islamaumaroc

[كتاب] الحلة السيراء، لأبي عبد الله ابن الأبار

  دعوة الحق

63 العدد

الحلة السيراء هذا هو العنوان الأنيق الذي اختاره المؤرخ الأندلسي العظيم أبو عبد الله ابن الآبار القضاعي البلنسي المقتول بتونس سنة 658هـ لكتابه الذي جمع فيه تراجم الأمراء الشعراء الذين لم تصرفهم مهامهم في السياسة والحكم والحرب عن الفن الشعري وما فيه من عواطف وجمال...
وكلمة «السيراء» تمعنى نوعا خاصا من الحلل كان معروفا أيام الحضارة الإسلامية بنسيجه الممتاز بخيوط من ذهب وحرير فاخر...
فالحلة السيراء تعني الحلة الفاخرة المنسوجة بخيوط من ذهب وحرير.. ولا شك أن هذا العنوان يناسب الموضوع الذي هو شعر الملوك والأمراء.. في الشمال الإفريقي والأندلسي...
وقد اشتهر المؤلف بمؤلفات عظيمة الأهمية من الناحيتين التاريخية والأدبية كانت وما تزال مصدرا أساسيا للبحث في تاريخ الحضارة الإسلامية في الشمال الإفريقي والأندلس منذ الفتح الإسلامي إلى أواسط القرن السابع الهجري.
وقد ظلت هذه المؤلفات في دير الاسكوريال قرونا طويلة.. كما هو الحال في المكاتب والخزائن الأخرى شرقا وغربا.. وظلت الاستفادة منها مقصورة على المحظوظين الذين يملكون منها نسخا خطية قليلة العدد غالية الثمن... إلى أن تنبه لأهميتها المستشرق -دوزي- في هولاندا...والمستشرق- فرنسيسكو كوديرا- في اسبانيا.. منذ أواسط القرن التاسع [عشر] وإذ ذاك عرف بعضها الطريق إلى نور المطبعة ككتابي- التكملة- و-المعجم- اللذين طبعا بمدريد سنة 1886م.
أما كتاب "الحلة السيراء" الذي نتحدث عنه فقد نشر منه -دوزي- قسما خاصا برجال الأندلس ضمن كتابه الذي ألفه عن بني عباد في إشبيلية.. كما نشر منه قسم آخر على يد مستشرق ألماني...


ومع ذلك فقد ظلت الحلة مخطوطة إلى الآن لا تحد من يحررها ويقدمها للطبع مع أهميتها البالغة بالنسبة للتاريخ الإسلامي في المغرب والأندلس.
واليوم نجد أنفسنا أمام دراسة جامعية واسعة النطاق حول هذا الكتاب يقوم بها الدكتور عبد الله الطباع ويقدمها في شكل رسالة لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة مدريد في اسبانيا.
وقد كنا نود كما يود سائر الباحثين المهتمين بالدراسات الأندلسية والمغربية أن لو اهتم الدكتور الطباع بنشر النص الكامل لمخطوط الحلة السيراء لنجد أمامنا مجالا لتكميل معلوماتنا الناقصة حول كثير من الشخصيات الأندلسية والمغربية.. وستظل ناقصة ما لم نطلع على نص كامل لكتاب ابن الأبار...
ومن طريف ما وقع حينما تناولت هذا الكتاب بعد شوق عظيم واهتمام بالغ.. أنني لم أشك مطلقا أنني أمام النص الكامل لكتاب الحلة السيراء لأبي عبد الله ابن الأبار.. ولم أشك مطلقا أنني سأجد ضالتي المنشودة التي طالما بحثت عنها دون جدوى لاسيما والصفحة الأولى من الكتاب تحمل العنوان الكامل مع هذه العبارة المشوقة.
-حققه وعلق عليه وقابله على مخطوط-
-مكتبتي مدريد والاسكوريال-
-وترجم لمؤلفه وقدم له.. عبد الله أنيس الطباع.

ولكن أحلامي تبخرت بمجرد ما خلوت بالكتاب إذ وجدت نفسي أمام دراسة عن الكتاب لا أمام الكتاب نفسه... والشيء الطريف في الموضوع هو أنني تناولت الكتاب الضخم بالمطالعة وأنا أظن أنني سأجد في فصل من فصوله إشارة إلى أن المؤلف سينشر النص الكامل لكتاب الحلة السيراء بعد ما نشر دراسته عنها، وما زال ذلك الظن يراودني إلى نهاية الكتاب.. وأخيرا استسلمت للواقع بعد ما تأكدت من مفعول خداع العناوين...
ثم أقبلت على الدكتور الشاب فوجدت دراسة جامعية حقا تتوفر على عدة مصادر مخطوطة ومطبوعة مع أسلوب دراسي دقيق الترتيب والتبويب.
وقد نال ابن الأبار حظا وافرا من عناية المؤلف فترجم له ترجمة واسعة وتناول حياته وشعره ونثره ومؤلفاته ومذهبه في الحياة وآراءه في التاريخ والسياسة وأسباب قتله ومأساة إحراق كتبه مع إحراق شلوه..
ثم عرض بعد هذه الترجمة التحليلية للمؤلف وآثاره إلى فصول الكتاب واحدا واحدا متتبعا ترتيب المؤلف في الحديث عن الملوك والأمراء حسب عصورهم ومواطنيهم وكان عرضه لا يخلو من فائدة ونقد وتعليق أحيانا.

ولاشك أن هذا العرض رغم أننا لا نقرأ فيه نصوص ابن الأبار نفسها نجد فيه من المتعة والفائدة أكثر مما نجد في ترجمة المؤلف نفسه.

فهناك بالنسبة إلينا نحن المغاربة نجد شعرا وأخبارا لأمراء من العصر الإدريسي في المغرب كما نجد أخبارا مهمة عن المعتمد بن عباد ويوسف بن تاشفين وأبناء المعتمد بن عباد وغيرهم من الشخصيات المغربية والأندلسية.

كما أنه توجد هناك شخصيات من العصر الفاطمي والصنهاجي والحفصي بالنسبة لتونس وأخبارها على العموم لا نكاد نجدها بهذا التفصيل عند غير ابن الأبار...

وإذا أمكننا أن ننتقد عمل الدكتور الطباع في هذه الدراسة فلا شك أننا سنجد مآخذ لا بأس من الإشارة إليها في هذا الحديث.

وأهم هذه الانتقادات في نظرنا هي:

1- الاعتناء بالناحية الشكلية في البحث أكثر من الناحية الجوهرية، أو بمعنى آخر أن الدكتور الطباع كان يقدم لنا معلومات معروفة ومشهورة ولكنه ينسقها ويخرجها في شكل جميل مع إهماله وسكوته أحيانا عن المعلومات التي تتطلب منه التحقيق وكشف الغموض الذي يكتنفها... والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب ولاسيما في الترجمة التي كتبها لابن الأبار.. واعتمد فيها اعتمادا واضحا على سلفه المرحوم الدكتور عبد العزيز عبد المجيد الذي ألف كتابا خاصا عن ابن الأبار سنة 1951 وطبع بتطوان.
2-بساطة التعليقات التي علق بها على المعلومات التي أخذها من الكتاب فهي أحيانا سطحية وهي أحيانا بسيطة لا تليق ببحث جامعي يقدم لنيل شهادة الدكتوراه، والأمثلة على ذلك كثيرة يمكن للباحث أن يعرفها من خلال مراجعة فصول الكتاب.
  
                                      
ولكن هذا ليس إلا انتقادا بسيطا للمؤلف له أن يجيب عنه بعدة اعتبارات.. ولم لم يكن من حسنات المؤلف إلا أنه أتاح لنا الفرصة من جديد للتفكير في ابن الأبار وتراثه التاريخي والأدبي ولاسيما كتاب الحلة السيراء لكان ذلك وحده كافيا في تقدير جهوده في ميدان البحث والاطلاع والتأليف.
وهناك كلمة أخيرة يجب أن نقولها ونحن مطمئنون إلى أنفسنا وهي أن دراسة الدكتور الطباع قيمة ومفيدة ولكنها مع الأسف لا تغنينا عن مراجعة مخطوط الكتاب.

وعليه فإن نشر كتاب الحلة السيراء ما زال دينا في عنق الباحثين يجب الوفاء به على كل حال.. مع التقدير لمجهود الدكتور الطباع في القيام بهذه الدراسة المفيدة...

كما أنه يجب أن ينوه بالمقدمة التي كتبها لهذه الدراسة الأستاذ العلامة السيد عبد الله كنون... كما كتب مقدمة كتاب المرحوم الدكتور عبد العزيز عبد المجيد من قبل... فان ابن الأبار في نظر الأستاذ كنون وفي نظر زملائه في بحث التراث الفكري للمغرب والأندلس جدير بكل تقدير واعتبار ودراسة... ومؤلفاته ذخيرة من ذخائر الأجداد التي لا يستغنى عنها.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here