيه وجميع أولاده وبناته الآخرين أياما من الخجل لا يستطيعون فيها الخروج إلى الشوارع ومواجهة الناس...
في تلك الفترة كانت مطلقة الجيلالي تستعد لمغادرة المدينة إلى أهلها في الجبل..وقد تأكدت من أن صفقتها لم يعد هناك أمل في كسبها...وبينما هي تحزم أمتعتها القليلة في صباح يوم إذ طرقت بابها طفلة صغيرة..وحين فتحت الباب بادرتها الطفلة بقولها:
-أبي يريدك عندنا الآن في البيت...
-ومن هو أبوك ؟
-الفقيه الانجري...
-الفقيه الانجري العادل ؟
وحركت الطفلة رأسها، فأدخلتها هذه إلى الدار لتنتظرها حتى تلتحف وتخرجان معا.
                                 
وجلست السيدة أمام الفقيه بعينها إلى الأرض في خشوع ورهبة..وتلكم الفقيه بلهجة المعرفة والحنان:
-اسمعي يا بنتي، أنني سمعت عن موضوعك كل شيء..وأنا اعرف أفاعيل عبد الرزاق والقلعي في المحكمة..وقد سالت عن قضيتك فوجدت انك مظلومة..والآن اعتقد أن هناك حلا لكسب القضية...
وانبسطت أسارير السيدة ونظرت إلى الرجل الأشيب نظرة أمل وتوسل..فا ضاف:
-كل ما ستفعلينه هو تقديم هذه الشكوى للجنة التفتيش العدلي..إنها اليوم تزور المدينة في جولة عمل..سوف تأتين إلى مكتبي بالمحكمة غدا على الساعة الحادية عشرة..وسوف أوجهك إلى مكتب الجماعة بنفسي...
وارتمت السيدة على يد الرجل تقلبها وهو يسحبها منها ويطبطب على ظهرها مشجعا ومصبرا.
وحين امسك رئيس اللجنة بالتقرير طلب من السيدة الجلوس وبدا يقرؤه بعناية..
كان تقريرا مفصلا عن ملابسات القضية وطريق الحكم فيها، مع إشارات إلى بنود القانون وأرقامها..
وحين انتهى الرجل من قراءة التقرير كان الغضب واضحا على وجهه..طلب من السيدة الانتظار بالخارج وقرأ التقرير على زملائه، ثم نادى الشاوش وأمره بإحضار العدلين المطلوبين..
ودخل سي عبد الرزاق الفقيه العادل إلى غرفة المفتشين بقلب ثقيل، بعد أن أرى المرأة جالسة على كرسي الانتظار..
وسمعت هي بسرور عميق صياح الرئيس في وجه الفقيهين المزورين، ثم جاءت الكلمة الحاسمة:
-«أنتما مفصولان من جميع محاكم العدل المغربية، لقد برهنتما بدناءة أعمالكما، وقذارة نفوسكما على أنكما لا ستستحقان ثقة العدالة...»
إلى غير ذلك من الكلام الذي لم يكن تفهمه بعقلها ولكنها تجد لذة كبيرة له في قبلها..
وفي ذلك المساء كانت المرأة تحمل طفلتها الصغيرة خارجة بها من المحكمة وابتسامة الرضا والشكر لله بادية على وجهها...لقد كانت طفلتها سلواها الوحيدة في الوجود.
وخرج الفقيه العدل من باب المحكمة للمرة الأخيرة ليرى المرأة ترضع طفلتها على عتبة الضريح المجاور، وتكلمها في حبور وبهجة دون أن تنظر إليه والهزيمة على وجهه، تضاعف سنه وتدفعه إلى حافة القبر...
وبدأ يفكر..الله يعاقب في الدنيا، لأنه موجود...

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here