islamaumaroc

عود إلى موضوع تحديد النسل -3- [تعقيب على نقد]

  دعوة الحق

64 العدد

جاءني استفتاء من احد تلاميذي، وهو السيد حازم طه الطالب في كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية يلتمس مني أن اكتب مفصلا في هذه المسألة. فكتبت مقالا مطولا في تسع عشرة صفحة من الصفحات العادية لآلة الكتابة، وبعثت بذلك المقال إلى مجلة دعوة الحق الغراء، ووسمته، بتحديد الذرية، واتقاء الأمراض المعدية، فرأت رئاسة تحرير المجلة أن تغير هذا الاسم وتبدله بقولها(رأي في تحديد النسل). ونشرته في جزئيها السادس والسابع من سنتها السادسة. وقد أفتت في هذه المسالة بما أراني الله واعتقد انه الحق ولم اقل فيه برأيي، بل أقمت البراهين النقلية والعقلية والصحية والاقتصادية وبذلت في تحريره جهدي، ولا ادعي العصمة من الخطأ والخطل، فان العصمة للأنبياء، والكمال المطلق لله عز وجل. فما راعني إلا أن اخبرني احد الأصدقاء، وهو السيد احمد الخريصي الأستاذ في المعهد الديني الثانوي في مكناس، أن صحيفة النضال نشرت مقالا في جزئها رقم 92 تاريخ 3 غشت 1963 من سنتها الرابعة انتقادا لمقالي المتقدم الذكر. فلما قرأت النقد وجدته ناقضا، لأنه لم يستعرض الأدلة النقلية والعقلية التي ذكرتها وأطلت في تحقيقها، ثم يردها بأدلة مكافئة لها، بل أجمل الكلام وحصره في نقطة واحدة أو نقطتين. ومن عادتي إذا كتبت مقالا اعتقد انه الحق وبذلت فيه جهدي، ثم جاء معترض ينتقده أن انظر في اعتراضه،فان رايته سائرا على أصول النقد، وافيا بالمرام اعترفت بما يظهر لي انه حق وشكرت المعترض على تعاونه معي على الوصول إلى الغاية المنشودة، وهي معرفة الحق بدليله، وان رأيته اعتراضا ساقطا غير جار على الأصول اعتصمت بالسكوت وأهملت جوابه، لان المفكرين من القراء عند ما يقرأون ذلك الاعتراض يرجعون إلى مقالي فيجدون جوابه فيه ويقتنعون بفساد الاعتراض. وأما غير المفكرين فلا أبالي بهم. ومقال النضال لم يجر على أصول النقد ولم يسم صاحبه نفسه، فكان حقه أن يسكت عنه، لولا ما جاء فيه من نسبتي إلى التشبع بالأفكار الألمانية والى إنني لم اطلع على أحوال الشرق الأقصى. وما أشار إليه من الإحصائيات التي لم تزد على سكان اليابان، كأن اليابان هو معيار الكرة الأرضية. أما وصفي بالعبقرية فظاهره انه من التهكم المقصود به الأذى، فلا أجيب عنه. وأما تعبيري باني أؤمن بآيات القران فانشد فيه:

وعيرني الواشون إني أحبها       وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

فان كان الإيمان بآيات القرآن عيبا فليشهد الثقلان إني مؤمن به، أرجو أن أحيا على ذلك وأموت عليه.

1)قال المنتقد:ونرى كذلك خلال تلك السطور أن الدكتور متفائل إلى ابعد حد. فهو لا يبدي أدنى تخوف من تزايد عدد السكان في العالم، مؤمنا بقول الله تعالى(قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم)(وما ن دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعا، كل في كتاب مبين)(ولا تقتلوا أولادهم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا).
2)ويظهر أن الكاتب متشبع بأفكار ألمانية. ونحن نعلم أن هذا الشعب قد فقد أكثر من نصف أبناءه أثناء الحرب العالمية الأخيرة. فمن الطبيعي إذن أن يستعمل الآن جميع الوسائل لاسترجاع نشاطه وحيوته التي عهدها قبل الحرب، وذلك بنماء عدد سكان البلاد.

3)وقد يغير الكاتب رأيه لو قام بزيارة بلدان الشرق الأقصى، ورأى كيف يعيش نصف سكان الكرة الأرضية. فلا شك انه سيتخذ موقفا آخر إزاء هذا المشكل، إذا شاهد عربة الموتى تمر كل صباح لتلتقط ضحايا الجوع والبؤس، خصوصا في الهند والصين.

1)- قوله:ونرى كذلك خلال تلك السطور إن الدكتور متفائل إلى ابعد حد الخ. أقول: وبالله استعين، ليست القضية، قضية تفاؤل أو تشاؤم، ولكنها بيان حكم الله ورسوله في هذه المسالة مع الإعلام بان المفتي غير معصوم من الخطأ، إلا انه بذل لأقصى جهده في تحري الصواب. ومن بذل جهده واحتج بكتاب الله وبسنة رسوله وبالواقع المشاهد فلا لوم عليه. ولماذا تخوف من تزايد السكان، وأنا لا اخلقهم ولا ارزقهم، وإيماني راسخ بان لهم خالقا رازقا ضامنا لمعيشتهم.

2) قوله: ويظهر أن الكاتب متشبع بأفكار ألمانية الخ. اعلم يا أخي المنتقد ويا أخي القارئ إني لم أسافر إلى ألمانيا إلا بعد ما تجاوزت الثلاثين من عمري وقرأت كتاب الله وسنة ورسوله وعقيدة السلف الصالح. فانا لا آخذ أفكار الألمانيين على علاتها تقليدا بلا تمحيص ولا تمييز، والالمانيون أنفسهم، اعني أحرار الفكر لا يأخذون الآراء تقليدا بل يزنونها بميزات العلم والعقل. وكيف يسوغ لي أن يسألني طالب يدرس في الجامعة الأزهرية عن حكم الله ثم أفتيه برأيي أو برأي الألمانيين، وقد قال الله تعالى في سورة الأعراف(23- قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون) وقال تعالى في سورة النحل( 116، 117- ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على اله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع قليل ولهم عذاب اليم) وفي صحيح البخاري أن رجلا أصابته شجة في رأسه، فسأل حين أجنب، هل ترون لي من رخصة التيمم ؟فقالوا، لا، فاغتسل فمات، فبلغ خبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم الله، أن لا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال.

فليطمئن الأخ المنتقد والأخ القارئ إني لم اكتب في ذلك المقال إلا ما اعتقد غير متأثر إلا بكتاب الله وسنة رسوله والمصلحة العامة التي لا تخرج عنهما أبدا. أما قوله أن الشعب الألماني قد فقد أكثر من نصف أبنائهن فلا أظنه صحيحا، لان الإحصاء المشهور في ألمانيا أن عدد القتلى خمسة ملايين وهذا العدد موزع على الجيش الألماني وحلفائه. أما عدد المفقودين والذين ماتوا تحت الأنقاض فلا يكاد يبلغ نصف هذا العدد، أقول هذا على سبيل التخمين. وإذا علمنا أن الشعب الألماني كان يبلغ ثمانين مليونا باستثناء الألمانيين المضمومين لبولونيا وتشيكوسلوفاكيا، وعلمنا أن عدد سكان ألمانيا الغربية اليوم أربعة وخمسون مليونا، وعدد سكان ألمانيا الشرقية عشر مليونا، المجموع واحد وسبعون مليونا، علمنا ان الخبر صحيح. والظن القائل بان ألمانيا تعارض تحديد النسل بسبب ما فقدته من القتلى في الحرب لا نصيب له من الصحة، ولو كان ذلك صحيحا لسنت الحكومة الألمانية قانونا يبيح تعدد الزوجات ولاعادت القانون الذي كان في زمان هتلر يقضي بان تقرض الحكومة كل متزوجين صالحين للتناسل من حيث السن والخلو من العوائق خمسة آلاف من الماركات. وكلما ولد لهما ولد سقط خمس القرض. فان بلغ عدد أولادهما خمسة سقط القرض كله وأعفيا من الضرائب إلا شيئا قليلا جدا. واشتركت أم الأولاد الخمسة في عيد الأمهات بافتخار عظيم وقدمت لها هدايا خاصة بها وبأمثالها. وأنا بنفسي استفدت من هذا القانون، فاني كنت مدرسا في جامعة بون، ثم طلبتني وزارة الداعية من وزارة التعليم الألمانية لأكون مصححا للغة الإذاعة العربية فأتيت بشهادات تثبت بان لي خمسة أولاد فسقطت عني الضرائب إلا شيئا قليلا جدا. ومن خالط الشعب الألماني يعلم يقينا أن تحيد النسل عادة متأصلة فيه قبل الحرب وبعدها. ولا يستطيع أي تشريع أن يزيلها منه. وإذا علمت أنذلك القانون الذي كان يعمل به في زمان هتلر للتشجيع على الزواج لم يؤثر كثيرا في عزوف رجال المدن عن التزوج واختيارهم العزبة. فلم يتزوج مع ذلك كله إلا أربعون في المائة. أما نسبة المتزوجين في القرى والفلاحين فكانت أعلى من ذلك، لا لأجل ذلك القرض ولكن من اجل التعاون على العمل الشاق الذي يقوم به الفلاح، نعم أن التزوج في ألمانيا وفي سائر أنحاء أوربا كثر بعد الحرب وتغيرت الأفكار بدوافع اجتماعية. فبعدما كان المتزوجون في المدن لا يزيدون على أربعين في المائة صار عددهم بعد الحرب سبعين في المائة. أما في الفلاحين فهو أعلى من ذلك. وعلة ذلك حسبما قرأته وسمعته تتلخص فيما يلي: كان الشاب قبل الحرب إذا كان من أبناء الطبقة الموسرة أو كان له ذكاء ممتاز يؤهله لمنحة الدراسة العليا لا يفكر في الزواج إلا بعد أن يتم تعليمه ويجد عملا ويجمع مالا يستطيع أن يعيش به مع أهل بيته معيشة الترف والبذخ، ومع ذلك كان أكثر الشبان يمتنعون من الزواج أصلا، لأنهم يرون فيه قيدا ثقيلا يقيد حريتهم ويحملهم هموما كثيرة. وأما إذا كان من الطبقة العالمة فان دخله يكون قليلا فيحتاج إلى زمان أطول. والمرأة العالمة تحتاج إلى زمان طويل تجمع فيه(الضوطة) أي الصداق الذي تقدمه للزوج فتقضي معظم شبابها في العمل لأجل ذلك. أما بعد الحرب فقد رأى الشبان والشابات حاجتهم إلى التعاون في وقت التعلم اشد منها فيما بعده، إلا أنهم يمتنعون من التناسل إلا بعد أن يعدوا لولد أو ولدين بالأكثر«»عدتهما. ونادرا جدا أن تجد في مدن ألمانيا رجلا وزوجته لا يحددان نسلمها إذا لم يمنعاه بالمرة.

3)-قوله، وقد يغير الكاتب رأيه الخ. أقول: وكيف علمت أنني لم أزر الشرق الأقصى ؟ لقد قضيت جل عمري في الشرق الأدنى والأقصى، فزرت الهند التي هي أكثر البلاد فقراء معدمين هائمين على وجوههم لا يملكون شيئا أصلا. وأقمت فيها خمسة عشر شهرا وطفت جميع أنحائها. ولم يكن عندي إلا قليل من المال. فكنت أسافر مع الفقراء في الدرجة الثالثة في القطار واركب أقبح العربات وأرخصها أجرة وهي التي تسمى(بكا) يجرها حصان واحد صغير الجسم متولد بين الإتيان وهي أنثى الحمير، والحصان، فهو ضد البغل، وشكله اقرب إلى الخيل إلى الحمير، وهذه العربة لوح من خشب على عجلتين قدر ركن فوقه أربعة أعمدة وغطي أعلاها بثوب فيركب السائق في مقدم اللوح والى جانبه راكب. والراكبان الآخران يجلسان كل منهما في جانب يولي كل منهما الآخر ظهره،ووجههما إلى الجانبين. فهذه أقبح العربات.وهناك نوعان آخران، يصح أن يكون احدهما الدرجة الأولى والثاني الدرجة الثانية. وتجولت في القرى في جميع أنحاء الهند، وسكنت في الهند فما رأيت ولا سمعت أن أحدا مات من الجوع. ثم دعاني المرحوم علامة الهند السيد سليمان الندوي بعد ذلك بزمان إلى أن أتولى منصب رئاسة قسم الأدب بكلية ندوة العلماء. فأقمت فيها أكثر من ثلاث سنين،وتخرج على يدي التلاميذ، هم نخبة رجال الأدب العربي في بلاد الهند وباكستان في هذا الزمان. ولم أزل متصلا ببلاد الهند وباكستان بالمراسلة. وفي بلاد الهند تعلمت اللغة الانكليزية، وهي أول لغة أوربية تعلمتها.

ورأيت في الهند قوما لا يملكون شيئا عراة الأجسام، إلا العورة المغالطة، وسمعت أنهم إذا كانوا في الفلاة لا يسترون شيئا من أجسامهم، وإنما يسترون العورة المغلطة في المدن لان الحكومة لا تسمح لهم بدخول المدينة عراة. وكل واحد منهم يحمل إبريقا في يده ليستقي به الماء للغسل وللشرب وليس له مأوى ولا وطن، بل يهيمون على وجوههم. وسمعت أن عددهم في ذلك الزمن خمسة ملايين.ولكن عربة الأموات التي تخيلها المنتقد لا وجود لها في بلاد الهند، وإنما هي من اختراع الخيال.
هب أن الجوع القاتل موجود في الهند على سبيل الفرض، فذلك لا يدل على أن الأغذية لا تفي بحاجة أهل الهند لو اتبعوا الصراط المستقيم. ودونك البيان. في بلاد الهند رؤساء إقطاع كل منهم يلقب(براجا) وكل راجا يملك ما بين عشرين إلى ثلاثين فيلا. غذاء كل فيل منها في اليوم والليلة يشبع خلقا كبيرا من بني آدم. وهذه الفيلة لا يستعملها في فلاحة ولا في غيرها، وإنما يتخذها تعاظما وافتخارا. حتى إذا كان عنده احتفال بعرس أو غيره ينصب عليها قبابا من خشب الساج مكسوة بالحرير المذهب على ظهور تلك الفيلة ويركب فيها العروسان وأقرباؤهما فيسير قطارها في المدينة في شكل موكب عظيم. فلو وزع ما تنتجه الأرض في الهند توزيعا عادلا لما بقي هنالك معوز.
وهب أن ما تنتجه بلاد الهند من الأغذية لا يقوت أهلها، فلا ينهض ذلك حجة على أن ما تخرجه الأرض الصالحة للزارعة في القسم المعمور من الأرض وما تخرجه البحور من الأغذية في القسم المغمور لا يكفي سكان الأرض. إذن فلم خلقت الجواري في البحر كالأعلام التي تمخر المحيطات شرقا وغربا وجنوبا وشمالا حتى القطبين المكسوة مياهما بجبال الجماد. ولم خلقت القطر التي تشبه مدنا متحركة تقطع المسافات البعيدة بمعدل مائة وخمسين ميلا واقل وأكثر في الساعة، أضف إليها سيارات النقل والطائرات، زيادة على البهائم، إذ كانت لا تنتقل الأغذية من صقع إلى صقع ومن قطر إلى قطر، حتى يتوزع غذاء الأرض كلها على سكان الأرض كلها، خصوصا في هذا الزمان الذي اظهر الله فيه الآيات، واستطاع الإنسان أن يبلغ قمة السيادة ويذلل جميع العقبات. ومنذ قديم الزمان اهتدى الناس إلى تبادل البضائع من الأقوات وغيرها، ولم يستغن قطر عن قطر، ولا إقليم عن إقليم، مع ما كان يلزمهم من المشاق والأهوال لصعوبة الأسفار والعوائق الجوية، ولم يحدثنا التاريخ بان أقوات أهل الأرض عجزت عن تغذيتهم ، فماتوا جوعا.

فان لم يقتنع بما تقدم أجملا ولا بما يأتي تفصيلا فهلم نقصد السفارة الهندية والسفارة الصينية ونسألهما عن عدد الأموات جوعا وعدد العربات التي تلتقطهم في مخيلة المنتقد، عفا الله عنه.
4)- ثم قال: وقد ألقيت محاضرة أسيوية كبرى سنة 1955 تدعو سكان تلك البلاد إلى تحديد النسل للتخفيف من ذلك المشكل، فكانت النتيجة أن أصبح تزايد عدد سكان اليابان اثنين في المائة بدلا من عشرة في المائة في السنة.

أقول، هنا أسئلة تحتاج إلى جواب
1)متى ألقيت هذه المحاضرة.2) أين ألقيت.3) من ألقاها.4) أين نشرت.5) ما هي البراهين التي تضمنتها لإثبات هذه الدعوى؟. وبدون الإجابة عن هذه الأسئلة يكون هذا الخبر صفرا على اليسار عند من يدري ما يقول ويزنه بقسطاس مستقيم.
5)- ثم قال، هذا ويغلب على الظن أن سبب الخلاف الحالي بين الصين وروسيا راجع إلى كثرة عدد سكان الصين. فقد أصبح هذا القطر يحب الحرب لنشر دعوته الاشتراكية. وحب الحرب هذا يؤدي بطبيعة الحال إلى هلاك بعض الناس ليقضي الآخرون عيشهم في رغد وطمأنينة. أقول، في الحديث الصحيح، إياكم والظن، فان الظن اكذب الحديث. وقال تعالى:( إن الظن لا يغني من الحق شيئا) والذي نعرفه ويعرفه غيرنا، أن الخلاف الواقع بين صفوف الشيوعيين له سبب آخر. وذلك أن وفاة استالين أنكر عليه خلفه خروتشوف أمورا، منها الاستبداد وكثرة سفك الدماء والانحراف عن مذهب ماركس، فانقسم الشيوعيون في شرقي أوربا نفسها على قسمين، قسم قبل هذا الرأي وتشيع له، وقسم أنكروه، وكان الصينيون من هذا القسم. وكلا الفريقين يفسر مذهب ماركس ولينين ويرده إلى مذهبه. ومن الواضح أن الحزب الشيوعي الألباني من القسم الثاني المحافظ على مذهب ستالين. وقد كنت في برلين الشرقية في شهر يوليو المنصرم فعلمت أن كثيرا من الشباب من الحزب الشيوعي الألماني الشرقي يتعصبون لستالين. وملخص الخلاف أن شيعة ستالين يقولون:يجب على الشيوعية العالمية أن تجارب الرأسمالية بدون هوادة ولا توان إلى أن تقضي عليها ويصير العالم كله شيوعيا. ولا تجوز المهادنة ولا المسالمة إلا في حالة العجز إلى وقت محدود. أما إشباع الرأي الجديد، ومنهم السابق إلى هذه الفكرة واحد أئمة الشيوعية الكبار والماريشال تيتو رئيس الدولة اليوغسلافية، فيقولون أن مذهب ماركس ولينين ليس جامدا، بل هو قابل للتطور. وعلى الرجال القائمين به أن يوجهوه في كل زمان ومكان بما يناسب ذلك المكان وذلك المكان. ولو عاش لينين إلى هذا الزمان ما سلك غير هذا المسلك. ونحن على يقين إن الشيوعية العالمية تربح من المسلم والتعايش السلمي ما لا تربحه من الحرب، بل خسارتها في إيقاد نار الحرب في هذا الزمان محققة، وربحها مشكوك فيه، ولا يبيع المحقق بالمظنون إلا ناقص العقل سيئ التفكير. أضف إلى ذلك أن الصين دولة عظيمة، لها شعب يعد بما يزيد على ستمائة مليون، ثم هي مقصاة من الأمم المتحدة محكوم عليها بالنفي، فترى انه يجب على الشيوعية العالمية، وعلى رأسها خروتشوف أن تناصرها حتى تنال حقها من خصومها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فميل خروشوف إلى مسالمة الولايات المتحدة وعقده لمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية، تعده الصين خذلانا مبينا وتواطؤا مع الأعداء. وهناك أمر آخر يزيد في حنق الصين، وهوان أختها الروسية ضنت عليها بكشف أسرار التجارب النووية ولم تشركها معها في ذلك، وذلك ينافي صدق الإخوة والاتحاد في جهاد الرأسمالية العالمية. هذه بعض أسباب الخلاف والشقاق الواقع بين الشيوعيين مصحوبة بأدلتها والله اعلم.

6)- ثم قال، لكن إنماء عدد السكان يؤدي إلى ضيق البلاد بأهلها وعدم وجود أماكن مناسبة وكافية للقاطنين بها، فيضطرون إلى غزو البلدان الضعيفة لجلب الموارد التي يحتاجون إليها.
أقول تكرار لما تقدم إننا نؤمن بقول الله سبحانه(وما من دابة في الأرض إلا وعلى الله رزقها)ويستحيل اعتقادا وعقلا وعادة أن يخلق الله خلقا ولو يعد لهم رزقهم...وما أحسن ما قال ابن زريق:
والله قسم بين الناس رزقهم    لم يخلق الله من خلق يضيعه
فمن آمن بذلك لم يكن عنده إشكال. والى من كفر به نسوق البراهين العلمية المادية الإحصائية التالية:
جاء في مجلة الأزهر الغراء، في جزئها الثاني- من السنة الخامسة والثلاثين، صفر سنة 1383هـ- يوليه 1963م بقلم الأستاذ فتحي عثمان ما نصه.
بمناسبة الحملة ضد الجوع الذي نظمته هيئة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة.
القول بان الجوع نتيجة نوع من القوانين الطبيعية، قول لا يستنده رأي علمي، ومجرد تحليل بعض الأرقام يبين لنا أن رأي غير حقيق. فالمحيطات تغطي 71 في المائة من مساحة سطح الأرض، 29 في المائة هي الجزء اليابس من مساحة السطح، وهي تبلغ 56 مليون ميل مربع.

منها 30 في المائة تغطيه الغابات
20 في المائة تغطيه السهول العشبية
18 في المائة جبلي
32 في المائة صحراوات حارة أو قطبية
ويقدر روبرت سولتر وهومر شانتز من خبراء وزارة الزراعة في الولايات المتحدة: أن 25 مليونا من الأميال المربعة، أي نصف مساحة اليابس فقط- يمكن استغلاله في الزراعة بالطرق المتبعة حاليا في استغلال التربة. أما الجبال والصحاري فلا تعتبر صالحة لزراعة، ولو أن السنوات الأخيرة قد شهدت انتصارات ملحوظة حققتها طرق الزراعة الفنية في هذه البقاع.
ومع ذلك فان هذا الرقم يضع تحت تصرف البشر 16 بليونا من الأفدنة يزرعونها، أي بمعدل ثمانية أفدنة لكل فرد من السكان على أساس تعداد العالم الحاضر.

وقد قدر علماء الزراعة والتغذية الذين يدرسون العلاقة بين المساحة المزروعة وإنتاج الطعام في ضوء علم التغذية الحديثة، إن نحو فدانين لكل فرد يكفيان لتوفير العناصر الضرورية لغذاء معقول. وعلى أساس هذه النسبة تستطيع الزراعة أن تستغل ربع المساحة الصالحة للزراعة في العالم.
والى اليوم تبلغ المساحة المزروعة في العالم أكثر من مليونين من الأفدنة، أي بنسبة الثمن من المساحة الممكن زراعتها...وقد أسقطنا من حسابنا نصف مساحة اليابس، فالجبال والصحاري لم تحسب ضمن الأرض الصالحة لزراعة مع أن مآت الآلاف من الأفدنة في الصحراوات الدارية قد تحولت أخيرا إلى الزراعة بفضل الأساليب الحديثة، وان الروس يكسبون بطرقهم الزراعية المدهشة أراضي جديدة واسعة من الصحاري يحولونها إلى الزراعة.
ومن النظريات الأخرى التي تثير الفزع، القول بان إنتاج الطعام لا يمكن زيادته، لأننا بلغنا الحد الأقصى لطاقة التربة، وكذلك حدود التشبع البشري.

ولكن الحقائق هي:
أولا- من الخمسين في المائة من أراضي العالم التي يمكن زراعتها، لا يزرع الآن سوى عشرة في المائة.
ثانيا- أن علة الفدان في أكثر جهات العالم يمكن زيادتها زيادة كبيرة باستعمال طرق زراعية معقولة.
وقد انتهت لجنة منظمة التغذية التي طبعت التقرير الخاص بالتغذية في العالم إلى أن إنتاج القمح في الهند يمكن زيادته 30 في المائة في عشر سنوات منها:
20 في المائة بواسطة استخدام المخصبات
5في المائة بواسطة استعمال أصناف جديدة.
5 في المائة بواسطة حماية المحصول من الآفات والحشرات.
ويستطرد التقرير فيقول: انه بعد انقضاء هذه الفترة قد تستخدم وسائل جديدة تؤدي إلى رفع هذه الزيادة إلى 50 في المائة. ويمكن أن يحدث نفس الشيء في جهات كثيرة من العالم.
ويقدر ريموند كريتنس أن نصف الزيادة في الإنتاج الزراعي بالولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية كان يرجع إلى إدخال طرق فنية جديدة.
إن إمكانيات علاج الحيوان المستأنس والنبات بوصفها وسائل إنتاج غذائي، نستطيع زيادة حصيلتها كما وكيفا؟
ولدينا أمثلة كثيرة على ذلكن بين الحربين العالمتين الأولى والثانية، استطاعت تربية الحيوان على أسس علمية أن تزيد من معدل إنتاج اللبن في الدانمرك من2000 إلى 3200 رطل لكل رأس، وفي انجلترا من 2700 إلى 3200 رطل، وفي نيوزيلندا من 2000الى 3100 رطل. وهناك طريقة التوسع الزراعي بزراعة أراضي جديدة وأنواع جديدة من التربات. وإدخال نباتات وحيوانات جديدة للأغراض الغذائية، كذلك نستطيع استغلال موارد غذائية لم تطرق بعد، الكثرة الهائلة التي تزخر بها البحار، كما انه من الممكن تربية الإحياء في مياه المحيطات لتزيد من موارد الإنسان الغذائية. إن أول نصر كبير على الجوع سوف يأتي في شكل زيادة أساسية في الإنتاج العالمي للغذاء. وتقف الطبيعة والعلم كلاهما على استعداد للمعاونة في هذا السبيل.

وهناك مساحة شاسعة من الأراضي غير المستعملة تنتظر الاستغلال- وتستطيع الفنون الزراعية أن توضح لنا أحسن طرق استغلالها، كما تستطيع أن تبين لنا كيف تزيد استفادتنا من الأرض التي تزرع فعلا، وكذلك من البحر أو حتى من مركبات المواد غير العضوية..
هكذا يبسط لنا خبير معهد التغذية بجامعة البرازيل(جوزويه دي كاستو- آمال العلم)
أظن أن هذه الأرقام الناطقة تقيم البرهان الحسي لمن لا يؤمن بكلام الله ووعده الذي لا يخلف. وهي غنية عن التعليق.
7)-قوله، واله سبحانه يقول(إن ارضي واسعة وإياي فارهبون) أقول، في أي كتاب قال ذلك؟ أفي القرآن ام في التوراة أم في الإنجيل ؟ أما في هذه الكتب الثلاثة فلا يوجد هذا التعبير. وان كان فيما نزل على آدم وشيت وإدريس وإبراهيم الخليل فلم نطلع على كتبهم. والعجب ممن يريد أن ينصب نفسه منتقدا ثم لا يحفظ القرآن ولا يكلف نفسه مراجعة المصحف أو يسال أي حافظ للقرآن، وحفاظه كثير. والذي في القرآن، هو قوله تعالى في سورة العنكبوت(56، يا عبادي الذين امنوا إن ارضي واسعة فإياي فاعبدون)وهذه الآية نزلت في المستضعفين بمكة الذين كانوا يخافون من كفار مكة أن يظهروا إيمانهم، فحثهم اله على الهجرة إلى الأرض التي يكونون فيها أحرارا فادرين على إظهار دينهم. فان الرزق مضمون لهم أينما ذهبوا في ارض الله، وليس مقصورا على وطنهم وأما قوله، وإياي فارهبون، فإنها في سورة البقرة، قال تعالى(40، يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفي عهدكم وإياي فراهبون)
8)- ثم قال، لكنه يقول في مناسبة أخرى( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)لقد مضى على نزول هذه الآية ألف وثلاثمائة وبضع وثمانون سنة، ولم يفهم منها احد الدلالة على منع الحمل خوفا من ضيق الرزق، مع أن ألافا من العلماء فسروها من عهد الصحابة إلى يومنا هذا.

روى أبو داود في سنته عن اسلم أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن نافع وعلى أهل الشام يزيد بن فضالة بن عبيد، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج ألينا، فصاح الناس إليه، فقالوا سبحان الله، القي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب، يا أيها الناس إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما اعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا، لو اقبلنا على أموالنا فصالحناها، فانزل الله هذه الآية. إذن معنى الآية، النهي عن ترك النفقة في الجهاد في سبيل الله، فان ذلك يفضي بهم إلى غلبة العدو وهو التهلكة.

واكتفى بهذا القدر ولا أرى حاجة للرد على بقية كلامه، لان من قرأ مقالي المنشور في مجلة دعوة الحق في جزئيها السادس والسابع من سنتها السادسة يجد الجواب عنه مفصلا.
فلا حاجة إلى تكراره. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here