islamaumaroc

السياسة الدولية بين سنتي 1901-1907(تر. عبد الحق بنيس)-3-

  دعوة الحق

العددان 60 و61

عندما استقر الوضع الدبلوماسي الجديد (بين سنتي 1902 و1904)، وصار الاتفاقان الفرنسي ـ الإيطالي والاتفاق الفرنسي ـ الإنجليزي ـ وهذا الأخير يختلف في الأهمية عن الأول اختلافا كبيرا ـ نافذي المفعول، أصبح زمام المبادرة في الحالتين معا رهينا بالسياسة الفرنسية، وبعبارة أخرى بسياسة ديلكاسه ((Delcassé)). وموضع التساؤل هنا هو: هل حدد ديلكاسه أهدافه منذ أن تقلد مهام وزارة الخارجية أولا؟*(1). الشيء الثابت أن برنامجه في سنة 1902 كان واضح المعالم ثابت الأركان، إذ كان يهدف من وراء هذه السياسة إلى زعزعة الحلف الثلاثي والتخفيف من حدة الخلافات الاستعمارية بين انكلترا وفرنسا حتى يتعزز مركز فرنسا في أوروبا. كان ديلكاسه مطلق اليد في توجيه السياسة الخارجية الفرنسية حيث أن الحكومات التي شاركت فيها كانت تهتم أولا وقبل كل شيء بالقضايا الداخلية، ومن حسن حظه أن سفراء بارزين من أمثال بارير (Barrère) في روما، وبول كامبون في لندن يساعدونه. تلكم إذن حالة نموذجية للدور الذي قد يلعبه الأشخاص في التاريخ، ولما قد يكون لهؤلاء من مميزات، وقدرة على فهم المشاكل الوطنية. ولكن ينبغي ألا نغمط الرأي العام حقه ـ وعلى الأقل بالنسبة للعلاقات مع بريطانيا العظمى ـ فهذا الرأي العام هو الذي ساند سياسة ديلكاسه، أولم تعرب جل الصحف في سنة 1901 عن أملها في «تسوية» الصعوبات بين فرنسا وانكلترا؟ ولعلها أرسلت هذه الصيحة بعدما رأت بوادر إبرام حلف بين انكلترا وألمانيا، ثم إن أصحاب التصدير في سنة 1902 قد أوجسوا خيفة من نجاح انكلترا في برنامجها الرامي إلى حماية مصنوعاتها، فرأوا في التقارب السياسي بين البلدين وسيلة للحصول على تخفيضات في التسعير الجمركي الإنكليزي، وهنالك ما هو أهم ألا وهو زعماء «الحزب الاستعماري». فهؤلاء كانوا في سنة 1898 من ألد أعداء التفاوض مع انكلترا فأضحوا في هذا الوقت من دعاة هذه السياسة.
إنها أحوال مواتية لنجاح هذه السياسة الجديدة.
ولكن لماذا فكرت كل من بريطانيا العظمى وإيطاليا في تقارب من فرنسا؟
أظهرت الحكومة البريطانية كثيرا من البطء في إعارة الأذن الصاغية لعروض ديلكاسه: فهذه العروض قدمت في غشت 1902 ولم تفتح المفاوضات حولها في الحقيقة إلا بعد مرور سنة كاملة على هذا التاريخ. فقد أظهر أعضاء الحكومة، وبالأحرى بلفور، خلف سالسبوري، وابن أخته، كثيرا من التحفظ. ولا يمكن في الوقت الراهن معرفة تفاصيل المداولات التي جرت في المجلس الوزاري. على أن السبب الرئيسي الذي أدى إلى تسوية الخلافات الاستعمارية الفرنسية ـ الإنكليزية، هو الفشل الذي منيت به محاولة إبرام حلف إنكليزي ـ ألماني. كان جوزيف تشامبرلان من أول المتحمسين لمشروع هذا الحلف، ثم ما لبث بعد ذلك أن أضحى من أول الدعاة إلى حل آخر، وصرح في دجنبر1902 لقنصل فرنسا بالقاهرة بأن انكلترا أصبحت ملزمة بالعدول عن سياسة العزلة، وأنها فكرت في وفاق مع ألمانيا فأخفقت دون ذلك، وانها ترغب والحالة هذه في الحصول على صداقة فرنسا. وللدخول في المفاوضات كان ينبغي الابتداء «بتبادل العرابين» لاشك أن تجربة حرب جنوب افريقيا، تلك التجربة التي دلت على ضعف الوسائل العسكرية البريطانية، كانت عاملا في هذا التحول. وقد كتب عنها القائم بالأعمال الفرنسي فقال: «بأنها بداية التعقل». ثم إن إنشاء الأسطول الحربي الألماني كان يقلق بال الحكومة والإمبرالية معا: ولم يتخذ قرار إنشاء قاعدة بحرية كبرى على الضفة الشرقية من ايكوسيا إلا في أكتوبر 1902.
وما من ريب في أن حالة الرأي العام الذي أظهر إزاء ألمانيا حذرا شديدا سهلت هذا التطور الطارئ على السياسة البريطانية، فقد أشارت الصحف إلى المنافسة التجارية، وأبدت بعض التخوفات إزاء قضية سكة حديد بغداد بل ذهبت إلى القول بأن السياسة الألمانية أرادت أثناء حوادث فينزويلا، أن تفحم بريطانيا العظمى في طريق خطير، فتحدث بذلك غيوما في سماء العلاقات البريطانية ـ الأمريكية. ان هذه «القطيعة المعنوية» لمن الأهمية بمكان.
إلى جانب هذه التيارات التي ظهرت في الرأي العام، وبالإضافة إلى الشواغل التي برزت عند رجال الحكم هل ينبغي أن ينضاف العامل المادي في تعليل هذا التطور؟ إن ميزانية بريطانيا العظمى وعملتها قد اجتازتا في أعقاب حرب جنوب افريقية صعوبات جمة، فأضحت لأول مرة منذ مائة وخمسين عاما مضطرة إلى إجراء قروض خارجية، وكانت في حاجة دخول إلى رؤوس الأموال وأغلبية هذه الأموال من فرنسا.
إن إيجاد علاقة بين المساعدة المقدمة من لدن السوق المالية الفرنسية لبريطانيا العظمى وبين التفاوض حول إبرام اتفاق سياسي، لمن الفرضيات الباعثة على الإغراء. إلا أن هذا الافتراض لا يقف صامدا أمام تحري الوثائق. فالقروض الخارجية التي قدتها الحكومة الإنجليزية كانت في معظمها من الولايات المتحدة. ولم يكن التيار القوي لرؤوس الأموال الفرنسية التي توافدت على بريطانيا العظمى بقصد الاستثمار إلا شيئا تلقائيا. ولعل الرأسماليين الفرنسيين كان يغريهم ما يجدونه في سوق لوندرة من قائدة أكثر من التي تقدمها لهم باريس، ولعلم كانوا يعرضون عن فرنسا لما تفرضه هذه من ضرائب فادحة على الأرباح. إن هذه العلاقات المالية لم يؤد إلى أدنى تفاوض بين الحكومتين. ولم يتم التفاوض حول اتفاق مؤقت بين بنك فرنسا وبنك انكلترا إلا بعد مرور سنة كاملة على إبرام اتفاقات 8 أبريل 1904؛ ثم إن هذا المشروع نفسه قد أقبر فيما بعد وبقي حبرا على ورق.
ولقد بدأ الاتجاه الجديد للسياسة الخارجية الإيطالية يظهر اعتبارا من سنة 1896 أي منذ الهزيمة التي منيت بها إيطاليا في الحبشة وما تبع ذلك من سقوط كريسبي (Crispi). إن إيطاليا وقد فشلت في افريقيا الشرقية، لم تعد تتجه بأنظارها إلا لطرابلس الغرب. ورأت في هذه البلاد ميدانا خصبا للتوسع الاستعماري؛ ولهذه الغاية كانت إيطاليا في حاجة إلى التأكد من حسن نية فرنسا. ولهذا السبب قبلت في شتنبر 1896 بأن تعترف ضمنيا بالحماية الفرنسية على تونس، شريطة الحصول على ضمان الامتيازات التي كان الباي قد خولها منذ سنة 1868 للإيطاليين المقيمين في هذه البلاد. ولها السبب كذلك وضعت في نوفمبر 1898 حدا «للحرب الجمركية» التي ظلت قائمة بين البلدين عشر سنوات، تلك الحرب التي أنزلت في الحقيقة بالاقتصاد الإيطالي خسارات أفدح من التي لحقت بالاقتصاد الفرنسي. وهكذا تلقت إيطاليا في دجنبر 1900 تأكيدا من الحكومة الفرنسية بأن هذه سوق لا تسعى في «بسط نفوذها» على طرابلس؛ والمقابل هو عدم عرقلة العمل الذي قد تقوم به فرنسا في المغرب الأقصى. وفي الجملة كان يهدف هذا «الانفراج» الفرنسي ـ الإيطالي إلى وضع حد للتنافس الاستعماري بين البلدين وذلك بتقاسم مناطق النفوذ.
بيد أن الحكومة الإيطالية لم تقف عند هذا الحد بل سلكت في سنة 1902 طريقا أدى بها إلى إبرام اتفاق سياسي. كان الملك عمانويل الثالث، وقد اعتلى العرش بعد مقتل هومبيرت (Humbert)، يأمل في هذا التقارب مع فرنسا، وهدفه من ذلك الحصول على «استقلال أكثر»، إزاء كل من ألمانيا والنمسا، وكان يشاطره هذا الرأي رئيس الوزراء زانارديلي (Zanardilli) الذي ظل يحتفظ منذ أن كان زعيما لحزب البعث الإيطالي بعواطف مناوئة للنمساويين؛ فقد كان يقول: إن إيطاليا ترغب في القيام بعملية تحويل في الدخل ولا يمكن أن يتأتى لها ذلك إلا بالاعتماد على السوق المالية الفرنسية؛ إلا أن الحكومة الفرنسية لم تكن مستعدة لقبول قيمة الإسناد المالية إلا إذا قدمت لها إيطاليا تأكيدات سياسية. تلكم، فيما يؤخذ من البحث التاريخي في حالته الراهنة، الدوافع الأساسية التي جعلت الحكومة الإيطالية (تترجم) ما تعهدت به كتابة في معاهدتها مع ألمانيا.
عندما أقدمت كل من إيطاليا وبريطانيا العظمى على إبرام هذه الاتفاقات، لم يكن لهما مع ذلك نية في الاشتراك في «نظام مناوئ لألمانيا»؛ فلم ترغب الحكومة الإيطالية في العدول عن الحلف الثلاثي لأنها كانت تخشى الوقوع في «أحضان التبعية لفرنسا»، كما كانت تخاف من إضاعة الفرصة التي قد تكسبها من تحكيم ألمانيا، إذا ما حدث نزاع إيطالي نمساوي. ثم إنها كانت بحاجة قصوى إلى السوق الألمانية التي كانت بمثابة منفذ لمنتجاتها الزراعية.
أما الحكومة الإنجليزية فلم تكن تجهل، أثناء التوقيع على اتفاقات 8 أبريل 1904، بأن ديلكاسه كان يقصد «إبقاء ألمانيا بعيدة» عن تسوية القضية المغربية، ولهذا التزمت جانب الحذر من أجل المستقبل ولم تتعهد لفرنسا في هذه القضية إلا بالسند الدبلوماسي إنها لم تفكر في تحالف فما بالك باتفاق عسكري بري أو بحري. ولكن بإمكان المرء أن يطرح هذا السؤال: ألم يخطر ببال الذين قاموا بالتقارب، من أمثال بلفورولا نسدوون، أن هذا العمل في حد ذاته قد يصبح مقدمة لخطوات أخرى من شأنها إن تبعدهم عن الهدف الذي توخي في أول الأمر؟ يظهر من كتابات المؤرخين الإنجليز ان رجال الدولة الإنجليزية في قضية «تبادل» مصر بالمغرب قد استسلموا للحوادث دون سابق حساب، ودون إمعان عميق. إلا أن الشيء الذي لا يقبل الجدل أن فرنسا لم تستطع أن تتأكد من عون مسلح إنجليزي ولا حتى من حياد إيطالي، إذا ما حدث بينها وبين ألمانيا نزاع: وكل ما كانت تعول عليه هو احتمال حدوث هذه الأمور. وهذه النتائج نفسها قد تصطدم بالتطاحن الروسي الإنجليزي في مسألة الشرق الأقصى، هذا التطاحن الذي ازداد حدة اعتبارا من سنة 1902 تاريخ إبرام التحالف الإنجليزي ـ الياباني. إذ كيف سيكون في وسع فرنسا ـ إذا حدثت حرب روسية ـ يابانية ـ أن تفي بتعهداتها إزاء حليفتها روسيا وأن تحافظ في نفس بتعهداتها إزاء حليفتها روسيا وأن تحافظ في نفس الوقت على صداقتها مع إنجلترا حليفة اليابان؟ أن ديلكاسه كان مدركا تمام الإدراك لهذه الأزمة ومنذ خريف 1903 أعرب لبول كامبون عن رغبته في حمل روسيا وانجلترا على تصفية خلافاتها؛ إلا أن هذه الرغبة ظلت أفلاطونية حيث أنه سعى عبثا، في يناير 1904، في أن يلعب دور الوسيط بين روسيا واليابان.
أما الحكومة الألمانية فإنها، بمجرد إبرام الوفاق الودي، لم تخف حسرتها وأخذت على ديلكاسه كونه دفع بإيطاليا في طريق «الرذيلة». فما هو رد الفعل الذي قامت به ألمانيا؟ ان النزاع الروسي ـ الياباني الذي من شأنه أن يزعزع الحلف الفرنسي ـ الروسي، وأن يشل في رمشة عين فعاليته العسكرية قد فسح مجالات مواتية للمبادرات الألمانية فماذا ستفعل فرنسا إزاء تهديد ما؟ لقد قام ديلكاسه ـ وهذه نقطة ضعف في سياسته ـ بعمل منفرد دون أن تكون الوسائل العسكرية والحالة النفسية للبلاد موازية لسياسته هذه.
إذن كانت الحرب اليابانية ـ الروسية امتحانا عظيما للنظام الديبلوماسي الذي شيده ديلكاسه. وفيها ظهرت كذلك نوايا السياسة الألمانية التي قررت أن تستغل هذه الحرب لعرقلة عمل فرنسا في الدولة العلوية. بيد أن الحكومة الألمانية بإثارتها هذه المسألة كانت تهدف ولاشك إلى خدمة مصالحها الاقتصادية وأكثر من ذلك اعتبارات الجاه والنفوذ. ومع ذلك كانت هذه العوامل ثانوية إذ أن المستشار بولوف قال في سنة 1905: أن المملكة العلوية لا تمثل، بالنسبة لمصالح ألمانيا العامة إلا «مكانة ضئيلة جدا». وهكذا فالأهداف مرتبطة بالسياسة العامة الألمانية. وأولها تفكيك الوفاق الودي الفرنسي الإنجليزي: فلو تدخلت ألمانيا في القضية المغربية وفسرت لبريطانيا العظمى تفسيرا حرفيا التعهدات الدبلوماسية التي أبرمتها في 8 أبريل 1904، لظهر لفرنسا خطاها في الاعتماد على الصداقة الإنجليزية وهذا ما سيجعل التقارب بين الدول العظمى الغربية عديم الجدوى. وثانيهما مرتبط بالمجالات التي فتحتها الحرب الروسية اليابانية: فقد أدركت حكومة القيصر منذ الهزائم الأولى التي منيت بها روسيا في منشوريا، ان التحالف الإنجليزي ـ الياباني هو مصدر كل متاعبها؛ فكانت والحالة هذه غير راضية على فرنسا التي أخذت تتقارب من بريطانيا العظمى وقد اندلعت الحرب بالفعل، وهكذا سيصبح في وسع ألمانيا أن تستغل هذا التذمر لتعرض سندها على روسيا بمجرد ما تسنح بذلك أول فرصة، فتصل بذلك إلى زعزعة الحلف الفرنسي ـ الروسي بل إلى تحطيمه إن اقتضى الحال. حقا إن الحكومة الفرنسية لو اضطرت للاختيار بين الصداقة الإنجليزية والصداقة الروسية لفضلت بدون شك العدول عن الوفاق الودي لأن الأسطول الإنجليزي ـ كما قال غليوم الثاني ـ «غير قادر على حماية باريس».
وفي حالة كهذه سيكون في إمكان السياسة الألمانية أن تحصل على النتيجة الآتية: إحلال «حلف قار» محل التحالف الفرنسي ـ الإنجليزي، وستضطر فرنسا إلى الدخول في هذا الحلف إلى جانب روسيا وألمانيا دون أن يكون لها مكانة بارزة فيه.
والواقع ـ وهذا ما تؤيده الوثائق الدبلوماسية ـ ان هذه الأهداف السياسية هي التي ظلت، طيلة الأزمة الدولية، تتحكم في اتجاه المبادرات الألمانية للوصول إلى غايات متشابكة. ففي أكتوبر 1904 كان مشروع التدخل في القضية المغربية قد أعد بالفعل ولكن غليوم الثاني أجل تنفيذه بسبب وقوع حادث إنجليزي ـ روسي في بحر الشمال ـ قضية دوجير بانك*(2) ـ هذا الحادث الذي حذا به إلى أن يعرض على القيصر إبرام حلف دفاعي. ولما فشلت ألمانيا في مسعاها هذا قررت أن تثير من جديد الجدال حول المغرب لتزعزع بذلك أركان الوفاق الودي؛ ولكنها بعد سقوط ديلكاسه قررت أن تسلك سبيلا آخر؛ وأعتقد أنها ستنجح في هذا السبيل حينما قبل القصير، وقد كان حسيبا من جراء الهزيمة العسكرية في منشوريا وبسبب تهديد الثوار، بتاريخ 24 يوليوز 1905 قبل أن يوقع في بجوركيه (Bjôrkoe) على معاهدة سرية تنص على إقامة تحالف دفاعي بين روسيا وألماني، على أن تدعى فرنسا للمشاركة في هذا الحلف وتكون بمثابة شريك ثانوي. وقد تصور بولوف في هذه الآونة أن يترك هذا الحلق القاري. وعندما جس نبض الحكومة الفرنسية في أكتوبر 1905 أجابت بأنها لا تفكر تماما في هذا الاحتمال، وعندئذ أدرك القيصر مدى ما سيرتكبه من طيش إن هو أقدم على تحطيم الحلف الفرنسي ـ الروسي ـ فعدل عن معاهدة ابجوركية، ولم تلبث السياسة الألمانية أن ولت وجهها من جديد نحو القضية المغربية، وكانت في هذه المرة تعنتا وعنادا.
فهل هذه مناورات دبلوماسية كانت تبحث ـ على حد تعبير السفير الألماني «على الثانية عشرة زوالا في الساعة الثانية؟».
إنها كذلك ما في ذلك من شك. ولكنها ليست بأحداث بسيطة. فلو لم يكن بولوف مقنعا بنجاح أساليبه لما أبعد فكرة الحرب الوقائية التي اقترحتها عليه أركان الحرب.
إلا أن هذه السياسة الألمانية أخفقت إخفاقا ذريعا؛ إذ أن الوفاق الودي لم يتزعزع بل تعزز جانبه. ففي يناير 1906، ومؤتمر الجزيرة الخضراء على الأبواب، بات حدوث حرب فرنسية ألمانية وكأنه قريب الوقوع، في هذا الوقت سمحت الحكومة الإنجليزية بدون أن يكون في نيتها أن تلتزم مقدما بتعهد ثابت أو تحالف معين، سمحت لأركان حربها أن تدرس مع أركان الحرب الفرنسية «أسس العمل العسكري الموحد»؛ إذن فلأول مرة تفكر انجلترا في التدخل في حرب قارية: إن انحسار روسيا هو الذي دفعها إلى أن تلقي بنفسها في الميزان لتعادل قوة الدولة الألمانية. وقد تعهدت إسبانيا بواسطة اتفاق 16 مايو 1907 بأن لا تتخلى لألمانيا عن جزر الكناريا أو الباليار، ووعدت بأن «توحد خطتها» مع فرنسا وبريطانيا العظمى إذا ما أصبح الوضع الراهن في البحر الأبيض المتوسط أو في الشواطئ المغربية مهددا بالتغيير. ثم إن التحالف الفرنسي ـ الروسي الذي تأثر جدا بمعاهدة ابجوركي، ظل سائر المفعول؛ حقا إن الفعالية الواقعية للاتفاق العسكري كانت محدودة جدا باعتبار أن الجيش الروسي باعتراف من رئيسه نفسه، لم يكن قادرا على تعبئة «ما ينويه من الجنود» ـ لم يكن العدد معروفا بالضبط ـ إلا في أمد طويل، ولكن التضامن الدبلوماسي ظهر جليا في مؤتمر الجزيرة حيث تلقى الوفد الروسي أمرا بمساندة وجهة النظر الفرنسية، مقابل الوعد بتقديم مساعدة مالية. إلا أن نقطة الضعف في نظام ديلكاسه الدبلوماسي؛ ظلت قائمة: وهي أن الخلافات الإنجليزية الروسية التي سويت في الشرق الأقصى بما أسفرت عنه حرب منشوريا من نتائج هذه الخلافات لم تستوف آسيا الوسطى والشرق الأدنى؛ ولذلك عمدت بريطانيا العظمى عندما كانت بصدد تجديد معاهدة تحالفها مع اليابان، في شتنبر 1905، إلى إدراج بند يتعلق بحماية الهند.
أما وان الحكومة البريطانية وطدت العزم في الأخير على أن تتقارب مع روسيا، فتلكم كانت المبادرة الأساسية. فلماذا فكرت فيها بريطانيا وكيف نجحت في هذا المسعى؟
في لوندرة كانت شواغل السياسة العامة هي المتحكمة في توجيه هذا القرار. كان الأمر يتعلق أولا بتعزيز جانب الوفاق الودي الفرنسي ـ الإنجليزي، وسيكتب عما قريب السيد ادوارد (Edward Grey) ما نصه: «سوف لا نستطيع أن ننهج في آن واحد سياسة التفاهم مع فرنسا وسياسة التصلب مع روسيا» فكان الوضع يدعو بالأحرى إلى جعل حد لمحاولات ألمانيا في إبرام حلف قاري: نعم علمت وزارة الخارجية البريطانية عن طريق الصدفة تقريبا، إن غليوم الثاني كان يسعى اعتبارا من غشت 1905 في أن ينشئ في ابجوركية «تكتلا يضم ألمانيا وفرنسا وروسيا دون بريطانيا العظمى»؛ وقد تلقت من مصدر فرنسي ما يؤكد هذا الخبر ليس من شك في أن المحاولة باءت بالفشل إلا أنها قد تستأنف عما قريب بين ألمانيا وروسيا، على الأقل. ثم إن الوهن العسكري لروسيا كان لبضع سنين يفسح لألمانيا مجالات مواتية: ولهذا كان «الخطر الألماني» هو الشغل الشاغل؛ وكانت بريطانيا العظمى أكثر الدول إدراكا لهذا الخطر فأخذت منذ مايو 1906 ترقب التطور الجديد الطارئ على برنامج إنشاء السفن الحربية الألمانية. وفي 20 فبراير 1906 لاحظ غري في مذكرة كتبها لنفسها ما يلي: «أن تفاهما بين روسيا وفرنسا وبريطانيا العظمى قد يتيح لنا الاطمئنان المطلق. فإذا كان من اللازم إحباط مساعي ألماني فعلينا بهذا التفاهم».
وفي بطرسبوغ حيث خلف الاسكندر ايزفولسكي (Isvolsky في مايو 1906، الكونت لامسدورف (Lamsdorff) في مايو 1906، الكونت لامسدورف (البرلمان الروسي) اعتقد وزير الخارجية الجديد أن روسيا مدعوة، بعد أن خابت آمالها في آسيا الشرقية إلى أن تسلك من جديد سياسة بلقانية بمجرد ما تصبح قادرة على ذلك. وستجد في البلقان معارضة النمسا ـ هنغاريا، فكان عليها والحالة هذه أن تبحث لنفسها عن دعامات دبلوماسية. كان ايزوفولسكي يشعر بالحاجة إلى تقوية الحلف الفرنسي ـ الروسي، بيد أنه بات يدرك كذلك أنه لكي يصل إلى هذه الغاية لابد له من السعي في تقارب مع بريطانيا العظمى: والا تعرض الحلف من جديد للخطر آجلا أو عاجلا من جراء الخلافات الإنجليزية ـ الروسية، إذ قد تعمد ألمانيا، لاستغلال هذه الفرصة، فتسلك من جيد سياسة ابجوركية. كان هذا أيضا رأي السفير الروسي بنكاندروف (Benckendorff) المعتمد في لوندرة إذ قال: «إن التحالف مع فرنسا رهين إلى حد كبير بعلاقاتنا مع انجلترا».
إلا أن تحقيق هذا التقارب يستدعي ـ وهذا هو الشرط الأول ـ تراجع روسيا عن القيام بأية مبادرة في الشرق الأدنى أو آسيا الوسطى، لأن مبادرة من هذا القبيل معناها تعريض سلامة الهند للخطر. والحقيقة أن هذه التضحية أمر لا مفر منه كيفما كانت الظروف طالما أن الجيش الروسي كان وقتئذ غير قادر على المجازفة بنزاع في هذه المناطق مع بريطانيا العظمى. إذن فمن الأولى أن يسلم المرء بهذه الحقيقة الناصعة ثم يحاول أن يتفاوض حول هذا التراجع ليكسب منه أكثر ما يمكن كسبه. وأخيرا يأتي عامل قلة الموارد المالية الروسية ويلعب دوره كذلك إذ كانت حكومة القيصر تسعى في إجراء قرض من سوق لوندرا، وبطبيعة الحال سوف لا توافق السياسة الإنجليزية على تقديم هذه المساعدة المالية إلا إذا أرادت روسيا أن تسوي الخلافات الآسيوية.
إذن فالشواغل الأوروبية هي التي هيمنت على هذه المفاوضات التي أسفرت عن اتفاق 30 غشت 1907.. يأتي في المقام الثاني الرغبة في المحافظة على سلامة الهند. ولم تتردد الحكومة البريطانية في إخضاع طرف من مصالحها الاقتصادية في فارس، لهذه المقاصد السياسية؛ وعبثا حاول نائب الملك في الهند أن يحصل في هذه البلاد على «رقعة أكبر من أجل التوسع التجاري» وعبثا كذلك لاحظ الوزير الإنجليزي في طهران أن منطقة النفوذ المخصصة لبريطانيا «لا تكفيها للتوسع الاقتصادي». وبالرغم من أن الرأي العام كان يعرف أن الاتفاق حول فارس ـ هذا الاتفاق الذي اعتبر وكأنه «مساومة مجردة من أية قيمة» ـ أمرا قابلا للأخذ والرد، إلا أنه أعرب عن ارتياحه لهذه الخطوة التي قد تكون مقدمة لتفاهم إنجليزي روسي على الصعيد السياسي العام.
ما هي أهمية هذه السنوات القليلة والمليئة بالأحداث بالنسبة لتطور العلاقات الدولية؟
فهل يعتبر «التكتل» الذي أصبح قائما بين الدول العظمى أبرز ظاهرة مميزة لهذه الفترة؟ كلا؛ فلهذه الظاهرة قيمتها من حيث دلالتها فقط. لأن بريطانيا العظمى كانت تأبى على نفسها أن تلتزم بأي عهد من شأنه أن يحول الوفاق الودي إلى تحالف: فقد قال السير ادوارد غري بكل وضوح في يناير 1906 بأنه رفض عن وعي وببرودة دم «الالتزام بتعهد ما... قبل أن تعرف أسباب النزاع أو تكون هذه الأسباب قد بدأت تظهر». أما ما يخص الإنجليز والروس فإن الاتفاق المبرم بينهما لم يكن يتضمن أدنى وعد على صعيد السياسة العامة؛ بل إن هذا الاتفاق ترك الباب مفتوحا على مصراعيه فيما يرجع للقضية الأساسية ألا وهي المضايق العثمانية: وعبثا حاول ايرفولسكي أن يحصل على وعد بمراجعة الاتفاقية الدولية لسنة 1841 إذن فالوفاق الثلاثي لم يكن إلا بمثابة الخطوط الأولى التي ترسم للصورة، لا الصورة ذاتها. وقد لاحظ السير ادوارد غري أن «تكتل فرنسا ـ انجلترا ـ وروسيا ضعيف البنيان» وكان يعتقد أن ليس في الإمكان تعزيزه بسرعة.
ان التبدل الطارئ على النفسية الجماعية هو الذي يهم أكثر من غيره. إذ يعد إبرام الاتفاق الإنجليزي ـ الروسي نبهت الصحافة الألمانية إلى حالة «التطويق» التي أصابت ألمانيا. ولم يكن جمهور من الرأي العام في بريطانيا العظمى، بل وفي فرنسا كذلك، لينسوا أن ألمانيا أثناء أزمة 1905 ـ 1906 قد لجأت إلى وسائل التهديد وتصرفت وكأنها تريد القيام بالحرب؛ كانت الرغبة إذن تجنح إلى إقامة حاجز دون المطامح الألمانية، بالرغم من أن بعض المفكرين من أمثال هانوتو*(3)، ظلوا يندبون هذه الرغبة. وهذه الحالة النفسية نتجت عن الانتصارات التي حققها ديلكاسه في 1902 و1904، وبوجه خاص نتجت عن الأساليب التي لجأت إليها الحكومة الألمانية في سبيل فصم عرى الوفاق الودي والتحالف الفرنسي ـ الروسي، تلك الأساليب التي أعطت نتائج عكسية بمعنى أنها عززت جانب هذه الأحلاف بدلا من أن تحطمها.
ولو تمحصنا هذه السلسلة من الأحلاف، لوجدنا أن أسبابها الأساسية راجعة إلى الاهتمام بأمن الدولة، والرغبة في الجاه، وإرادة العظمة.
لاشك أن تناقض المصالح المادية كان عاملا مساهما في تنمية الأحقاد والمشاحنات. ولكن ما هي الأهمية الملموسة التي كانت لهذا التناقض في المصالح إذا ما نظرنا إلى المسألة من زاوية المنازعات الدولية؟ ففي خارج أوروبا، في المناطق التي تصادمت فيها المصالح الاقتصادية، سويت هذه المنازعات بأوساط الحلول. أجل أبدت الحكومة البريطانية استعدادها، بين سنتي 1905 و1907، ـ كما لاحظ المؤرخ الإنجليزي المحقق أ. تايلور (A. Taylor) ـ «لمنح امتيازات خارج أوروبا لتمتين التوازن الدولي»: وهكذا ضحت في قضايا فارس بالشواغل التجارية والمالية في سبيل الأهداف الدفاعية والسياسية. وإذا أدى اصطدام التوسيعات الاستعمارية إلى حدوث «تكتلات سياسية جديدة» فلا يمكن اعتبار هذا الاصطدام والحالة هذه، سببا في هذه التكتلات. أما في أروبا، ....... لجأت الحكومات إلى استخدام «السلاح» الاقتصادي والمالي كما فعلت فرنسا في اتفاقها مع إيطاليا وفي تجديد اتفاقها مع روسيا وكما فعلت بريطانيا العظمى في تهييء الجو لاتفاق 1907، إلا أن عامل الاقتصاد والمالية في أحوال كهذه ما كان أبدا محركا للعمل السياسي وإنما كان أداة له. والواقع أن المصالح السياسة هي التي كانت في سائر الأوقات الحرجة العامل الحاسم سواء تعلق الأمر بإيطاليا سنة 1902، أو ببريطانيا العظمى في 1904 و1907، أو بألمانيا سنة 1905.


(1) منذ سنة 1879، أي حينما كان محررا في جريدة غامبيتا واسمها «الجمهورية الفرنسية» كان يلح في مقالاته على فكرة «إعادة النظر في خريطة أروبا»، كما كان يدعو إلى التعاون مع انجلترا لقهر ألمانيا. إلا أن الملاحظات التاريخية تبين شيئا من التناقض في هذا الاتجاه، لاسيما في سنة 1901 حينما أراد وهو وزير للخارجية، أن يقدم عونا لروسيا ضدا على انكلترا.
(المترجم)
(2) لما كان البارجة الروسية سائرة في بحر البلطيق نحو الشرق الأقصى لمحت زورقا انجليزيا وظنت أنه يريد بها سوءا فأطلقت النار عليه (المؤلف).
(3) كان هانوتو الوزير الفرنسي في 1896 من القائلين بالتعاون الصادق مع ألمانيا، وكان يؤمن بصلاحية إقامة حلف قاري لمقاومة بريطانيا العظمى في الميدان الاستعماري.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here